سلطة الخطاب: لماذا لاهوت اللغة؟!

سامي عبد العال
2016 / 6 / 12

لا يسود الخطابُ- شكلاً واسلوباً ومرجعيةً- بصورة ثابتةٍ إلاَّ في ثقافة التقليد. وتاريخنا الثقافي عصور من السلفيات تسلم إحداها إلى الأخرى تباعاً. بحيث لا يستطيع المُتلقي صياغة معنى دونما احتذاء الآخرين. فلئن كان الخطابُ يحمل اسرارَ المجتمع، أسرار حياته، فالقضية تتجاوز مجرد الاحتذاء في مجالٍ واحد. ضمن الثقافة العربية قد يتجلى هذا الأسلوب مثلاً في السياسة. من خلال ترديد نفس المقولات والأفكار. وكذلك الالتزام بنبرة التمجيد لشخص الحاكم. وسكب معاني الولاء لمهابته. لكننا لو تأملنا قليلاً سنجد تعميماً لآليةِ ذلك الخطاب عبر مجالات شتى. كالحال داخل الفكر الديني والأخلاق والطقوس الاجتماعية والتعليم و المناسبات العامة. ما السبب وراء ذلك؟
استعمال اللغة بشكل لاهوتي يؤكد حالة الاجترار من مجالٍ إلى آخر. وقد لا يملك فردٌ الخروج من أثقالها، وليس فئة من فئات المجتمع فحسب. إنَّ عدم إدراك تلك العملية اللغوية الثقافية إنما يطغى حقباً بأكملها. فمجالات المجتمع لا تشبه أوراقاً لكراسٍ نقلبُ الواحدةَ منها بعد الأخرى تحت أصابعنا، لكنها حدودٌ متداخلةٌ بما يستحيل فصلها. أليس هناك مجتمع؟... إذن هو يماثل خفاء اللغة في عملها. ففي أصغر وحداته يختزن أعظم صفاته ومورِّثاته الثقافية.
الثقافة المهيمنة تتخطى كافة المجالات الفرعية وتخترقها بواسطة العبارات المتداولة. فماذا ستكون أرصدة الخطاب: إنها كل المفاهيم، كل التبريرات؛ أي كل حيل سيتذرع المُخاطِب بها لطرح رسالته. لدرجة أنَّ الخطاب يقارب بهذا الإطار بين مجالات الثقافة المتناقضة. وتكاد ترْشَح الصيغُ اللغوية كما ترْشَح التربة المتراكمة بمكوناتها التاريخية. فإذا بها مثقلة بصور ومفاهيم نمطية. الحقيقة كامنة حصراً في مركزية هذه الثقافة. أي: الدين كمركز إنتاج يقف وراء الدوافع والأهداف التي تحققها. بل باستطاعته شحن فاعليها بقدرات نوعية وصراعية. من هنا كان توظيف(الدين) بجميع أنماطه هو جوهر الاستغلال والقمع. وأسهم في ابقاء الأوضاع على ما هي عليه اجتماعياً وسياسياً.
ولا سيما أنَّ الدين لدى الذهنية العربية هو نموذج معياري paradigm نُحتَّت على منواله كافةُ النماذج الفكرية. فالآيات الدينية والنصوص المأثورة تُرّصِّع أيَّ كلام في الشأن العام. ولا يجد أدنى مضمون نفاذاً دونما الاتكاء على القبول الديني. فمجال التواصل لدينا مجال أهوج لا قانون موضوعي له. كما أنَّه يناور أحاسيس القطيع وعقائده المذهبية. وهذه السمة تسللّت بعباءة الفقهاء إلى مظاهر الكلام إجمالاً. فاللاوعي الجمعي يلهثُ وراء أنماط سائدة لها الحظوة لدى العامة والخاصة. ومن غير رجال الدين لهم تلك المكانة؟!
ونتيجة ذلك فإنَّ رتم الخُطب أيا كان مجالُّها تكرر لُّهاث الخِطابة الدينية. وتتلاعب بالمشاعر بنفس الطريقة التي يمسك بها أصحاب الفقه الله ويوزعونه على الأتباع حارمين غيرهم منه. كما أنَّ اللهجة العنيفة والإقصائية تبطن المعاني في شتى الاتجاهات. ولأن الخطاب الديني كلام بلا ضمان إلاَّ بكم "الينبغيات المجانية"، أي ينبغي السمع والطاعة وينبغي الالتزام بالفتاوى...، فإنَّه يصادر أي اختلاف متوقع. بل يفرض أوامره ونواهيه بلا نقاش.
إنَّ سلطة الخطاب بهذا التكوين تمنع وجود خطابات متنوعة. لأنها تستحوذ على كافة الفضاء اللغوي الذي تهيمن عليه. ولا تسمح بتغيير نمط التعبيرات الجارية. كما أنه يثبت المرجعية في صورة مرجعية عليا لا ينازعها شيء. وبخاصة حين يحدث تواطُؤ تاريخي بين أسس الثقافة الغالبة وبين آليات الخطاب ومنطقه. نقول تاريخي لأنَّ ظروفاً اجتماعية تتدخل بأحداثها في معادلة الصراع بين قوى الخطاب والواقع. فلا يتم نفاذ سلطة لخطاب دون قاعدة اجتماعية ثقافية يجري تكريسها. فالتأويلات السائدة للدين هي كذلك عصية على التغير لكونها تلجأ إلى بنية عشوائية من الأفكار تتكتل باسمها في الشارع. وتحتمي تحت صدفة الأفكار الشائعة. ولهذا يحافظ فقهاء الدين على هذه الحاضنة الشعبية بقدر حفاظهم على مصادر رأسمالهم الرمزي.
في الأغلب تحرُث آليات الخطاب الأرضية لأجل بذر نمط الخطاب بمجمل تكويناته. وذلك اعتماداً على استثمار موارد ثقافية في إعادة تأكيد رسالته ومآربه. وبالتالي لا يدّخِر الخطاب السياسي الديني جهداً في التلاعب بالموارد تغلغلاً في المجتمع. وأحياناً يبلور هذه الموارد ويأخذ في إنضاجها على مهل كخميرةٍ لإدارة الصراع على نحو طويل الأمد. عندئذ يبدو الخروجُ على اللهجة السياسية خُروجاً على مهابة السلطة وقداسة الدين معاً.
لهذا يكاد رجال الحكام والدين يتشممون الكلام شماً. ويحولونه إلى إحساسٍ غريزي، إلى جلد لغوي يشعرون فيه بوخزات المعارضين. ويتلقون الكلمات بأسلوب مُناخي ما بين السخونة والبرودة والاعتدال والدفيء والعواصف والأمطار والرعود والبروق. لأنَّ الخطاب الأُحادي خطاب بدائي يتعامل مع اللغة كممتلكات طبيعية خاصة رغم عموميتها. وما كان ينبغي من وجهة نظرهم لغير أصحاب هذا الخطاب الاقتراب منها. كانت اللغة، الرموز، الأيقونات في المجتمعات البدائية مسكونة بالألغاز والمجهول. ولهذا لا يستطيع ترويضها سوى الكهنة وملوك القبائل وحافظي الأسرار وتراتيل الآلهة. وتباعاً جرى النظر إلي الكلمات على أنها مقدسة بنفس مكانة أصحاب السلطة العليا، فهم مالكُّوها، وهم المؤثرون بها.
مازالت الثقافة العربية تتمسك بتلك الأطر التاريخية. الأطر القائمة كما يبدو على التراتب السلطوي. لأنّ مجال اللغة لم يشهد فكراً مغايراً، منذ عصور المعتزلة والأشاعرة وما واكبهما من رؤى للبلاغة والفكر اللغوي لتأويل النصوص الدينية. كما أنَّهما بوصفهما تيارين كبيرين بجانب الفكر الشيعي طرحا أفكاراً متباينة على صعيد الخطاب الحواري أو بالأدق الجدلي. مما أسهم في طرح صيغ خطابية مبثوثة في كتب البلاغة وقضايا الفكر الكلامي.
ثم سرعان ما تم تسيس الأفكار الدينية فشهدت العصور العربية اضمحلالاً في تنوع الخطاب العام. واتخذ توجُهاً متسلطاً دون أي خطاب مخالفٍ. وظلت تلك السمة ساريةً حتى أُممت الكلمات العامة في عصر الاستبداد الحديث. فعلاً مع ظهور الدول القومية العربية أممت مفاهيم الدولة والأخلاق والسياسة والدين والإنسان والحكم والإدارة والمؤسسة. وكانت ازاحةُ التنوع صكاً لأي نظام استبدادي كي يُرعِب المبدعين والكتاب من الإدلاء بدلوهم في قضايا السياسة والدين والإنسان.
هذا الميراث كله ضد منحى التاريخ الإنساني بأي وجهٍ كانَ له. لأنَّ اللغة تشهد (خطابياً بوجه خاص) اختلافاً لا مناص من إطلاقه إلى مداه الأبعد. هو اختلاف إنْ لم يكُن في العلن ففي الخفاء. ولهذا شهد كلُّ عصر عربي حركاتَّه السرية ومذاهبه الباطنية خارج السرب السياسي الديني. ولو كان ثمة اعترافٌ بتنوع الخطابات ما كانت لتأخذ هذه أطرافاً قصية لمعالجة القضايا ولصياغة النصوص المؤسِسة للفكر الديني.
إن التنوع في التعبير نظام أرضي إنساني. والحياة مليئة بأنظمة دلالية تدفع بالتنوع من قبل البشر وأنه قانون أساسي لاستمرار المجتمعات. بل جاء كجزء من حقائق الكائنات والعلاقات والشعوب. وليس ملائماً الإطالة في تلك النقطة لكنها تعاجلنا بأنَّه: إذا كان الاختلاف يمتّد إلى مجالاتٍ كهذه، فإنَّه يمتد إلى الخطاب بصورتهِ الأعمق. فما لم يكن هناك تنوع في أساليبه المنفتحة ما كنا لندرك أهمية اللغة وتأثيرها داخل المجتمع. كما أنَّ التنوع ليس مهماً فقط على مستواه الوجودي بل على صعيده اليومي أيضاً. فهو ينتج الأفضل. لماذا نهتم بتنوع الأسواق ومصادر الدخل وأصول الثروات بينما ننصرف عن المغايرة في صيغ الخطاب؟!
إذا كان الاقتصاد وتنوع منتجاته مهماً لصحة البطون والملذات، فكذلك الخطاب ضروري لصحة العقول والأفهام. مع أن المجالين لا ينفصلان من واقع المجتمع واللغة. فالمجتمع يتلقى إفراز البطون والملذات ويتلقى انتاج العقول بالمثل. والمجتمع دائرة لحركة الطرفين، كما أن لكل بطن عقلاً كذلك لكل عقل بطن. ولهذا تعتمد اللغة كما يقول نيتشه على صحة الاجساد والبطون كذلك. لأنَّ اللغة تأكل كما نأكل. وتمرض كما نمرض. وتحدث لها تخمة الكلام كما تصيبنا تخمة البطون. وصحة المعاني لا تأتي من بطون بلونية إنما من أجساد تعرف قوانين الاختلاف والتغاير. وعلامة مرض المجتمع سيادة الخطاب الواحد وسيادة البطن الواحد(كرش الحاكم وحاشيته وخطاباته).
التنوع في صيغ الخطاب قدرة على ابتكار المعاني. كما أنَّه إثراء لتاريخ المجتمع. فلا يوجد ثقافة تطغى بشكل لاهوتي قاهر دون ضمور مكوناتها. الأغرب أن التنوع سيحدث شئنا أم أبينا على الرغم من صلف السلطة بأنواعها. حتى في خطاب تلك السلطة سياسياً واجتماعياً ودينياً لن يستطيع إبلاغ معانيه كما هي. لأنَّ اللغة ستفتت جوهره، وستعطيه بنية بلاغيةً تميع منطقه لدى أشد الناس تعصُباً لمحتواه واستراتيجياته. فلو حاول هذا المتعصب مرةً أنْ يردد نفسَ الكلمات كما هو حال أصحاب الخطاب الديني المتشدد، ستفت محاولات الفهم في عضد الألفاظ.
إنَّ المحاولة الثانية للفهم ليست كالأولى وستكون الثالثة غير الثانية وستجري الرابعة مختلفة عن سابقاتها. المحاولات تعيد تجسيد التعبير، من خلال تمثله لتغدو صياغته الجديدة منحرفة عن غيرها بالضرورة. ليس أمامنا سوى الاقتناع بأنَّ لكل إنسانٍ تجربته النوعية مع فهم المعاني وإن أُلقيت التعبيرات مِراراً وسط جموعٍ. ما ينطبق على القارئ الأول سيجري على الآخرين بصورة أكثر انحرافاً. وفجأة سنعرف أننا في الحقيقة تجاه مجموعة خطابات داخل الخطاب الواحد. إذن مع تكرار الخطاب بنغماته ومعانيه إنما يهدر تعبيره الخاص فضلاً عن إهدار الزمن. وسيكشف عن فقر الكلام من أي معنى في نهاية الأمر. لأنَّه يستحيل إلى درجة الإطلاق ترديد الخطاب على كل الألسن وعلى ذات النغمات والرسوم دون تحطيمه. لو رجعنا للمماثلة بين البطون والعقول، هل يمكن تناول طعام مأكول قبل ذلك؟! طبعاً يأباه الذوق العادي، فما بالنا بتناول الكلام مُعاداً ومكرراً!!