الخطاب والثقافة وإنتاج المعنى ( مشكلة فلسفية)

سامي عبد العال
2016 / 6 / 10

قد لا يُجدِي أيُّ تعريفٍ عندما نكُون بصدد الخطاب. حيث لا تعريف في الغالب دون تحديد مسبق؛ أي دون معرفة تقيدّه...بينما الأهم انفتاح الفهم بلا قيود إزاء تكوينه. فالخطاب أبنية لغوية متغايرة بخلاف ما نظن. التعريف يُقلص مفهومه حاصراً إياه في زاوية ضيقةٍ. أليس التعريف حداً مانعاً برأي المناطقة؟! عندئذ سرعان ما ندرك أنَّ هناك شيئاً أكثر رحابةً. شيء أبعد من رص عبارات اللغة بجوار بعضها البعض كقوالب حجرية. فمع القيود يثار الخيال الثقافي مثلما تطفُر المعاني ببلاغة الألفاظ.
فالخِطاب باختلاف مجالاته يتطلب حاسة ثامنةً وليست سادسةً فقط. سْمِها ما شئت عكس المتعارف عليه. لأنَّه يفترض إحساساً بميلاد اللغة عبر أدق التفاصيل. واللغة تُولد سرياً- بالرغم من أنها على الملأ- حيث المعاني المتجددة في جوانب الثقافة. إنَّ صياغة العبارات الدالة لا تقل عن ميلاد أي كائن حي له مخاضه العسير وحياته المتغيرة.
الصياغة إذن تشكيلٌ(سبك) للكلمات بحيث تتاح العبارةُ لاستعمال جديدٍ. وتظهر في الواقع كدوالٍ حيةٍ مفتوحة على المستقبل. بذات الوقت يُتَوقع في محيطها أنْ تضيف إمكانيةً ما. لعلَّها إضافة غير مُقدَّر جوهرها بسبب وجود أطراف عدةٍ في حركة اللغة. فهي ليست مفردة تاريخاً وممارسةً إنما لا تُفترض اللغة إلا بافتراض جماعةٍ ما. كلٌّ يُسهم فيها بدرجةٍ أو أخرى كشأن عملية التواصل. ففي التواصل يتوقف معنى الكلام على ما يطرحه الآخر، وعلى ما يفهمه، وعلى ما يصوغه. وإذا كانت تلك العملية نسبيةً حين يتواصل فردٌ مع غيره، إلا أنها تضم تاريخاً وأفعالاً خارج نطاقها، بل يراقبها المجتمع دونما أنْ يشعرَ الفردان.
ـ ــ 1 ــــ
اللغة نظام للتعبير وفقاً لقواعد من خلال خلفيات الكلمات وصياغتها. هي بذلك أعمق نظام يخترق عقول الأفراد بلا تفرقة. موضِحاً الرابطة القابلة للتداول ومُبرزاً الدلالة علي الأشياء والمعاني كما تتداول ثقافياً. مع اللغة هناك المخاطَّب دوماً. هذا المتلقي للرسالة مهما يكن وضعُه. إنَّه النقيض والمشابه، الغائب والحاضر، الجمع والمُفرد. هو الرغبة بمجمل تقلباتها. فاللغة تطرح درجات للرغبة بما هي معرفة، بما هي حوار، بما هي هيمنة بواسطة التعبيرات.
والخطاب -من تلك الزاوية- قدرة على الابلاغ وإيصال ما لم يكُن ليصل. من ثم ينفتح المعنى ليشمل تبايناً وثراءً غير قابلين للاختزال. لأنَّه وليد هذا الصراع المنتج. حينما ننشغل بمسألة نتحدّث إلى أنفسِنا. فيُقال- لو صادفنا أحدٌ- يا للعجب...فُلان يكلِّم نفسه!! دلالةً على فقدان الانسجام ومكابدة التنازع نحو شيء ما. لهذا تتسع دوائر الصراع فردياً واجتماعياً من الأنا إلى الآخر ومن الآخر إلى الغير.
ولا يعني هذا اعتبار تلك الدوائر منفصلة(الأنا– الآخر- الغير) لكنها دوائر وهمية الانفصال ووهمية الاتصال أيضاً. فاللغة تتيح إمكانية التداخل بينها بواسطة الحوار وتجاوز المسافات. كما أنَّ أصداءها تبقى داخل المعاني التي تُترك ضمن محيطها. وإذا كانت ثمة تمييز بينها رجوعاً إلى اختلاف ما فأنها تتشابك بقدر ما تتنوع. فالحركة قد تعبر عن الصراع طالما تعبر عن التوافق والانسجام.
حيث تحتفظ صيغُ الخطاب مثلاً بمكونات الصراع وتمنحه فرصاً للظهور. هو ما يُعرف بقضية الفكر واللغة. العلاقة بينهما كالعلاقة بين وجهي العُملة. إذا وُجِدَ أحدهما لا مناص من وجود الثاني. إن اللغة فكرٌ منطوق والفكر لغة صامتة. فهناك شيء معبر عنه على طريق المعنى. وتبقى اللغة على وعدها التاريخي بنقل المعاني حيث يؤثر الخطاب في الحياة الاجتماعية. فلم يعثر الإنسانُ طوال عصوره على نظامٍ أكثر بساطةً وتركيباً من اللغة. ولهذه الأسباب يطرح بها أفكاره.
• توفر اللغة اتساقاً للفكر عن طريق صيغ الخطاب والنصوص. حيث يأتي المعنى معبراً من رحم التناقض دون القضاء عليه.
• تعطي إمكانية للتفكير في الغائب، المجهول. ولهذا يحاول الإنسانُ بواسطتها بناء عالمه، إذ أنَّ طرح الفكرة يُرهص بتحققها.
• تضمن، ولا تضيّع، الموروثات التاريخية بأنماطها المتنوعة. وتمدِّد العمل بها في أشد الحالات انقطاعاً عن الماضي. لذلك ضياع اللغة معناه ضياع التاريخ.
• اللغة إذ تختفي تُظهِر الأشياء والعلاقات والأحداث. فهي كالثقافة تعمل في خفاء كخفاء الموت لكنها( ولكنه) الإطار الوجودي لمعنى الحياة.
• تتيح فرصاً لفهم وتفسير كافة الأنظمة الدالة الأخرى مثل الرموز والإشارات والعلامات والشفرات اجتماعياً ووجودياً.
• تحقق تواصُلاً بين الإنسان وغيره أيا كان الاختلاف بينهما. وبذلك هي الحارسة - دون تكليف من أحد- لحركة المجتمعات ولمعاني الإنسانية.

ـ ــ 2 ــــ
قد يُنظر إلى الخطاب على أنَّه تدبيج لكلمات منمقة كما هي تقاليد العرب. وأحياناً يُوصف بالكلام المغلف بالبلاغة خطفاً لآذان المستمع. أو كما يقول المتنبي "يُعطِيك من طرفِ اللسان حلاوةً ويرُوغ منك كما يرُوغ الثعلبُ". على هذا الطريق يجيء خطابا الفكر الديني والسياسي. هما خطابان كرنفاليان. الأول يحتفي بالحضور بفضل الرضا الإلهي على عبادِه أو هكذا يُردِّد. لذلك يرتبط اجتماعياً بالجموع وطقوس الطوائف وأصحاب المذاهب والنِحل. والثاني يحتفي بالمتلقين استناداً إلى تجاذب الرغبات وتوجيه اللاوعي العام.
الخطاب الديني يتذرع بالبلاغة كي يمتلك القداسة. لكنه في النهاية محض صور إنسانية مرصعةً بالأقوال المأثورة. أما الخطاب السياسي فهو عجينةٌ بلاغية تتشكل مع الوهم الجمعي. فتبدو الكلمات كائنات تسعى مثلما سعت عصا موسى. الإشارة إلى هذين النمطين من الكلام لا يعنى حصر الخطاب فيهما غير أنَّهما يكشفان بجلاء استعمال اللغة. كيف تُحقق المعنى وإلى أي مدى تتخلّق. ومع ذلك لا ندرك ماهية هذا التأثير بسهولة كما نظن. فلو تساءلنا كيف تتخلق فصول السنة، صيفاً وشتاءً وربيعاً وخريفاً، لن يدرك الإنسانُ إجابةً. لأنَّها تأتي من أعماق الطبيعة. ونحن ننسى ما هي الطبيعة لكوننا الشكل الحي منها.
في العادةِ نغْفل الكلام، ونُلقي به منصرفين حتى مع علاقتنا وجهاً لوجه. بيد أنَّه جزءٌ من ذاكرة حيةٍ. لعلَّه قابل للاستعادة متى كان الإنسانُ قادراً على ذلك. لقد أصبح حينئذ عُنصراً من كياننا، ولا نتوقع أيةَ إمكانية دونه. لو استطاع الإنسانُ المرور بما يُقال له وبما يتصوره وبما يجُول بخاطره، لأمكنه الحصول على تراكم لغوي غير متناهٍ. فأينما يذهب يواجهه كلامٌ وراء الكلام، بل كثيراً ما يخضع لخطابٍ قيد الاتفاق الضمني. وحينما يهم الإنسان بإنجاز أمرٍ لا يفطن إلى أنَّه أمرٌ جاء في وثائق اجتماعية مخطوطة بعقول الآخرين.
وهنا يجب التنويه أن الكلام والكتابة وثائق مدموغة في أرشيف الحياة اليوميةِ(أرشيف الثقافة). فأحداث الحياة تشكل - من أصغرها إلى أكبرها- وثائق بحروف ورموز نستغرق أزمنةً في فهمها. قد يستغرق شخص فيها بالتساؤل عما يجري حوله ولا يجد إجابةً، وربما يدور آخر معها بكثرة الثرثرة(هوس الكلام) logomania، بينما يطارحها شخص مختلف تبادلاً بالحوار والنقاش. وهناك غير هؤلاء من ينشغل بظلال الكلمات. إنَّ تفسيرات الدين، رؤى المجتمع، التراث، الأفكار، أحبارٌ سائلةٌ بين تلك الحروف. هي مزيج من الخطابات التي تشكل أفقاً إنسانياً. فمنذ أنْ يخضع الكلام إلى رسالةٍ يلتئم في محاولة لشمول المستمع، وفوق هذا تستند صياغتُه إلى تاريخٍ من التصور يتيح الوصول إلى غايتها.
إذا كان ثمة خطاب مقدس(الكلام الإلهي) فهناك خطابات على منواله، كالقانون والأعراف والطقوس. وإذا كان هنالك خطاب مُراوغ والتفافي، كالشعر والنثر، فهناك خطابات إيقاعية تختزن موسيقى الحياة فرحاً وبهجةً. لو وجد خطاب صارم كالأخلاق والقيم، فهناك خطاب الحقائق إذ يحرص المجتمع على تعقُبها. وإن كان ثمة خطاب مهموس، كالشائعات والنميمة، فهناك كلمات النفس، تداعي الخواطر، معاني الخيال. أين اللغة من دون اللغة، أين الواقع من غير الوقائع؟! نقوش على أحجار عتيقةٍ، تسلخات وحزوز على لحاء أشجارٍ في غابة برية، رمية نرد تتراقص على كل الأوجه، ضربة ذيل على صفحات المياه لحيتان ضالة ومضطربة، قرقعة لهواء مكتومٍ يتنفس ويتسرب رويداً، آثار على رمالٍ تحت شمس حارقةٍ...، إنَّ ذاكرة التعبير بها كل تلك الصور والنقوش. لأنها ستكون معبرةً لإنسانٍ يرسم بكلماته مسافة وعلامة لغيْرِه. فمكتوب بين عينيه كنظرات الموناليزا هنا يكمن المغزى، هنا ترقد أجداث الحقيقة. القضية من ثم نفس قضية منشأ الخطاب: أنْ ترسم مساحةً لآخر، أنْ تمنحه علامةً تقع منه على معنى لوجوده، وجوده المادي أو الاجتماعي أو الفكري.

ـــ 3 ــــ
إذن ليست اللغةُ أداةً للتواصل فحسب لكنها أيضاً كَوُن نتنفس من خلاله وجودَّنا. هذا الكون الدلالي لا ينتهي في طياته وتحولاته. مثله مثل الحياه، مراحلَ وأزمنةً وبقايا وصراعاً. إذا أردنا التحدث فسرعان ما تمدنا اللغة بكلِ طاقة محتملةٍ. لأنها تعطينا مناسبةَ الحديث وزخم الفهم. اللغة هنا أكثر من مجرد ألفاظ. عندئذ تعرفنا فكراً نعبر عنه وتختبر بالكلمات ما نعتقده يقيناً حين تُجسِده موضوعَياً خارج عقولنا. يجري هذا الأمر كما لو يري اليقينُ نفسه لأول مرة منسلخاً عن ذواته. لهذا يجد نفسه قزماً وليس يقيناً كما كنا نمتلأ به. لنجرب مثلاً ترديد التصورات التي نعتنق صحتها بصوتٍ عالٍ، ولنسمع صداها مع ترديد العبارات. إذ ذاك ستفقد صلابتها. اللغة تأخذ منا وتغذي الآخر داخلنا، هذا الذي ينازعنا الحقائق. وعندما ينطق الفكر أو يكتب أو يرمز إليه يتجسد عملاً. وضمن بناء الأفكار وتجسدها يتأرخ المعنى مع التعبيرات ويختزن امكانياته التي يَعد بها. وبواسطة الخطاب يتحول المعنى إلى لاوعي يصعب التحكم فيه. لقد تم تمثُله وتحوله إلى أصداءٍ، بالتالي يُمسِي قابلاً للانتشار مع عباراتٍ أخرى.
أما على مرمى الآخر، فتعد اللغةُ نظاماً رمزياً اجتماعياً، الخطاب أحد شفراته إذ يرمي بالأهدافِ(فردية وجمعية) حيث تُؤثِر. ويقع التأثير بمضمون المعاني، لكأنَّما يجيء المضمونُ مؤشِراً وفاعلاً في عين الوقت. ومن هنا فإنِّ المعنى صُور تُضاف إليها مؤشرات أخرى مع التلقِي. فعندما نخاطِب شخصاً بوجوب مراعاة القواعِد الاخلاقية، يستهدف قولُنا تزامنَ الفعل عبر المضمون. ويستهدف ترادُف الدلالة على قبول القواعد، فضلاً عن سريانها إلى نهاية المطافِ. تبعاً لذلك، المعنى أشبه بنسيج اسفنجي يمتص الفهم والتأويل، ويعيد فرزهما مع ضغط الممارسة الاجتماعية، الثقافية، غير أنَّه يُثرِي تواصُلاً أياً كانت مستوياته، ويظل قادراً على البقاء طي التعبير.
ربما يكون القول(أي مراعاة القواعد) كلاماً مُعاداً في غير مجالٍ، إلا أنَّه بانتماء المضمون إلى المجتمع يكتسب هندسةَ القوى الفاعلة فيه. أي تلتقط المعاني توزيعات القوى كما تكتسب الرياح قوى الضغط على خريطة التوزيع المُناخي. ألا نرى بلوناً هوائياً في سماء ملبدة بالغيوم، هكذا يسري الخطابُ، يسري توجُهه، ويترك بصماته. إنه نقش، إنه وَسْم على رقائق التعبيرات موصلةً الرسالة حيث يتهادى الهواء، يعصف، يعرْبد، يدوي... وقد لا يتوقف. فالخطاب من تلك الجهة يمثل مقصداً يأخذ تجلياته عبر التفاعل الاجتماعي. فهو الأرض الخصبة لنشوء الكلام ولإعادة بذره، وهو ذات التربة التي تنبت فيها أشجار الكلمات كأكمات ملتفة بالأعشاب. بالتالي لم يكن ممكنا التعرف على شيء، أي شيء، دون إنطاقه. بحيث يأتينا داخل شبكة من العلامات، ويتحول إلى حرف وصوت يأخذان مغزاهما مما يقال.
على سبيل التوضيح لم يكن المسيح حين ولد سوى كائن غُفل. وكم تمنت أمه أنْ تصبحَ نسياً منسياً كما جاء بالقرآن. لكنه تحول إلى خطابٍ حين نطق صغيراً. تكلّمَ فأمسى علامة دالة: "فناداها من تحتها ألاَّ تحزني قد جعل ربُك من تحتك سريّاً"(مريم/24). ثم أصبح المسيح ذاته حروف الخطاب للمتلقي مهما يكن اعتقادُه. لأنَّه تبرئة للأم وحل للغز وجودي يخص الإنسان كإنسان. كيف تلد أنثى بدون ذكر؟! كان المسيح في الفكر الديني تعطيلاً وتنويعاً لنواميس الطبيعة البشرية. من ثم جاءت الحادثةُ في حاجةٍ إلي خطاب مختلف. إذ لابد من النطق لأنَّ الطفل آية قيد اللغة.
وإن جاء الكلام من كائن مولود تواً، فالكلام الموجه للأم يتردد منذ الأزل. أليس الله هو القائل بالسر، بجعل السر من تحتها؟ ويذهب نفس الكلام إلى الأبد أيضاً بحسب الإيمان المترتب على القول. وعلى الرغم من أن المناداة تجاه الأم بالإفْرَّاد غير أنَّ كلمات المسيح كانت موجهة للبشرية بصيغة الجمع الأنطولوجي. فاللغز يهم الكائنات دون استثناء حتى خارج الإنسان بحكم أنَّها لا تتوالد دون تزاوج. إذن بموجب تلك القضية البسيطة كانت النتيجة على درجة من الخطورة كخطورة كسْر الناموس الطبيعي. وكان كلام المسيح نطقاً واستنطاقاً ثقافيين في نفس الوقت. النطق من جهة التكلُم لأنَّه لغة مفهومه على مستوى الابجدية المتداولة بمنطوق "ناداها".
هكذا جاءت المناداة بأساليب الكلام الاعتيادي، بدليل فهم الأم للتعبير وتواتر معاني الحزن كما فهمتها وفهمها المسيح الطفل. بينما الاستنطاق فهو الخطاب، لأنَّه يستنطق تاريخ الإنسانية وموجه إلى مستقبل الإنسان. وعلية سيكون كلام المسيح جديداً كذلك على أنماط الكلام المعروف، كيف تحدث من في المهد، بأية لغة؟ هل توقعنا فهماً له؟ بأي معنى سنحمله؟! من هنا كان المسيح هو الكلمة (في البدء كان الكلمة).
ـــ 4 ــــ
من جانبٍ آخر، عبر تداخل الوسائط المعرفية بمعناها الثقافي، ومع حيل الطرح وأساليب التلقي، أصبح الخطاب من أفعال اللغةِ. تلك اللغة الحاضنة لأخيلة الإنسان ونتاجاته. إنه العبارة والعلامة المشحونتان بأطياف القُوى لممارسة هذا الأثر في سياق تداولي pragmatic. وعليه فقد أخذ الخطاب أهميته على أهمية اللغة في حمل الفعل الإنساني. فالعادات والتقاليد خطاب، العلاقات الإنسانية خطاب، الممارسة الحياتية خطاب، الفعل السياسي خطاب، ملامح الوجوه خطاب، الإفراز النفسي خطاب...إلى غير ذلك.
ها نحن في غير موقف نذكر جانباً خفياً من الكلام. وحرصاً على العناية به للتعامل مع الآخرين، نتحسب لنتائج حواراته مع الوقائع ومع تراكمه اليومي. ألسنا ننجز أعمالنا بأفعال الكلام، ألا تظل اللغةُ حاضرة حضوراً صامتاً؟! إذن يعتبر الخطابُ نطقاً للصمت، توجيهاً لشراع الفكر حيث يتفاعل على أكثر المستويات تأثيراً.
هناك مستوى التعبير إذ يحيل الخطاب إلى وسيط نكاد نلامسه مع المتلقي. ويُشار إلي التعبير على أنَّه جسد اللغة. هل يُفهم الكلام والكتابة دون جسد؟ لا يعني ذلك أنَّ التعبير هو الجسد فقط طالما أنَّ المعنى بمثابة الروح. لكنه، أي التعبير، هو المادة والروح يداً بيد. كذلك يوجد مستوى العلامة، فالتعبير إذ يغدو مادةً بروحٍ وروحاً بمادةٍ ينتج الدلالة، ويمثل مخلباً بلاغياً له ماضيه وأنماطه في السياق الثقافي. لكل سياق مخالبه التعبيرية داخل المجتمع. وهي التي تنتزع صور التواصل ويجري فهمها ضمن الواقع المعيش. حتى إذا ما رأينا رُسوماً مع تأدية الخطاب، فإننا نعرف مدلولَ العلامة وكيف تفيض بما ورائها. من ثم يكون الخطاب أداءً بذات الدرجة التي كان بها عبارة ومعنى. فهذا المستوى المسرحي - إن جاز الوصف- لا يقل خطورةً عن غيرهِ.
وإذا كنا نحسب الخطاب نطقاً لحروف فهذا محض تشويه. لأنَّه لا ينفصل عن الأداء. وقد يجرنا هذا المستوى إلى اللهجة الخاصة بكل مجتمع. حيث لا تدل بالضرورة على اللحن في النطق، لكن اللحن في المفاهيم والإجراءات المنطقية وطرح التبريرات. كل خطاب يقف على عمليات من الأداء التمثيلي جنباً إلى جنبٍ مع النطق. وارتباط الذاكرة العربية بالشفاهية orality، إن لم تكن هي الحاضنة الأولى لها وما زالت، معناه الوقوع في أسر الأداء. إنَّ الحكي والسرد لا يقلان دلالة عن مبنى الكلمات وثراء المعاني. فهما اللذان قد يجعلان الخطاب نافذا كسهمٍ لا يفقد هدفاً.