من المسؤول عن الأحقاد الطائفية في العراق؟

عبدالخالق حسين
2016 / 6 / 10

علق قارئ باسم (علي البابلي) على مقالي الأخير الموسوم: (حماة الدواعش إلى أين؟)(1)، في موقع (الحوار المتمدن)، ورغم ما فيه من أكاذيب وتزييف وتضليل للقراء، فإني سمحت للتعليق بالنشر مع المقال، لكي أفسح المجال للرأي الآخر، وليفضح نفسه. كما وأتقدم بالشكر الجزيل للأخوة المعلقين الآخرين، صادق الكحلاوي، وطالب يحيى، وأحمد عبدالله، على تعليقاتهم المنصفة، وتفهمهم للمشكلة العراقية وتعقيداتها، وأهنئهم على ما يتمتعون به من مناعة قوية ضد فايروس وباء التضليل البعثي الداعشي السعودي.

الملاحظ، أن هؤلاء المدافعين عن البعث، أول ما يقدم نفسه أنه ليس بعثياً، ومنهم من يدعي أن البعث قتل أخوته وأقاربه... وحتى يشتم صدام، وهذا اعتراف من البعثيين أن حزبهم صار وصمة خزي وعار، بحيث وصف أي إنسان بالبعثي، يعتبر شتيمة بذيئة. وبعد تلك البراءة لكسب ثقة القارئ، يبدأ بالدفاع عن البعث وتبرئته من جرائمه وإلقاء اللوم على الآخرين، وفي هذه الحالة ليس أفضل من التركيز على نوري المالكي وتحميله كل مشاكل العراق القديمة والجديدة ولأسباب باتت معروفة.

وقد اخترت تعليق السيد علي البابلي لأنه يتضمن معظم ما يردده الحاقدون على العراق الجديد، والغاضبون من تحريره من حكم البعث الفاشي، ولأنه يبدو من تعليقاته أنه كاتب بعثي محترف في التضليل. لذلك أرى من المفيد أن أرد عليه فقرة فقرة على طريقة (قلتم وقلنا)، أو أشبه بالمقابلة الصحفية سؤال وجواب، وذلك للتوضيح، ولحماية الناس من التضليل.

* يقول السيد البابلي: (المالكي جعل الاحقاد الطائفيىة بين العراقيين عرفا وتقليدا ومنهجا وثقافة مجتمعية يصعب الفكاك منها لأنها اصبحت متجذرة في الضمائر، والنفوس ومنها نشأت داعش وجرائم داعش، وبالمقابل نشأت المليشيات المسلحة هنا وهناك بشكل لم يحصل في اي دولة في العالم والأمر هذا لا ينتهي ابدا على المدى القريب، لان دولا اقليمية مجاورة قريبة وأخرى بعيدة مصلحتها ان تتقاتل هنا وبواسطة اذرعها عملائها خونة الضمير والوطن.)انتهى.

- المشكلة في العراق، أنك إذا وقفت ضد الأكاذيب والاتهامات الباطلة، اتهموك بأنك تدافع عن المتهم. بينما في الحقيقة نحن ندافع عن عقولنا من التضليل. فهؤلاء يلقون اللوم على المالكي لتحريف الأنظار عن المسبب الحقيقي للإرهاب والفوضى، وهذا ديدنهم.
فهل هذه التهمة صحيحة؟
لا نريد أن نسرد تاريخ الطائفية منذ سقيفة بني ساعدة، وما حصل بعدها من حروب بين المسلمين، وتكفير الدولة العثمانية التركية للشيعة واضطهادهم لأربعة قرون، و ممارسة الطائفية منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة ضد الشيعة، ودور البعث الصدامي في تصعيدها، خاصة عندما رفع شعاره السيئ الصيت: (لا شيعة بعد اليوم)، وسلسلة مقالات جريدة الثورة عام 1991(لماذا حصل ما حصل)، حيث طعن في شرف الشيعة وأصولهم وأعراضهم، فهذا يحتاج إلى كتب ومجلدات، وقد نشرت كتاباً في هذا الخصوص بعنوان (الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق)(2).
ولكن يكفي في هذه العجالة أن نقول أن حملة تأجيج الطائفية في العصر الحديث بدأ أيام العهد الملكي، واستشهدنا مراراً بمقولة المرحوم الملك فيصل الأول أن "العراق مملكة عربية سنية...الخ"(3)
ففي ذلك العهد تحرك الطائفيون بقيادة ساطع الحصري لعزل الشيعة وحرمانهم من حقوقهم الوطنية، وشنوا حملة ثقافية ضدهم لتشويه صورتهم، ووصفهم بالعجمة وبأنهم غرباء من بقايا الشعوب الساسانية، ولا يحق للغرباء المشاركة في السلطة إلى آخره من الافتراءات. ولمن يريد المزيد، يرجى الرجوع إلى مقالي الموسوم (الطائفية في العهد الملكي)(4). لذلك، فإلقاء تهمة تكريس الطائفية في المجتمع على المالكي فبركة خبيثة لا تصمد أمام أية محاكمة منصفة. وعلى الضد من هذه الاتهامات فالمالكي أعاد معظم الضباط البعثيين إلى الجيش العراقي الجديد بطلب من الشركاء في السلطة ضمن إجراءات المصالحة الوطنية، ولإبعاد تهمة الطائفية عنه، وهذه السياسة هي التي سهلت تسليم المحافظات السنية للدواعش.
أما المليشيات الشيعية، فهي رد فعل لما تعرض له أبناء طائفتهم من حرب الإبادة بالعمليات الإرهابية والتفجيرات اليومية التي شنتها وما زالت المليشيات البعثية الطائفية التي هي من بقايا الحرس الجمهوري البعثي، وتعمل تحت مختلف الأسماء الإسلامية، وأخيراً استقرت على اسم داعش، وجعلوا من مدنهم حواضن لشذاذ الآفاق من الإرهابيين الأجانب. ولم يكن المالكي هو سبب تأسيس داعش، فداعش هذه، أو ما يسمى بالدولة الإسلامية، موجودة في معظم أنحاء العالم وحتى منظمة (بكو حرام) الإرهابية في نايجيريا اعلنت انضمامها إلى داعش.

* يقول علي البابلي: (انا لست بعثياً ..لكنكم الى متى تظلون مرعوبين منهم وصدام انتهى ..طبعا هذا عدم الثقة بانفسكم وفكركم وعقيدتكم وبعكسه كونوا شجعانا مرة واحدة من 13 عام بعد السقوط واسمحوا للبعثيين للاندماج بالمجتمع كعراقيين ومن زاوية حرية الفكر والعقيدة الدستورية و افسحوا المجال لهم للترشح للانتخابات فإذا فشلوا فهو دليل حب واعتزاز الشعب وتاييده لكم …لكنكم لم ولن تفعلوها لأنكم تعرفون النتيجة المرة لكم). انتهى.
- نعم، صدام أنتهى كشخص، ولكن بقيت الصدامية التي أصبحت أيديولوجية شيطانية تدميرية وأخلاقية سيئة لدى أتباعه، فصدام هو نتاج البعث ولو لم يكن صدام لقام غيره بالمهمة. كان البعثيون يخططون لحكم العراق إلى مستقبل غير منظور، لذلك قاموا بتفتيت النسيج الاجتماعي والتجهيل المتعمد، وأعادوا الشعب العراقي إلى ما قبل تأسيس الدولة بإحياء القبلية والعشائرية، فجعلوا العراق لا يصلح لأي حكم إلا بالقبضة الحديدية البعثية، لذلك قال صدام: (إن الذي يحكم العراق من بعده، يستلمه أرضاً بلا شعب). وهذا ما خططوا له، وهذا ما جرى منذ 2003 وإلى الآن. فالبعث أسوأ من النازية الألمانية بكثير، ومثلما تم اجتثاث النازية في ألمانيا ومنعه من المشاركة في السلطة رغم مرور أكثر من سبعين عاماً، كذلك يجب اجتثاث البعث من المجتمع العراقي، فالبعث الصدامي العفلقي هو الذي أوصل بلادنا وشعبنا إلى هذا المصير المفجع.
ومع كل ذلك، لم يتم عزل البعث كلياً، إذ فسح المجال لكل بعثي لم يرتكب الجرائم ضد الشعب أن يندمج بالمجتمع على أن يقبل بالديمقراطية وبالتداول السلمي للسلطة عن طريق صناديق الاقتراع. وانخرط الكثير منهم في العملية السياسية، وهم مشاركون الآن بالسلطة بتنظيمات تحت مختلف الأسماء، فهاهم كتلة (تحالف القوى العراقية)، أغلبهم بعثيون سابقون ومشاركون في الحكومة والبرلمان، ولكن مع ذلك لم يتخلصوا من بعثيتهم، إذ تراهم مع الإرهاب ويدافعون عن الإرهابيين بكل قوة. فالمجال مفسوح للجميع ولكنهم لم يتخلوا عن عاداتهم البعثية مثل العنف واحتكار السلطة والغدر بالشركاء. كذلك التدخل الفض للسعودية وحليفاتها من الدول الخليجية وتركيا في الشأن العراقي بإثارة الفتنة الطائفية لحرمان الشعب العراقي من الأمن و الاستقرار، لذلك فالبعثيون لا يعترفون بالديمقراطية، وقد قاله الشيخ رافع الرفاعي في الإعلام صراحة، أنهم لا يكتفون بإزاحة المالكي، بل يرفضون أن يكون رئيس الوزراء شيعي. هذا كلما في الأمر.

* يقول البابلي: (في اوربا تحصل تفجيرات بسيطة في الأماكن العامة نرى مباشرة وزير الداخلية يقدم استقالته فهل الوزير هذا كان حرسا لمترو انفاق لندن مثلا الذي حصل فيه انفجار بسيط وكذلك في اغلب دول اوربا وفي مصر استقال وزير النقل بعد تصادم قطارين وامثلة كثيرة جدا فكيف لا يسائل صاحبك عن دمار العراق ايام حكمه الاهوج). انتهى
- أنا أعيش في بريطانيا ومتابع لأخبارها، وأخبار غيرها من الدول الأوربية والعالم، وقد حصلتْ عمليات إرهابية، وحوادث طرق كثيرة في هذه البلدان ولم أسمع عن استقالة أي رئيس وزراء أو وزير داخلية أو نقل، فكلما يحصل هو إجراء تحقيق في الحادث. فلو كان على رئيس الوزراء، أو أي وزير في العراق أن يستقبل بعد أي عمل إرهابي لاحتاج العراق أن يبدل وزراءه كل أسبوع أو حتى كل يوم، وهذا غير عملي، لأن نادراً ما يمر يوم أو أسبوع في العراق بدون أعمال إرهابية. ولو صحت فكرة استقالة رئيس الحكومة بعد أية عملية إرهابية لأصبحت هذه سنة متبعة في العالم، وفي هذه الحالة، بإمكان أي مجرم إسقاط أية حكومة بمجرد قيامه بعملية إرهابية في أي بلد، بغض النظر عما إذا كان رئيس الحكومة أو الوزير مقصراً في واجبه أو لا. لذلك فقط في العراق تتصاعد صيحات أصحاب الأقلام المأجورة والذراع السياسي لداعش بالمطالبة باستقالة رئيس الحكومة أو الوزير بعد كل عملية إرهابية.
* يقول البابلي: ((كبف لا يكون صاحبك المالكي مسؤولا عن الانهيارات العسكرية في العراق ونشوء تنظيم داعش ..طبعا اكيد ومسؤول تماما لأنه على الاقل كان حينها يسيطر على كل مفاصل الدولة تخطيطا وتنفيذا اداريا وعسكريا فهو كان مشرفا على الداخلية والدفاع ..المالكي ليس ذنبه فهذا مستواه وامكانياته وقدراته وكفائته ...الخ)) انتهى
- هل حقاً كان المالكي أو من جاء بعده مسيطراً على كل مفاصل الدولة؟ فجميع مؤسسات الدولة وخاصة العسكرية والأمنية كانت ومازالت مخترقة من قبل البعثيين والإرهابيين، ومعظم الشركاء في الدولة ضد بعضهم البعض، وحتى يقبل العمالة وطلب المساعدة من الدول الأجنبية، فكيف لرئيس هكذا حكومة أن يمنع هذه الكوارث؟ وقد لاحظنا أخيراً كيف فتح مسؤول أمن البرلمان الباب للمتظاهرين الذين قاموا بالاعتداء على النواب، وشاهدنا كيف قام هذا المسؤول الأمني بتقبيل يد مقتدى الصدر...
لذلك فإلقاء جريمة سبايكر وغيرها على المالكي دليل على أن هذه الجريمة حصلت لأسباب طائفية وانتقاماً من المالكي، ومن ثم إلقاء اللوم عليه وتبرئة المجرمين الحقيقيين.
أما مسألة إمكانيات المالكي في إدارة الدولة، فمقولة صدام تؤكد على استحالة حكم العراق من بعده ومهما أوتي الحاكم الجديد من قوة وكفاءة وحنكة وخبرة في الحكم. فماذا كانت كفاءة صدام حسين الأكاديمية، الذي حكم العراق لخمسة وثلاثين سنة؟ لقد حكم صدام العراق بالبلطجة والقتل وإذابة المعارضين له بأحواض الأسيد، وتحويل حزبه إلى أكبر مؤسسة جاسوسية على الشعب، بل وجعل أفراد العائلة العراقية تتجسس على بعضها البعض. ولم يسلم من وحشيته حتى رفاقه في الحزب، حيث أرغمهم على المشاركة في حفلات الإعدامات الجماعية لمن يشك في ولائه من الرفاق. بهذه "الكفاءة" حكم صدام العراق. فكيف تريد من المالكي أو أي شخص آخر أن يحكم هكذا بلد في نظام ديمقراطي، يشارك في حكمه الصديق والعدو، وصار ساحة لحروب دول الجوار بالوكالة، و ولاء الشركاء لحكومات أجنبية بدلاً للدولة العراقية، وتتسابق دول الجوار في التدخل الفض في شؤونه؟

خلاصة القول: لقد حصل حزب البعث على فرص ذهبية ليحيل العراق إلى جنة عدن بما تمتع به من أموال هائلة لو كان حقاً مخلصاً للعراق، ولكن بدلاً من صرف هذه الأموال على التنمية، بددها على الحروب العبثية وسياساته الطائشة، وقائمة جرائمه طويلة، ذكرناها مراراً(5). لذلك فمن الصفاقة والصلافة والخزي والعار على كل من يطالب بإشراك البعث في السلطة. فبأي وجه أسود يعود البعث لحكم العراق بعد أن أوصله إلى هذا المصير المأساوي. فالبعث لا يقبل بالشراكة ولا يعترف بالديمقراطية، بل بإحتكار السلطة وحكم الشعب بالنار والحديد. لذا فمن الغباء أن يلدغ هذا الشعب من جحر البعث عشرات المرات.
ــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- د.عبدالخالق حسين: حماة الدواعش إلى أين؟
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=519704

2- عبدالخالق حسين: الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق (كتاب)
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=753

3- مذكرة الملك فيصل الاول
http://i3aq.yoo7.com/montada-f4/topic-t14.htm

4- عبدالخالق حسين: الطائفية في العهد الملكي
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/index.php?news=411

5- - عبدالخالق حسين: كي لا ننسى جرائم البعث
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/index.php?news=281