ناقل الكفر كافر وربما أشد كفرا من قائله

جعفر المظفر
2016 / 6 / 9

ناقل الكفر كافر وربما أشد كفرا من قائله
جعفر المظفر
ثمة أقوال خاطئة صرنا نتداولها وكأنها حكم خالدة, وهي من ضمن ثقافة صار لازما مراجعتها, وإن توجب دحضها بكل قوة. بعض الأقوال قيلت في زمانها ومكانها حصرا لتتعامل مع حدث بذاته فإذا بها تتحول إلى قوانين خارج الزمان والمكان, وقد رأيت منها ما يتكرر على الألسنة حتى كأنه صار قولا مرجعيا نعود إليه دون أن نعي آثاره المدمرة. من هذه الأقوال ما نسب للإمام علي بن ابي طالب, وهو في حقيقته قولا للحجاج الذي اثاره تمرد العراقيين, فسبَّ وشتم معتبرا العراق (بلد شقاق ونفاق), وكُتب بعدها لقولته تلك أن تكون مرجعا لكل من يريد سوءا بالعراق وأهله, والغرض أما للحط من قدره والتيئيس من إمكانات نهضته أو لتبرير السياسات الخاطئة التي ترتكب بحقه فثير الإعتراض والتمرد, كون أهله, حَسَب القول, متمردين بطبعهم وطبائعهم, وإنهم من يتحملون الخطأ لا مرتكبيه.وقد نسب القول لإبن أبي طالب سعيا لجعله من المقدسات, فالشيعي المتزمت يستفيد منه إذا وجد معارضة من أبناء طائفته. وكذلك يفعل السني المتطرف حينما يُجابَه برفض منهجه والتمرد عليه, كون العراقيين مجبولين على الشقاق والنفاق.
إن سيادة قوة النقل والتقليد على قوة العقل والتفكير, وسيادة منطق لا إجتهاد في النص, وتوارث الإيمان بأن كل بدعة هي ضلالة وكل ضلالة في النار, رغم أن مفردة البدعة مشتقة من الإبداع, قد جعل الكثيرين منا سلفيين متحجرين وإن لم ينتموا, إذ يكفي احدهم أن ينسب قولته إلى صحابي حتى يصير لها فعل السحر, فكيف إذا نسبها لإمام أو نبي. وهناك في تاريخنا ما يشير إلى أنه خضع إلى التزوير كثيرا,إضافة إلى أن الرجوع حتى إلى ما ثبتت صحة وجوده سيكون خطأ إذا ما لم يجرِ تشذيبه على ضوء المستحدث الذي لن يتوقف جريانه إلا إذا توقفت الأرض عن الدوران.
لا أريد أن أخوض طويلا بمواضيع قد تأخذني أهميتها عن موضوعتي الأساسية هنا فالتاريخ العر بي متخم بالمثير والمدهش الذي يصلح لكتابة رواية بعنوان (مليون ليلة وليلة بدلا من ألف) وأن تكون فيه ألف شهرزاد وألف شهريار بدلا من واحدة وواحد, ولذا سأكتفي بالوقوف أمام أحد الأقوال التي تكمن خطورته كونه يبرر نقل الكفر ونشره وتعميمه, وهو ذلك الذي يقول (أن ناقل الكفر ليس بكافر), ولآن الموضوعة لا يمكن أن تفهم بشكل دقيق إلا إذا جرت العودة إلى الظرف المكاني والزماني الذي قيلت فيه, وما دام عمنا (غوغل) جاهزا للتعريف فهذا ما وجدته في بعض شروحاته: ناقل الكفر ليس بكافر وردت على لسان بعض أهل العلم، ومن أولئك الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية وشيت بن حيدرة في كتابه حز الغلاصم، وهذه القاعدة صحيحة فيما إذا كان الناقل يحكي الكفر فقط، أو يحكيه ويرد عليه، وهذا في القرآن والسنة كثير، وأما إذا كان ناقل الكفر ينقله مقراً له أو موافقاً فهو كافر كالقائل.
وسأزيد من عندياتي, على الأقل لتقديم تفسير معقول لأصل القول وتوضيح الحاجة إلى تشريعه, إلى أن الأمر, على الأكثر, قد جيء به لحماية الرسل الذين كان يبعثهم الزعماء المتحاربون أثناء الأزمات فيقوم الزعيم الخصم بقطع رأس رسول خصمه إن أثارته الرسالة التي ينقلها, بإعتبارها كفرا لا يجوز السكوت عنه, فيروح الرسول المسكين ضحية بالنيابة.
بيد أن الأمر الآن لم يعد كما كان عليه سابقا, إذ منذ تلطف علينا المسيحي الأسكتلندي الكافر الضال الكسندر جراهام بيل بإختراع التلفون فإن رقاب الرسل أصبحت في الحفظ والصون, خاصة بوجود ما يسمى بالخط الأحمر.
غير أن (نقل الكفر) لم تتوقف ضحاياه, بل أراها قد تصاعدت إلى الحد الذي جعلنا جميعا منهم, فلقد حل علينا الإيميل والفيسبوك لكي يكون وسيلة النقل الأكثر ضررا بيد أولئك الذين يعيشون على الكفر ويعتاشون منه. هؤلاء غير مشمولين هنا بالنقد أو النصيحة لأن نواياهم تعميم الكفر عن قصد, لتجارة أو لتدمير, أما المعنيين فهم أصحاب النوايا الطيبة الذين إعتادوا التعميم دون الوقوف بجدية وتمعن أمام الخبر الذي قد يكون كاذبا ومضللا ومدمرا, فإذا ما نبهتهم إلى خطر ما ينقلوه تجدهم يسرعون إلى القول (إن ناقل الكفر ليس بكافر).
لهؤلاء نقول .. لا يا سادة إن ناقل الكفر كقائله, وربما يكون أشد كفرا لأنه وسيلة النشر التي لولاها فسيبطل مفعول الكفر ويخرس قائله.