جرائم سياسية وحربية .. في الحرب السورية

بدر الدين شنن
2016 / 6 / 9

لقد بات واضحاً على امتداد الحرب السورية ، أن الذين أمروا بها ، متابعة لفرض هيمنتهم ، ومصالحهم ، على العالم . والذين خططوا ، وتولوا تنفيذها ، خبرة وارتزاقاً وتعصباً ، هم أناس ضليعون في القتل الجماعي ، وتدمير المجتمعات والدول . وقد تعمدوا ، استهزاء بالرأي العام العالمي ، أن يتجاوزوا الحد الأدنى من معايير الأخلاق والإنسانية والقوانين الدولية . ، وأن تكون حربهم على سوريا ، من أبشع الحروب ، التي تتكثف فيها ، كماً ونوعاً ، مختلف الجرائم المستنكرة إنسانياً .
كما بات واضحاً ، أن هؤلاء ليسوا سوريين . السوريون الذين ظهروا فيها ليسوا من النسق الأول ، جيء بهم فيما بعد ، لاستخدامهم أدوات إعلام ، وسياسة ، وإجرام ، حسب متطلبات البشاعة في هذه الحرب القذرة ، وحسب الحاجة للتمويه على المعتدي الحقيقي .. والمجرم الأول في الحرب ، والذين لغبائهم ، قاموا وما زالوا ، استجابة ، وتكاملاً ، مع مقتضيات الحرب ، بعدد من الجرائم السياسية والحربية ، متوخين أن تتحقق عبرها طموحاتهم الانتهازية .

لقد آن الأوان أن تسمى الأمور بأسمائها ، وتوضع تحت الضوء بعض تلك الجرائم على الأقل .

في الجرائم السياسية :
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ــ قطع مسار المعارضة المتنامي شعبياً ، وإلى حد ما رسمياً ، للتغيير الوطني الديمقراطي ، والانتقال إلى النزاع المسلح ، و" إسقاط النظام بالقوة " وبناء نظام حكم بديل ، مجهول السمات والمضمون والقيادة . وجعل الخلاف السياسي عامل انقسام الشعب والوطن .. بين معاداة وموالاة .. ثم بين قاتل أو مفتول .
2 ــ العمل على زعزعة واستغلال النسيج المتعدد للمجتمع السوري ، ومحاولة إشعال نار الفتنة ، والحروب الأهلية الدموية ، لتفكيك الجيش أولاً ، ومن ثم كافة مؤسسات الدولة .
3 ــ تسويغ ونشر الاعتماد على القوى الخارجية الإقليمية والدولية المعادية ، والارتهان لها ولمخططاتها ، كأمر واقع لا مفر منه ، بل وضرورة تكاملية حتمية في زمن " العولمة " والقطبية الدولية ، السياسية و الاقتصادية والاجتماعية الأحادية السائدة .
وسواء أكان صاحب طرح هذه الضرورة بمضامينها السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، لجذب الآخر ، هي القوى الدولية ، أم قوى سورية نخبوية معارضة ، هي متأكدة من عدم قدرتها ، نتيجة عزلتها الشعبية ، على تحقيق طموحاتها وغاياتها بالآليات الديمقراطية ، فإن اللقاء العضوي في المصالح ، وفي الفعل المشترك للهيمنة على البلاد ، قد جعل ذلك أمراً واقعاً فعلاً . وقد عبر عن ذاته ، في الإعلام ، والمؤتمرات ، ومأسسة العلاقة ، والحركة ، والأدوار ، وفي تحديد مصادر وآليات الدعم بمستوياته المختلفة، وخاصة في المجال السياسي والإعلامي ، والتدريب العسكري ، والتسليح ، والقيادة .
4 ــ تشجيع القوى الشعبية ، في البدايات ، على الهجرة الجماعية إلى الخارج ، على الطريقة الأفغانية ، تحت سقف الوعود المعيشية الكريمة " الكاذبة " ، من قبل الدول المضيفة المتواطئة ، لجذ المتطوعين ، وغسل عقولهم .. وتجنيدهم .. " للجهاد " ضد بلادهم .
5 ــ إرجاء المطالب الشعبية المشروعة، بما يشبه الإلغاء ، إلى ما بعد " إسقاط النظام ، وسيطرة القوى الدولية على البلاد . والقبول بوضع الجغرافيا السياسية ، أي السيادة الوطنية ، تحت تصرف القوى الدولية ، الداعمة لهم ، والراعية للحرب .. واستخدامها في لعبة الحرب الباردة الجديدة .

في الجرائم الحربية :
ـــــــــــــــــــــــــــ
1 ــ دعوة ، وخداع ، عدد من العسكريين ، بطروحاتهم الطائفية ، واللا وطنية ، للهرب من الجيش ، والانضمام إلى تشكيل عسكري معاد للجيش الوطني .
2 ــ وضع الهاربين من الجيش وتشكيلاتهم ، تحت قيادة القوى الدولية ، والرجعية العربية ، والإقليمية ، تدريباً ، وتسليحاً ، وقيادة . ومن ثم زجهم في عمليات مشتركة .. أو منسقة ، مع المجموعات الإرهابية الدولية الغازية ضد الوطن ، المتمثلة في استباحة المدن والأرض السورية .
3 ــ ممارسة استراتيجية وتكتيك حرب المدن ، لمضاعفة القدرات القتالية ، حيث يصبح السكان دروعاً بشرية لهم ، وتصبح الأبنية قلاعاً وأسواراً ، تحمي تمركزهم وتجمعاتهم ، على حساب دماء وثروة عمران الشعب السوري .
4 ــ قصف المدن ، خارج سيطرتهم ، بالهاون والصواريخ ، وتفجير العبوات الناسفة ، والسيارات المفخخة ، بالتجمعات والساحات المكتظة ، والمدارس ، لتعطيل الحياة العامة ، والتهجير ، وابتزاز قوات الجيش السوري ، أو لدعم ممثليهم في الجلسات التفاوضية ، وتحسين شروط أي صفقة لصالحهم .
5 ــ المسؤولية التاريخية لخيارهم حرب المدن ، الذي أدى إلى قتل وتدمير وتهجير بلغ مستويات فظيعة من التوحش . لا يفعلها عدو بأعدائه .

ولما كان لا يمكن فصل السياسة عن الحرب ، فإن الجرائم الناتجة عن فعل كل منهما ، لا يمكن فصلها أيضاً ، بل وتتكامل وتندرج في وعي ، وأخلاق ، وحضارية المصدر ، وتشكل خلفية قراره .
وعلى ذلك ، عندما تدمج الجرائم السياسية والحربية ، التي جرت وتجري في سوريا ، ينبغي أن توحد قائمة الخسائر ، ويوحد مشهد كارثيتها المغولية الهمجية .

من المؤسف ، لا توجد حتى اللحظة ، تفاصيل حول نوعية وأعمار الضحايا .. ولا توجد أرقام محددة موثوقة ، يقال مئتي ألف .. وثلاثمئة ألف .. وخمسمئة ألف .. ويضيع الرقم الحقيقي مع ضياع صدقية المصدر وأخلاقيته .. لكنه رقم كبير .. كبير جداً .

ومن المؤسف أيضاً ، لا توجد تفاصيل حول الخسائر المادية . بعضهم يحصرها بدمار العمران ، وبعضهم يضيف للعمران الدمار النسبي ، في الصناعة ، والزراعة ، والتجارة ، والسياحة ، فتصبح القيمة المادية مرعبة .. ويصبح تعويضها وإعادة بنائها يحتاج إلى جهد وعرق أجيال .

كما لا توجد أرقام صادقة عن عدد وأمكنة النازحين والمهاجرين والمهجرين ، ولا عن مآسيهم ، ومعاناتهم ، وحرما نا تهم . يقال أنهم ملايين تعادل أقل قليلاً من نصف سكان سوريا ، موزعين ، في الأردن ، وتركيا ، ولبنان ، وأو ربا .. لا أفق لاستقرارهم المذل حيث هم .. ولا أفق لعودتهم حتى وإن انتهت الحرب .

وهناك أم الجرائم .. وعار العار .. إن في السياسة أو في الحرب .. أو في الاغتراب القسري المهين . هي نتيجة كل الجرائم النوعية المتعددة .. هي تحول سوريا إلى بلد خاضع للأ قدار .. والصراعات .. والصفقات الدولية .. المتدحرجة عبر القارات .. وإلى طالبة تحالف يستبطن .. بسبب فوارق القوة والضعف .. الوصاية تحت سقف الحماية . وبالتالي تضيع لدى الأطراف السورية المتصارعة ، معالم الربح والخسارة ، وتستقر لعبة الجري وراء الحليف ، من أجل الفتات السلطوي ، بدلاً من الجري لكسب دعم الشعب .. وكسب الوطن كله ، وتتساقط تلقائياً الأهداف ، التي جرى القتال والتحارب من أجلها .

ويرتفع مستوى كارثية كل ذلك .. عندما ننظر إلى الحرب على حلب تحديداً .. عندما نعي أن من يحاصر حلب .. ويقصفها بلؤم وتوحش يومياً بالهاون والصواريخ وقذائف جرار الغاز " قذائف جهنم " . ويؤدي قصفه للمدينة التاريخية الجميلة إلى دمار يتزايد حجمه وشكله المريع .. وإلى عشرات الشهداء والجرحى كل يوم .. لأن معظم الحلبيين استعصوا على الخضوع لهمجية بني عثمان .. ليس هو هولاكو التتري الدموي .. وليس تيمورلنك المغولي المتوحش ، بل هو السوري .. والحلبي .. المتحالف مع وحوش ، وحثالات ، ومرتزقة ، الإرهاب الدولي .