أطفال داعش

سامي عبد العال
2016 / 6 / 8

لو لم ينتهك الدواعش إلاَّ براءةَ الأطفال، لكان قميناً باعتبارهم سفاحي كلِّ القيم الإنسانية. وهم كفيروسات قتل يعرفون كيف يدمرون الطفولة. هذا الجانب المبدع والتلقائي لكياننا الإنساني في تاريخ البشر. وعوضاً عن أنْ يحمل أطفالُّنا ألعاباً وضعوا بين أيديهم قنابل وخناجر وجماجم. وحشروا برؤوسهم نفايات الجهاد وعبارات التكفير والكراهية بلا رحمةٍ. لعلنا نلتفت إلى أنهم يرمون بأفعالهم الجهنمية نحو الغد.
ظاهر الحياة لا تعني جماعات التكفير الديني في قليلٍ أو كثير. لأنَّ التكفير إرادة موت حُكماً بإسقاط الواقع كلِّه. فأيُّ منطق عنيف كهذا إنما يعد موتاً مرقَّطاً. كالثعبان المرقط الذي ينفث سمومه إزاء من يلاقيه. التكفير معناه رمي الآخر بالقتل. وقد أُجري عليه الإعدام سلفاً. تمهيداً لسيَّاف الجماعات الارهابية كي يجز الرقاب، بقنبلة أو سكين أو سيف أو رصاص قاتل. تاركين سيناريوهات العدم تعربد في جنبات المجتمع العربي بلا طائلٍ. وهنا نلاحظ هذه الموازاة بين "الفناء والتكفير" بموجب القدرة على تأدية نفس النتيجة.
ولأنّ الموت أعمى، فلا يعترف بطفلٍ أو صبي أو عجور. لا يرى غير استباحة ذواتهم كجماجم مهترئة أكلها التراب. هذا الليل الداعشي البهيم الذي يمسح معالم الوجوه. فلا نرى غير القبور المتصلة والجثث المتراصة.
الأطفال هم صوت الحياة الألصق بزخمها الحي. كيف يدمرهم هؤلاء التكفيريون؟ لماذا استعملهم داعش في عمليات القتل؟ فقام بتدريبهم على الرمي بالرصاص والعمليات الانتحارية. أليس ذلك سلباً لكل حياة قادمة؟!
الطفل تاريخ بِكْر من المعنى والسعادة. هو كائن فريد يجمع بين الاثنين في براءة صافية. ذلك بخلاف الكائنات الأخرى وإن كانت من بني جنسه. فالبراءة تبدو أساساً لمعنى عميق خلف الواقع ونفاقه. الشيء الثاني أنّ طفلاً لا نشعر معه ببهجة خالصة يعني أننا فاقدون لجدارة الوجود معاً. ولهذا تحاول داعش باستمرار افناء ما تستطيع إفناءه من المجتمعات المتواجدة على أراضيها. وقد خرج أحدهم بلحيته الكاريكاتورية ذات مرة ليقول: نحن لن نكف عن القتل إلاَّ حين تمتلئ جهنم بالكفار كما أمرنا ربنا عز و جل!!
إنَّ أمة بلا طفولة لم تعش بالتأكيد ماضياً حقيقياً. لأنَّ الأطفال أيضاً نتاج تلاق حميم للأزمنة والأيام والناس. وحينما نراهم أكفاناً بيضاء فهذا معناه دمار لكل معنى جميل. كما يقال استطاعت الجماعات التكفيرية بحسها العدمي ألاَّ تبقي ولا تذر. فهي ستهلك "الحرث والنسل" من الجذور. وكآفات غامضة ستأكل الأخضر واليابس.
الحرث هنا مما تنبت الأرض. فالنباتات الغضة ننتظر منها كذلك ثماراً للحياة. أما النسل فهو بذور بشرية طفولية تمد المجتمع بحيوية وطاقة متجددة. وعلينا انتظار عالمهم بمستقبل نترقبه زاهراً. بينما الدواعش وأضرابهم لا يترقبون غير الخراب. جميع الأيديولوجيات الدينية العربية الاسلامية ستنتهي إلى الخراب. ولهذا قال ابن خلدون "إذا دخل العرب أوطاناً أسرع إليها الخراب". حقاً عالم بلا أطفال خراب محقق. وليس أوقَّح من تجنيدهم لأعمال جهاديةٍ مدمرة. بل الأدمى لقلوبنا تصوريهم بلقطات حيةٍ في عمليات ذبحٍ.
هذا اغتصاب صريح لأية طفولة ممكنة. فالمشاهد العنيفة لا تثوي بعيداً انما ستمثل ذاكرة بديلة. يريد الدواعش حفرها بالدماء في ذهنية الصغار. كأنهم يقولون نحن سنلطخ مستقبل العرب بهذه الدماء. من خلال أجيال الصبية القادرين على سفك الدماء. كما أنهم يرسخون فكرهم وسلوكهم كنمط من أنماط التربية العنيفة. فالإساءة إلى طفلٍّ لهي إساءة إلى الحياة بألف ولام التعريف. إنها إبادة جماعية لذواتنا الحميمة على وجه الحقيقة.
والواقع أنَّهم لا يفقدون أصولاً ثقافية تمدهم بهكذا فكر. هل نسينا أنَّ الطفولة كلها في جميع عصور المسلمين: "علموا أولادكم الرماية والسباحة وركوب الخيل". هل يعقل هذه الأدمغة التي تردد المقولة السابقة في مناسبة وغير مناسبة؟ أليس ذلك تخلفاً ما بعده تخلف؟ وكأنَّ الطفولة ليست عالماً من الحب والبراءة. كيف يتعلمون هذه الأعمال بشحن ديني إرهابي متواصل؟ وكأنَّ الرماية لن تكون ضد المختلف يوماً ما كما هو الحادث اليوم. وكأنَّ السباحة لن تغدو لدى الدواعش سباحةً في بحور الدماء. وكأنَّ ركوب الخيل لن يصبح ركوباً لسيارات الدفع الرباعي المحملة بالمتفجرات. وكأنَّ الشباب الذين هم محصلة التعليم السابق ليسوا هم كوادر الأعمال الانتحارية!!
بوقاحةٍ تكفيرية أدت المقولة إلى مظاهر قتل نراها يومياً. هؤلاء الدواعش هياكل حيوانية مفرغة من الطفولة. بالتأكيد لم يعيشوا طفولتهم. أوعلى الأدنى كانت طفولة مشوهة. فالتصورات التي يضعون فيها الأطفال تثبت أنَّهم تنظيم تجاوز حد الجنون. وأنهم يتلذذون بالقتل والدماء لمجرد القتل. فالطفل لا يعرف ما معنى الدماء، وحينما يلطخون عقله وبراءته بهكذا أعمال فهم يلطخون عقولنا أيضاً.
من جانب آخر يفترض أن الطفل لا ينتهي داخلنا أو هكذا ينبغي. إنه حياة تتصل بكافة الأعمار تقريباً. وما لم يتصل الإنسان بالطفولة القابعة في أعماقه سيتحول إلى وحشٍ كاسر.
الدواعش يسيرون على خطوات القبائل البدائية المتوحشة قديماً. حينما كانت تعمِد أطفالها في "الدماء الحارة" كي يخرجوا أقوياء الإرادة. وكي يزودوهم بتجارب عنيفة تكفل إزالة رهبتهم وخوفهم من القتل. وهذ يعني أنَّ الدواعش جاءوا كائنات منقرضة متأخرين مئات القرون عن عمر أسلافهم الغابرين. وقد فاقوهم إجراماً: يستحيل على أي حيوان مفترس أن يُقطِّع طفلاً ويطهوه. كما فعلوا بابن إحدى "الأيزيديات الأسيرات" لديهم. فحين امتنعت عن اعتناق أفكارهم ورفضت التفريط في شرفها. قام الدواعش بطهي طفلها وقدموه وجبة غذاء لها!!! يا لهذا التوحش الجهني المريع!! فأي خيال مريض مرضاً عضالاً تفتق عن هذه الفعلة الشنعاء؟!!
ولماذا نذهب بعيداً هناك فضيحة لغوية ثقافية: لم توجد في المعاجم العربية والاسلامية كلمات معبرة عن الطفولة!! فقط لدينا ألفاظ الولد والبنت، الذكر و الأنثى. وهي ألفاظ تقابل عمليات الاستئصال الثقافي لفكرة الطفولة. لأن الوأد والعيب كانا سلطة اجتماعية لغوية يدفع المجتمع إلى اجتراح كلمات التمييز الجنسي في تلك المرحلة المبكرة. ذلك دونما أدنى اهتمام بإمكانيتها وخطورتها في الحياة ولا بضرورة رعايتها للمستقبل. وهذا يعني أنَّ اغتيال الطفولة كامن في صلب خطاباتنا التربوية والدينية. وهذه داعشية مؤصلة باللغة العربية الأم، لغة الإعجاز لدى العرب. فأصبحت للأسف لغة عجز مُهلك؟!