أشباحُ المُقدس

سامي عبد العال
2016 / 6 / 6

تشكل آثارُ المقدس سؤالاً تاريخياً بالأساس. ما الذي يوجد منه هناك؟! شيء ما، بقايا، نثار، أخيلة. وعليه لا توجد آثار باقيةٌ له بدون حدوث. فالمقدس فائض" قوة وتكرار" لا يكف عن المجيء كالعود الأبدي في الديانات الشرقية القديمة. والسؤال يُثار مع تقلب فكرة القداسة في ذهنية الإنسان من ناحيةٍ. وتبعاً للمكانة التي تحتلها من ناحية ثانيةٍ. وجرياً مع تحولات صورها الأكثر خفاء وتكتُماً من ناحية ثالثةٍ.
في هذه الآثار تكمن النصوص والشعائر وطرائق التقديس معبرة عن دبيبه(المقدس) داخل المجتمعات. وليست قضايا المقدس محسومة لكنها تظل مرتبطة بانتشاره. هذه النقوش الباهتة لظلاله، هذا الاختلاف بين أشباحه spectres التي لا تنتهي. ففي التطور الانساني بإطاره المعقد ثمة أقدام لأنبياء وقادة وآلهة حروب وعظماء وملوك. الآثار فوق الآثار، والأقدام الراسخة تجرى مع الأقدام الضائعة.
من هنا لا يكفي النظر إلى المقدس كعالم مفارقٍ. فذلك يضعه بمنأى عنك. ومهما نقّبت هنا أو هناك فلديك أولُّ الخيط. أين أنت منه وأين هو منك؟! هذا السؤال العلاقي سيعرِّفنا أنه سرٌ إنساني مهما دفعته الميتافيزيقا عالياً. فالـ الأين" مضروب دائماً في واحد وإن اختلفت أطرافُه. والـ "ما وراء" meta استعارة للتمسك بالمستحيل أكثر منه وجوداً خارج الوصف. إذ تحُوم أشباح المقدس حول من ينتظرها. ولا تتوانى عن التحليق في عصر الديجيتال والسيبرنطيقا cybernetics. كطيورٍ تفرّخ بيضاتُها مع أحوال الناس. وبذات التحليق تمتلئ تقنيات التواصل الاجتماعي وبعض مظاهر العولمة بآثاره البراقة. من شيوخٍ ومقولاتٍ وآياتٍ ومؤسسات وأزياء إلى مزارات وأضرحة وعمائم وفتاوى.
استغل الإرهابيون تحويماً كهذا ليجعلوا الأشباح عملية اخفاء هم فاعلوها. فالدواعش وأنصار بيت المقدس والنصرة يتشحون سواداً. ألوان شبحية تُخفي أكثر مما يظهر. وهي هالات احلال وتبديل بنفس رصيد المقدس من الوجود. تنظيم داعش خصوصاً عبارة عن "بيت أشباح" لا نعرف تكوينه ولا هيكله ولا أساليب إدارته ولا عمله. فقط نرى آثاره المدمرة في الصباح الباكر. فلا تطير أشباحُه إلا ليلاً وسط الظلام الحالك. وفوق ذلك يرفع رايات سوداء بالتوقيع الأصلي للإسلام. وهي تجعل حاملها ولو كان مدمناً لشرب الدماء يشعر أنَّه أخر الخلفاء الراشدين!! هكذا بفعل المقدس نحن نحارب اشباحاً ارهابية لجماعات تكفيرية، صور مشوهة، رموز موت، رايات جهاد، تنظيمات قتالية، وعود دموية بأخرةٍ هي الخلافة، لغات مشفرة وراءها أتباع الكترونيون.
ومن قبل أثبت تاريخُ الفلسفة أنَّ: أفكار الميتافيزيقا قفزة للداخل لا للخارج. "الـ "ما وراء" ليس صناعة يونانية خالصة. فلأنه انثروبولوجيا فلسفية برأي فيورباخ كان لكلِّ شعبٍ ميتافيزيقاه. الإنسان حيوان ميتافيزيقي بضرورة الحياة. يتساءل من حين لآخر: كيف سيجد خلاصاً؟ فلا يذهب بعيداً دون التعلُّق بانتشال كيانه المهيض. حتى ينسى أنَّه ابتكرَ عوالم موازيةً غيرَ متناهيةٍ. للتعرّف على نفسه, وليحرك الأشياءَ بوقود شبحي متواصل.
وأياً كان الوجود المفارق، نصوصاً وأفعالاً، فالحقيقة اللاهوتية إنسانية المعنى. على الأقل بواسطة الخطابات الفلسفية التي تفكر فيها. فهي مرتبطة بآليات بلاغية ومنطقية ليست أكثر من لغة تفكر مع نفسها. أي لغة ترى في الإنسان كائناً يقذف بمصيره بعيداً. ثم يصعد إليه متسلقاً جباله بشتى السبل. بالدموع والأغاني الرومانسية والأشعار والتأويلات. حتى يدرك أنَّه المسؤول عن قراره في أشد منحنيات الحياة وعورةً.
يا لهذا المصير المفقود دوماً بفعل فاعل!! إذ يكتشف الإنسان أنَّه لم يبرح مكانه. ومن ثم كان تاريخ المقدس مكتظاً بالمتسلقين من الكهان والفقهاء ومروضي الأساطير ومدجني القطعان ومهرجي السيرك الجمعي وسارقي الطقوس والشعائر. لتحل الأشباح هائمة مع مواسم الحصاد والأعياد والطقوس والمراسم السياسية والاتفاقيات الاقتصادية. فيزعم هؤلاء الوسطاء أنَّهم الناطقون بلسانها. وأنهم باستطاعتهم جلب بركاتها ورحماتها شريطة تقديم القرابين. والأخيرة لم تنته بعد رغم جميع مظاهر الحضارة.
والآن ثمة تأسيس قانوني لها تحت عنوان المؤسسات الخيرية وصناديق النذور والصناديق الخاصة ورعاية ذوي الحاجة. شبح المقدس كان هذه المرة قابعاً في ماهية الدولة كإدارة لميتافيزيقا السلطة. لكن في صور أرضية يُختلّف حولها. لكن لا تضيع بركاتُها في شكل رواتب وأجور وعلاوات ومناصب.
لم ينتظر المقدس حتى يعلن نيتشه عن موت الإله. قفز معلناً عن أطياف وجوده. وحده الإنسان ينتظر أشباحاً قد تأتي ولا تأتي. أليس لغيرها الإيمان ولها قوة أنْ توجد أو لا توجد؟! هكذا يبرز تاريخها المتأرجح في ذاكرة المتصوفة والساسة ورجال الدين والشعراء واليوتوبيين. لأنَّها مجهولة المصدر والهوية. في كل الحالات يتوارى المقدس قريباً بطابع الإنسان وتحولاته.
وبحكم التعريف يقف المقدس بين طرفي نقيض (الإيمان والإنكار). أحدهما يأتي بالآخر بشكلٍّ فوري. وعبثاً الافلات من هذا الطرف دون ملاحقة الآخر. المظاهر الحديثة لنماذج القداسة مازالت فاعلة في الوقت الراهن. فالمجتمعات التي تطبق نظاماً سياسياً لاهوتياً تخيم أشباحه على مؤسساتها كأنها كهوف للعبادة قديماً. بذات الوقت تسمح الأنظمة الأكثر عداءٍ للدين بالعمل على منواله.
يحتوى المقدس على دلالتين: التقديس واللعنة، الجليل والشرير. وبالتالي سيقابله البشر منذ وطأت أقدامهم أديم الأرض بحالين لا ثالث لهما: الرغبة والرهبة. وهما يشكلان قطبي عالم من أقصي المعادلة إلى أدناها. وبالتالي لن يخرج أحساس ايماني خارجهما إلا ويعاد إلى استقطابهما. وربما أن تعينات هذه الأصداء كامنة في تاريخ الحب والكراهية، العشق والخوف. ولا يمكن تجنب الحب إلى بدرء الشر ويصح العكس أيضاً. وعليه سيكون تمسك الإنسان بطرفٍ كفيلاً بجذب الثاني إلى جواره. وفي كل المواقف لن يخرج من هكذا أحبولة دون خسائر. لأنَّ طرفيها أمران غير محسومي النتائج كما أشرت.
لنتأمل على سبيل التوضيح في ماهية الأشباح السياسية. إنها قدرتنا البشرية على ممارسة التخيل في المجال العام. وأنسنة المؤسسات المعنوية ناهيك عن استعمالها بحسب الثقافة السائدة. الأشباح المقدسة في السياسة أطياف هلامية نتوقع منها انجاز الأعمال وتحقيق الرخاء. مثل الرؤساء والوزراء والشخصيات العامة في مجتمعاتنا المستبدة. هل هم كائنات مفرغة؟ ولماذا تأتي برهبتها أو قداستها إن أمكن؟ العيش مع الأشباح، خلق الأشباح، فضاءات الشبحية، ترويض الأشباح، الحديث مع الأشباح، صناعة الأشباح...جميعها موضوعات لم تزل بكراً سياسياً في الفكر العربي الاسلامي.
فالقداسة ضمن المجتمع العربي الاسلامي فكرة كلية تجاه موضوع غامض تحجب أي شيء سواه. بتلك الطريقة كانت المذاهب الدينية والأيديولوجيات والأنظمة الديكتاتورية تنحو على غراره. إذ تحافظ على غموضها المخيف معلنة عدم الاقتراب(اللا مساس). والقداسة بهذا اسرار نخلعها على الأشياء فتأخذ وجودها من معان بعينها. هذا على قدر ما تحل الاشباح مكانها في غير زمان ولا مكان. فقد يكون موضوعها صورة، رمزاً، كائناً، فكرة، نصاً. فتصبح هذه المفردات موطأً لحلول مدلولها.
في مقابل ذلك هناك اللعنة. فإذا رفضنا التقديس كانت اللعنة على أتم استعدادها لالتهامنا. فهناك الملاحقة أو التوقع بذلك. فأيُّ مقدس إذا ما تجاهلناه نتوقع منه شيئاً ما يضر بكياننا. ولذلك يظن الأشرار في كل الديانات أنَّهم ملاحقون. لا لشيء إلى لعدم أخذهم بمراعاة المقدس، ماذا يقول، وأي نواه يحذرهم منها. "يكاد المريب أن يقول خذوني"... هذا حال الخارجين على القانون بمفهومه الحالي. واستطاعت الإنسانية مؤخراً أن تشرع الجريمة ضد الإنسانية كنوع معولم من اللعنة باسم قداسة الإنسان. كل جريمة لا تخلو من لعنة ترتد في شكل ملاحقة دائمة. وإن سكتت فإنها قابلة للانتشار. وليس أقرب إلى توضيح المعنى من تسييس الجريمة ضد الإنسانية طبقاً لهيمنة الدول الكبرى على المنظمات الحقوقية التي تتبنى متابعتها. وهذا شبح آخر يمرق من قوس المقدس السياسي تجاه بعض الشخصيات الرئاسية والعسكرية الملعونة على الصعيد الدولي.
ليس هناك من شبح بلا سلطة قادرة على بث الخوف. فالشبح يلاحق الإنسان. لأنه هاجس دائم على مرمى التوقُّع. لعل عنف السلطة السياسية قمع مقنن يحتقر القداسة. وبإمكانها كحال السلطة في التاريخ الاسلامي رفع نفسها فوق الواقع. لقد كانت اشباحها تلهث خلف مواطنيها عنفاً. والملاحظ بهذا الصدد أنها اخدت وظائف المقدس بامتياز. فكانت تحتكر النص الأصلي(القرآن) حاملةً له حصراً. كان هؤلاء الخلفاء والأمراء ما هم إلاَّ ظلال الله على الأرض. ابو جعفر المنصور أشار يوم الوقوف بعرفة: " إنما أنا سلطان الله في أرضه أسوسكم بتوفيقه وتسديده. وأنا خازنه على فيئه. أعمل بمشيئته وأقسمه بإرادته وأعطيه بإذنه. وقد جعلني الله عليه قفلاً إذا شاء أن يفتحني لأعطياتكم وقسم فيئكم وأرزاقكم فتحني وإذا شاء أن يقفلني أقفلني".
وبهذا فإن السلطة السياسية عملية انتاج متواصل للأشباح. فمن أدني مسؤول إلى أكبره يرفل في ظلال كأنها تخلق عالماً خاصاً بها. وبفضل مركزيتها ستكون غير قابلة للاختراق أو الانكشاف. فهناك نواة مقدسة تخفي نفسها ضمن ممارسات وأفعال. حتى تكتمل صورتها المتعالية أمام متابعيها. وعادة ستكون اللعنة، هذا الجانب المدنس منها، اليد التي تبطش بمن يقترب. فالاقتراب، أدنى اقتراب، يشعر هذه السلطة بالخطر. وهي على هيمنتها تتضمن هشاشة الأشباح وخيوطها غير المرئية. وقد تكون غيرَ قويةٍ في ذاتها. لكن كم التحسب منها (التقديس مرة أخرى) هو الرصيد الجوهري لقوة اللعنة.
والشبح يتميز بفراغ كيانه. وهكذا السلطة تفرغ نفسها أيضاً من أي شيء سواها. ويبقى محتواها لظل الأخيلة التي تلتصق بها. لهذا ترتبط بكم من التوظيف يفوق قدرتها على العمل. فالكثافة المغلظة للسلطة إيهام لملء الأشباح من الداخل. وقد تتحول إلى موجودات حقيقية أو كأنَّها كذلك. كما أنَّ الرهافة، الهشاشة أكبر خدع السلطة للمجيء بكل قوة فيما بعد. كل سلطة بمنطق الشبح بلا قاع، هاوية بحجم التأثير الذي تدفعه إلى مواطنيها.
من جانب آخر يأتي الشبح بوعد. هو لا يكون هناك بلا مقابل. ثمة إنسان يتزامن معه وإلاَّ لما اعتبر كذلك. الخيال يراه لعنةً أو خلاصاً. المهم هناك برتوكول نفسي يأتي به ويتحرك معه جيئة وذهاباً. هؤلاء القادرون على الوعد هم من يستطيع مقابلة الأشباح. والوعود الشبحية كثيرة. منها على سبيل المثال مع المحبوب. العشق يأخذ المحب لمناجاة المحبوب، يراه، يشم رائحته ويصطحبه إلى ما يريد. وتراث الحب في المجتمع العربي مليء بالأشباح ما بين المغازلة والمناجاة والهيام والصب والبكاء على الفراق واللقاء.