الخانات الثلاث

جعفر المظفر
2016 / 6 / 6

الخانات الثلاث
جعفر المظفر
لا باس أن نبسط الأمر على الشكل التالي .. حينما يضعف الجسم نتيجة قهره وجوعه وعطشه ومعاناته وإحباطه, أي تتكالب عليه كل العوامل النفسية والعضوية المنهكة يكون عندها عرضة للإصابة بعدوى الجراثيم بسهولة. الآن لنطبق هذه الحقيقة على عالم السياسة : العراق هو ذلك الجسم, أما عوامل إضعافه فهي الطائفية والفساد المتجسدتين في نظام متأسس عليهما وعلى الكثير من العوامل السيئة الأخرى التي تتفرع منهما بالأصل.
على الجهة الأخرى الجرثومة هي داعش.. تظهر في العراق فتجد أمامها جسدا متفسخا ومهيأ لترعرعها وإنتشارها لذلك يكون من الطبيعي ان تتمكن من هذا الجسم بسهولة فتعشعش فيه وتعيش عليه.
الآن يأتي إليك إثنان من العباقرة . الأول يسالك لماذا لم تنتشر داعش بين أهل الجنوب والوسط وإنتشرت في المناطق الغربية من العراق, وهو بهذا يريد أن يقول أن العرب السنة هم المسؤولين عن ذلك. وهذا مخلوق أما جاهل وأما سفيه.
فإن كان سفيها فإن الإجابة عليه ستكون مضيعة للوقت. وإن كان جاهلا فلن يكون هناك أسهل من أن تجيبه : ما دمت صرت مسؤولا عن العراق برمته وتظن نفسك مخلصا له فشرط أخلاصك يفرض عليك أن تؤمن بان أهل هذه المناطق هم أهلك تماما مثلما هم البقية من أهل العراق, بما يفرض عليك ان تعالج الأمر بكل الطرق التي تجعل وصول داعش وإنتشارها أمرا صعبا, خاصة وأنت تعلم أن الوهابية التكفيرية ليست ضد الشيعة وحدهم بل ضد كل المذاهب والأديان الأخرى, وهم مستعدون لذبح السني مثلما يذبح الشيعي., وهذا ما كان ظهر واضحا أثناء حقبة القاعدة يوم لم يتردد أهالي تلك المنطقة بالثورة عليها ومطاردتها من خلال تنظيم الصحوات, ثم تأكد بعدها أثناء الحقبة الداعشية أن داعش لا ترحم أحدا, سنيا كان أم شيعيا, لأنها طريقة تكفر جميع المذاهب التي لا تعتمد على فقهها التكفيري الإجرامي المتطرف.
إن هذا لا يعني مطلقا أن هذه المناطق لم يكن فيها من قدَّم دعما لداعش أو قاتل بين صفوفها, لكن الحكم على مواطني تلك المناطق من خلال أولئك المجرمين هو تماما كالحكم على الشيعة من خلال المجرمين الذين قاتلوا مع الجيش الإيراني ضد بلدهم العراق في اثناء الحرب العراقية الإيرانية, كلاهما يقولان نحن إضطررنا إلى الجريمة تحت ضغط ظرف قاهر. الأول ينسب تضامنه مع داعش بحجة أنه كان رد فعل على ظلم سلطة الشيعة والثاني ينسب عمالته لإيران على أساس أنها كانت رد فعل على الظلم القاهر الذي تعرضوا له على يدي صدام حسين. لكن بين صورة هؤلاء وأولئك كانت هناك صورتان مختلفتان, الأولى لعراقيين شيعة كثيرين كانوا قاتلوا ضد محاولة إيران غزو بلادهم وإلحاقها بدولة الفقيه الفارسية والصورة الأخرى لعراقيين سنة قاوموا داعش وذبحت داعش منهم الألوف, ومنهم على سبيل المثال لا الحصر خمسمائة مواطن من عشيرة أبو نمر تم نحرهم في في يوم واحد وفي رقعة واحدة ومن بينهم أطفال ونساء وشيوخ, وقد تمت عملية الذبح بنفس السكينة التي تم فيها ذبح شهداء سبايكر. إن المذبوحين من كلا المذهَبيين هم مواطنون عراقيون لا ناقة لهم ولا بعير.
لكن ما فعلته هو أنك زدت الأمر سوء فأنت تعترف أن هذه المناطق لم تؤيد النظام الجديد لعوامل عدة إدعيت ان أهمها كراهيتها للشيعة وفقدانها السلطة التي كانت عمليا للسنة, وسنوافقك على تبسيطك الأمر بهذا المستوى, على الأقل لغرض أن لا يطول الحوار ويبعدنا بالتالي عن أصل الموضوع, وسنسألك ماذا ستفعل لو كان لك ولدان, أحدهما سليم وآخر يشكو من عُلَّة, أليس من المفترض, إذا كنت أبا صالحا, أن تعطي ذا العلة وقتا أكثر لمتابعته, وجهدا مضافا لشفائه, هذا على إفتراض أنك أعطيت الأول بعض الإهتمام والرعاية, لكننا رأيناك في الحالتين لا يهمك أمرهمأ معا منصرفا إلى السرقة واللصوصية والسحت الحرام, فافقرت الأول وجعلته مشروعا للطم والزنجلة والتطبير وللإستشهاد لكي تنعم عائلتك بطيب الإقامة في مراعيها الخضراء في لندن وباريس ونيويورك, وتوجهت لكي تزيد من خذلان الثاني وكأنما نذرت نفسك لهذا الغرض فأهديت داعش هذه المناطق هدية مجانية.
والآن فإن عددا غير قليل من الذين تسببوا في هذه المأساة يظهرون في وسائل الإعلام وكأنهم أبطال تحرير عظماء, وفي المقدمة منهم المالكي وصحابته, وهو صاحب الفقاعة المشهورة والقول الطائفي الأشهر (المعركة ما زالت تدور بين جيش يزيد وجيش الحسين)
ترى في اية خانة سنضع هؤلاء : خانة الجهالة أم خانة السفاهة, أم الثالثة التي تليق حتما بكل خائن للأمانة والمسماة بخانة السفالة.