شهر رمضان: كريم في الاستهلاك بخيل في الانتاج !

ناجح العبيدي
2016 / 6 / 6

شهر رمضان: كريم في الاستهلاك بخيل في الانتاج !
ينتظر الممثلون والممثلات العرب شهر رمضان على أحر من الجمر، ليس لأنه شهر التأمل والتعبد فحسب ، وإنما لأنه شهر المسلسلات التلفزيونية بامتياز. ويعتبر قطاع التمثيل أحد الفروع الهامة لما يمكن وصفه بالصناعة الرمضانية والذي يحقق إيرادات تقدر بمئات الملايين من الدولارات. وبفضل الطلب غير العادي على البرامج والمسابقات الخاصة برمضان لا يحصل عادل إمام وغيره من نجوم الشاشة على أجور بملايين الدولارات فقط ، بل يجد أيضا الآلاف من العاملين الآخرين مصدرا للرزق في إنتاج المسلسلات وتسويقها. ويعود ازدهار هذه الصناعة الرمضانية بالدرجة الأولى إلى وجود سوق كبير يتمثل في المئات من القنوات التلفزيونية العربية الترفيهية والتي تتنافس على بث المسلسلات والبرنامج وسط حرص على أن يؤديها ألمع النجوم والنجمات .
غير أن التأثيرات الاقتصادية لفريضة الصوم تشمل أيضا قطاعات اقتصادية أخرى والتي تتأثر إيجابا وسلبا. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا : هل تتفق العادات والتقاليد الدينية والاجتماعية لشهر رمضان مع منطق الحياة الاقتصادية ومتطلبات التنمية؟ وإذا كان هناك رابحون، فهل يوجد خاسرون وماذا عن الاقتصاد الوطني ككل؟
زيادة في الطلب ولكن!
من الواضح أن إنفاق الأسرة في البلدان الاسلامية يزداد وربما يتضاعف خلال رمضان. ومع أن الصوم يعني دينيا الإمساك عن المفطرات وخاصة الطعام والشراب بين طلوع الشمس وغروبها، إلا أن واقع الحال يبين بأن هذه الشهر بالذات يشهد طلبا غير عادي على شراء المواد الغذائية والمستلزمات الأخرى المرتبطة بتقاليد هذه الفترة. صحيح أن العادات الاستهلاكية في رمضان ترهق ميزانية الأسرة ذات الدخل المحدود، ولكنها تؤدي أيضا إلى زيادة كبيرة في الطلب الفعال على كثير من السلع، الأمر الذي يمكن أن يعطي دفعة للنمو الاقتصادي. وإذا كان عدد الأسر في العراق بحسب بيانات الجهاز المركزي للاحصاء يقارب 5 ملايين ومتوسط انفاقها الشهري يبلغ نحو 1500 دولار فإن زيادة 50% في الانفاق ستعني طلبا إضافيا بقرابة 4 مليارات دولار. وبالتأكيد فإن هذه المبلغ يمثل جرعة إضافية لتحريك عجلة الاقتصاد الوطني ولإنعاشه. ويستفيد من هذا الاستهلاك الاضافي قطاع التجارة بشكل خاص وبعض الصناعات التقليدية. ويشير أنصار الاقتصاد الاسلامي إلى فوائد اقتصادية أخرى للصيام. ولكن هذه "الفوائد" تقوم على افتراضات أخلاقية لا صلة لها بالواقع أو أنها نادرة بحيث لا يُعتد بها. فعلى سبيل المثال يذكر أحد منظري الاقتصاد الاسلامي بأن الصيام يوفر مزيدا من الوقت للعمل والانتاج باعتبار أن العمال "يوفرون" الساعات المخصصة لإعداد الطعام وتناوله!!. ولكن نظرة واحدة إلى الحياة الاقتصادية أثناء رمضان تكفي للتوصل إلى نتائج معاكسة تماما
تقاليد رمضان: تكاليف باهظة لمردود متواضع
مقابل التضخم غير الطبيعي في الاستهلاك، تُصاب الكثير من مجالات الحياة الاقتصادية عمليا بحالة من الشلل. فقد جرت العادة أن تخفض الحكومة ساعات الدوام الرسمي بمقدار ساعة واحدة خلال رمضان. ولو افترضنا أن متوسط تكلفة العمل (الاجر والتكاليف الاضافية) للساعة الواحدة في العراق يبلغ 5 دولارات (وهذا تقدير متحفظ) فإن الخسائر المترتبة على هذا القرار في القطاع العام وحده ،الذي يضم أكثر من 5 ملايين موظف ومستخدم، تزيد عن نصف مليار دولار. ومن المؤكد أن التكاليف الفعلية تزيد عن ذلك بكثير لأن الدوام الفعلي لا يقل لساعة واحدة فقط وإنما لساعات، إذ يجد العاملون صعوبة كبيرة في تأدية أعمالهم بسبب العطش والإرهاق والسهر. وإذا جاء رمضان في فصل الصيف، كما يحدث هذا العام، فإن ظاهرة تعطل الأعمال تتخذ أبعادا غير معقولة ، لا سيما عندما يستغل البعض الصيام ذريعة للكسل. وإلى جانب التكاليف المباشرة هناك خسائر أخرى أكبر وأعباء أكثر وطأة على الحياة الاقتصادية ، وفي مقدمتها النقص في الإنتاج والخدمات وانخفاض استغلال الطاقات الانتاجية وتعطيل المعاملات الرسمية وتأجيل المشاريع وغيرها.
وما يسري على القطاع العام ينطبق أيضا على القطاع الخاص حيث يشهد رمضان تراجعا واضحا في النشاط الاقتصادي وخاصة في قطاع البناء والمقاولات إذ تشير التقديرات إلى أن هذه القطاعات لا تعمل سوى بنصف طافتها وتُضطر لتأجيل معظم مشاريعها. صحيح أن معظم هذه الخسائر لا يظهر فورا للعيان بالنسبة للمواطن العادي، وذلك نتيجة لاعتماد الاقتصاد العراقي على الصادارت النفطية وهو مؤشر يتوقف على السوق النفطية العالمية التي لا تعرف الصيام. ولكن القطاعات الإنتاجية الأخرى تتكبد خسائر باهظة نتيجة انخفاض ساعات العمل وتراخي الانضباط وتدهور الإنتاجية. ويجب القول بوضوح بإن مثل هذه الظاهرة لا يمكن أن تحدث في أي اقتصاد متقدم حيث يكون لكل يوم وساعة حساب خاص. ففي ألمانيا مثلا تبلغ تكلفة العمل للساعة الواحدة 37 يورو. وإذا ضُرب هذه الرقم بعدد المشتغلين البالغ 43 مليونا فإن الخسائر اليومية لو خفض وقت الدوام ساعة واحدة ستزيد عن مليار ونصف مليار يورو ، ناهيك عن التراجع في الانتاج والنمو. وعليه يمكن القول إن ألمانيا أو أي بلد صناعي آخر لا يحتاج سوى لعدة "رمضانات" على الطريقة العراقية أوالمصرية لكي يتراجع إلى مرتبة بلد نام. صحيح أن هناك ما يشبه رمضان في الدول المتقدمة أيضا ولكن المواطن العادي يعيشها بطريقة مختلفة. ففي ألمانيا وغيرها من البلدان الأوروبية يترقب التجار باهتمام كبير قدوم موسم عيد ميلاد المسيح وفترة تبادل الهدايا والتي تتميز أيضا بالاسراف في الطعام والشراب والانفاق. ولكنها تمتد لفترة 3 أيام فقط ما يعني أن تبعاتها السلبية أقل بكثير من دورها الايجابي المتمثل في زيادة الطلب على سلع محددة. ففي الأسابيع التي تسبق عيد الميلاد ينفق كل ألماني في المتوسط أكثر من 400 يورو على شراء الهدايا للأحباء والاقارب. وهذا يعني طلبا بقيمة 32 مليار يورو تدخل إلى جيوب تجار التجزئة وتشكل أيضا حافزا إضافيا للانتاج. أما فترة الصيام المسيحي والتي تمتد لأربعين يوما قبل عيد الفصح، فتمر دون أن يشعر بها أحد تقريبا، لأن الصيام يقتصر على الامتناع عن تناول أشياء معينة فقط مثل اللحوم والمشروبات الروحية والشوكلاتة، ما يعنى أن تأثيراتها الاقتصادية شبه معدومة.
في المقابل تبدوة الصورة في معظم البلدان الاسلامية مختلفة للغاية خاصة وأن هذه الدول ومنها العراق تعاني أيضا من عدم اكتمال الدورة الاقتصادية بين الطلب والعرض. فبينما تحقق تجارة التجزئة الكثير من الارباح في رمضان ، تعاني قطاعات أخرى وخاصة الإنتاجية من ركود، بل وانكماش في نشاطها. ويعود ذلك إلى أن رمضان تحول في السنوات الأخيرة ليس فقط إلى فترة للإسراف في الاستهلاك، وإنما أيضا إلى فترة للكسل والسهر والاسترخاء. من جهة أخرى تبقى استفادة الإنتاج المحلي من ارتفاع الطلب في رمضان محدودة للغاية ، نظرا لأن الإقبال يتركز على السلع المستوردة.
وتفرض هذه الجوانب من جديد طرح التساؤل حول العلاقة بين التقاليد الدينية والاقتصاد وبين الاسلام والتنمية. فحتى الآن بقيت الفرضيات حول المفهوم الاسلامي للتنمية في نطاق الأمنيات ولم تقدم الدول الاسلامية في هذا المجال تجربة يُعتد بها. من جانب آخر حان الوقت للدعوة إلى تهذيب ممارسة التقاليد الدينية لكي تبقى تأثريتها السلبية على معيشة الناس والتنمية في أضيق نطاق، خاصة وأن القرآن قدم الجانب الاقتصادي على الجانب الديني فيما يخص فريضة الحج على الأقل ، عندما دعا المسلمين لأداء الحج "ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله" .