الأرقام تكشف أوهام سماسرة المال

عصام شعبان حسن
2016 / 6 / 5

اتخذت قضايا الفقر والبطالة مساحة أكبر من اهتمام المؤسسات الاقتصادية المحلية والدولية منذ اندلاع الثورات العربية. لقد صدم حراك الكتل البشرية الغاضبة خلال الانتفاضات العربية النخب الاقتصادية والقوى الحاكمة، ودفع الحراك الذي امتد منذ العام 2011 وحتى الآن، المؤسسات الاقتصادية الدولية إلى بحث معالجة هذا الوضع. كانت تقارير البنك الدولي قبل الثورة تبشّر بالانتعاش الاقتصادي، مستشهدة بنسب النمو في تونس ومصر والتي تجاوزت 7%، لكن تلك التقارير تجاهلت حقائق الوضع الاجتماعي وأزمة الاقتصاد. لقد ذهبت عوائد النمو الاقتصادي إلى فئات محدودة احتكرت السلطة والثروة معاً، بينما بقيت أغلبية الشعوب تعاني من الفقر والبطالة. أمام هذا التفجير البشري في شوارع وميادين الثورة، فكرت المؤسسات الدولية في معالجة الأزمات المتفاقمة في دول الحراك، وراجعت بعض من سياساتها، مستهدفة وقف تمدد الغضب الشعبي، فاستشعرت تلك المؤسسات أن الوطن العربي ليس وحده مرشحاً لامتداد التمرد، بل يمكن أن يتسع في مناطق أخرى من العالم. وقد ضمنت تلك المرجعيات في الوقت نفسه، سيادة النمط الاقتصادي المعتمد، وكذلك تحقيق أقصى درجة من الربح لمؤسسات التمويل، وضمان تنفيذ الشروط المفروضة على الحكومات التي تتلقى القروض. عملت المؤسسات المالية الدولية على فرض سياساتها المالية مقابل الحصول على القروض، واشترطت تطبيق سياسات التحرير الاقتصادي على كافة الأنشطة الاقتصادية والتي كانت آخر حلقاتها تحرير خدمات السكن والصحة والتعليم والنقل والطاقة. طرح البنك الدولي استراتيجية جديدة منذ العام 2011، لمعالجة آثار التحرير الاقتصادي من اتساع معدلات البطالة والتهميش عن طريق ما يسمى المشروعات الصغيرة.

كان من الطبيعي أن تتوجه برامج البنك الدولي إلى المناطق المؤهلة للانفجار، وأن تستهدف الفئات الأكثر تضرراً، كالشباب والنساء، وكذلك مناطق الأطراف في مصر وتونس، حيث وسعت نشاطها في الإقراض للمشروعات الصغيرة بالنسبة إلى محافظات الصعيد في مصر، ومناطق الساحل والجنوب في تونس. استهدف البرنامج تخفيف الاحتقان القائم بتلك المناطق، لكن الحسابات الاقتصادية لبرامج الإقراض المالي لما يسمى المشروعات الصغيرة كشفت فشلها الذريع في تحقيق أهدافها. ووفق بيانات البنك الدولي، لم توفر المشروعات حتى نهاية عام 2014 فرص عمل تتناسب مع الأموال التي صرفت، ولم يوفر برنامج الإقراض في مصر سوى 111 ألف وظيفة، بينما صرف البرنامج قروضاً بقيمة 240 مليون دولار.


إلى ذلك، استمرت شروط البنك الدولي في تطبيق سياسات التحرير الاقتصادي مقابل القروض، الأمر الذي يعني انسحاب دور الدولة الاجتماعي، وكذلك تقليص صرف الدولة على الخدمات والاستثمارات والدعم، وطالب البنك الدولي كذلك بجذب رؤوس الأموال للاستثمار في مصر وتونس، ونصح بتحسين بيئة العمل للقطاع الخاص، الأمر الذي ترجم في سياسة منح إعفاءات مالية وحوافز للمستثمرين.
تكشف محصلة الأرقام المعلنة أن اعتماد الحكومات العربية المتأزمة اقتصادياً على المشروعات الصغيرة كحل لمشكلة البطالة مجرد وهم. وتعترف مؤسسات التمويل الدولية وكذلك المؤسسات الحكومية والأهلية العاملة في مجال التمويل أن 30% من المشروعات القائمة على الاقتراض تعثرت، كذلك تؤكد التجربة أن العديد من حالات الاقتراض لا توجه أساساً إلى مشروعات اقتصادية، وأن قسماً من المشروعات الفردية أو الصغيرة تعثرت في ظل ظروف السوق التي لا تسمح لها بالتنافس. وإذا قارنا بين معدلات الصرف المالي على تلك المشروعات وما حققته من نتائج عملية، نكتشف حجم الإخفاق وفشل فكرة المشروعات الصغيرة وعدم قدرتها على تحقيق تقدم ملموس سواء في توفير فرص عمل أو تحريك الركود القائم في السوق أو مواجهة ظاهرة الفقر والبطالة... لا يبنى اقتصاد دولة عبر المشروعات الصغيرة، ولا توفر تلك المشروعات حاجات المجتمع من السلع، أو الخدمات، وهذه الحقائق يعرفها من يمتلك حداً أدنى من المعرفة بالاقتصاد.

إلا أن المسؤولين الاقتصاديين في الدول العربية، وخصوصاً في مصر وتونس، يستمرون في ترويج الأوهام، وتنفيذ سياسات اقتصادية تنهب الموارد وتسيطر على الأسواق والثروات.
إن مسؤولي المؤسسات الدولية وكذلك المسؤولين الحكوميين لن يوجهوا الأموال إلى مشروعات اقتصادية كبيرة تلبي احتياجات المجتمع وتستوعب البطالة، لأن ذلك ببساطة يعني تقليص أرباحهم التي تُجنى من سيطرتهم على الأسواق.
في الفترة الأخيرة، عقد في مصر مؤتمر الشمول المالي للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وهدف المؤتمر إلى تسهيل فرص الإقراض، حيث أعلن ممثلو البنك الدولي عن جهودهم لتخفيف حدة البطالة، وكرروا رؤيتهم أن تمويل المشروعات الصغيرة يساهم في حل أزمة الاقتصاد ومواجهة البطالة والتهميش، وهي الرؤية ذاتها التي تتبناها الحكومة المصرية بحكم أن من يستلمون الحكم اليوم، هم ذاتهم تقلدوا مناصب في هذه المؤسسات الدولية، والأمثلة عديدة وواضحة.

سحر نصر، وزيرة التعاون الدولي في الحكومة المصرية، كانت مسؤولة سابقاً في البنك الدولي، أما الخبير الاقتصادي حازم الببلاوي فقد انتقل من الحكومة المصرية إلى صندوق النقد الدولي وعيّن مديراً تنفيذياً وممثلاً للدول العربية، وقبلهم يوسف بطرس غالي، وزير المال في عهد حسني مبارك، فهو خريج المؤسسات المالية نفسها التي لا تكتفي بتوجيه الحكومات أو فرض سياساتها فحسب، بل تفرض رجالها في السلطة. ويستمر ذلك الترابط بين رجال تلك المؤسسات المالية ومؤسسات الحكم طالما ظلت تحكمنا أنظمة حكم تابعة.