-شبح الشيوعية- يصل إلى سويسرا!

ناجح العبيدي
2016 / 6 / 5

"شبح الشيوعية" يصل إلى سويسرا!
في عام 1848 بدأ كارل ماركس وفريدريش أنغلز ميثاقهما الشيوعي بالكلمات الشهيرة "هناك شبح يجول في أوروبا، إنه شبح الشيوعية". واليوم وبعد نحو 170 عاما ، يبدو أن هذا الشبح بدأ يطرق إحدى قلاع الرأسمالية العريقة، سويسرا ولكن ليس عن طريق الثورة، التي يتحمس لها الشيوعيون عادة، وإنما عن طريق استفتاء يعتبر الأول من نوعه في العالم. ففي هذا اليوم أدلى السويسريون بأصواتهم في استفتاء حول اعتماد دخل أساسي مضمون لكل مواطن دون أي قيد أوشرط. صحيح أن غالبية السويسريين رفضوا المبادرة الشعبية بهذا الخصوص ، إلا أن ذلك لا يعني بأن الفكرة قد أصبحت في عداد الماضي، خاصة وأن مؤيديها مصرون على طرحها مرة أخرى. كما أن مجرد طرح هذا المبدأ للاستفتاء يعتبر حدثا غير مسبوق في تأريخ السياسة والاقتصاد، ما عدا بالطبع المشاريع الطوباوية لبعض المفكرين، والذين روجوا لتطبيق مبدأ الشيوعية القائل: "لكل حسب حاجته". ومع أن كثيرين تصوروا بأن الزمن قد عفى علي هذا المبدأ مع انهيار النظام الاشتراكي، إلا أن سويسرا المحافظة والهادئة والبعيدة عن "الروح الثورية" تحاول أن تلقن بقية الدول "دروسا" في مجال العدالة الاجتماعية .
وتتلخص فكرة الاستفتاء في أن تدفع الدولة شهريا لكل فرد بالغ 2500 فرنك سويسري (ما يعادل 2560 دولارا أمريكيا) ولكل طفل 625 فرنكا. وسيحصل المواطنون على هذا الدخل بغض النظر عن دخلهم الشخصي وثروتهم وبغض النظر إن كانوا فقراء أم أغنياء، موظفين أم عاطلين، كبارا أم شبابا، أصحاء أم معاقين وغيرها من السمات المؤثرة على قدرة الانسان وإمكانياته. وللوهلة الأولى يبدو هذا النظام وكأنه التطبيق المثالي لمبدأ المساوة: "دخل واحد للجميع". ولكن وكما يقال "الشيطان يكمن في التفاصيل".
وتجدر الأشارة إلى أن الكثير من الدول المتقدمة ،ومنها ألمانيا، تضمن للجميع الحد الأدنى للمعيشة من خلال إعانات البطالة والمساعدات الاجتماعية للمحتاجين وغيرها. ولكن هذه المساعدات لا تُقدم إلا بعد أن يثبت الشخص المعني بأن ليس له دخل أو أن دخله أقل من الحد الأدنى للمعيشة وأنه لا يملك أموالا (رصيد في البنك، عقارات، أسهم وغيرها) يمكن أن تعينه في تمويل معيشته. أي أن هذه المساعدات وبعكس الفكرة السويسرية مشروطة بإثبات وجود حاجة مادية ملحة.
وقبل بدء الاستفتاء في سويسرا اندلع جدل ساخن بين مؤيدي المبادرة الشعبية "من أجل دخل أساسي غير مشروط" ورافضيها حيث حاول كل طرف إبراز المزايا أو النواقص الحقيقية والمفترضة للمبادرة.
مؤيدو الدخل الأساسي غير المشروط يرون في الفكرة تجسيدا للعدالة الاجتماعية بأرقى أشكالها لأنها ستوفر الحياة اللائقة للجميع دون منة من أحد (ولا حتى من الدولة). ويضيف هؤلاء بأن مثل هذا النظام سيؤدي إلى إعادة توزيع الدخل بطريقة منصفة من خلال فرض ضريبة أعلى على ذوي الدخول العالية. وعلاوة على ذلك يعتقد مناصرو المبادرة بأن تطبيقها سيؤدي إلى تخفيف البيروقراطية نتيجة انتفاء الحاجة لأجهزة الدولة التي تقوم حاليا بفحص دخل وأموال طالبي المساعدات الاجتماعية.
في المقابل يرى منتقدو الدخل الأساسي غير المشروط أنه مشروع طوباوي لنشطاء حالمين بعيدين عن الواقع ، وغير قابل للتطبيق ، بل وغير عادل. فبحسب رأيهم تقوم الفكرة على مبدأ العدالة الشكلية لأنه يساوي بين الفقير والمليونير الذي سيحصل هو الآخر على دخل اساسي لا يحتاج له أصلا. من جانب آخر يحذر هؤلاء من استحالة تمويل مثل هذا النظام على المدى الطويل حتى في بلد ثري مثل سويسرا.
أما أقوى حجة ضد مقترح الدخل الأساسي المضمون لكل شخص فتأتي من الاقتصاديين. فحصول الجميع على مثل هذا الدخل سيعني على المدى الطويل القضاء على أي حافز للعمل والانتاج والابداع وتقويض مبدأ المبادرة الشخصية الأمر الذي سيؤدي في نهاية المطاف إلى التباطؤ والركود الاقتصادي وبالتالي إلى إنهيار النظام برمته. وبالفعل فإن مثل هذه الظاهرة لوحظت في الدول الاشتراكية سابقا والتي كانت تعاني من تدني الحوافز الاقتصادية وهو ما ساهم في انهيارها. ويحذر الاقتصاديون كذلك من أن مثل هذه النظام سيعمق من تبعية المواطن للدولة ويمكن أن يؤدي إلى ظهور ما يدعى بدولة الصدقة التي تقايض حرية الفرد بالدخل الأساسي. وهذا ما نراه في الدول الريعية مثل المملكة السعودية وإيران وقطر والعراق وغيرها.
لقد انتهى الاستقتاء السويسري بفشل المبادرة الشعبية "من أجل دخل أساسي غير مشروط" ولكن الجدل حول الفكرة وحول العدالة الاجتماعية سيستمر في سويسرا وغيرها.