لعنة المحاصصة وكوابيس بديلها ؟

ناجح العبيدي
2016 / 6 / 4

من النادر أن يجمع العراقيون على قضية معينة. ولكنهم متفقون على رفض "المحاصصة"، علنا على الأقل. وهذا ما ينطبق أيضا على السياسيين وقادة الكتل. فرئيس الورزاء حيدر العبادي يرى في المحاصصة الحزبية السبب الأول لفشل مشروع إصلاحاته. وفي كل مناسبة يصب زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر لعناته على "المحاصصة الطائفية المقيتة" والتي "تنهب مقدرات الشعب وقوته وحقوقه"، على حد قوله. أما رئيس كتلة مواطن عمار الحكيم فقد كتب على صفحته الرسمية على الفيسبوك أن " المحاصصة تقسيم وتجزئة للحق الواحد وهو أمر مرفوض". من جهته يؤكد أسامة النجيفي بأن "العرب السنة كانوا دائما من دعاة نبذ المحاصصة". ولا يبدو الرئيس فؤاد معصوم أقل حماسا وهو يدعو في كل خطاب له إلى إنهاء المحاصصة. ويمكن بسهولة إضافة أسماء أخرى الأمر الذي يثير الشكوك بصدق هذه المواقف، طالما أن الفضل في حصول معظم الأسماء المذكورة على المناصب والامتيازات يعود إلى المحاصصة بالدرجة الأولى.
وهنا يطرح التساؤل نفسه: إذا كانت أغلبية العراقيين وممثلو كل الكيانات السياسية ضد المحاصصة ، فمن هو المسؤول عن اعتماد هذه النظام؟ الجواب واضح بحسب رأي الكثيرين الذين يرون في المحاصصة "اختراعا أمريكيا" جاء به بول بريمر وفرضه على العراق وكأن العراقيين لم يعرفوا قبل 2003 أنهم منقسمون إلى شيعة وسنة وعرب وكرد!!
وبطبيعة الحال فإن عدم وضوح الصورة عن أسباب المحاصصة ومسؤولية القوى السياسية المتنفذة عنها، يجعل إيجاد بديل لهذا النظام صعبة للغاية ويوفر الفرصه في نفس الوقت للقوى الرافضة للديمقراطية للاصطياد في الماء العكر وللترويج إلى ما هو أسوأ، حتى ينطبق على العراقيين المثل المعروف "كالمستجير من الرمضاء بالنار" .
الاستبداد كبديل محتمل للمحاصصة
هناك "بديل" واضح يروج له البعثيون وحلفاؤهم والمعادون للعملية السياسية عموما. وظهر ذلك بشكل سافر مؤخرا في عدد من المؤتمرات التي عقدتها ما تسمى بالمعارضة العراقية ، وفي مقدمتها اجتماعا بيروت وباريس. فرغم تعدد توجهات وأيديولوجيات المشاركين في هذه "المؤتمرات" ، إلا نتائجها تعكس رغبة واضحة في إعادة الاعتبار للاستبداد وتقوم مقترحاتها على تجاهل الإرادة الشعبية واستبدالها بعبارات فضفاضة عن "إنقاذ العراق". ويروج رعاة هذه المؤتمرات للحلول السريعة وللقبضة الحديدية القادرة على كنس الفساد وفرض النظام والخروج من المأزق، ويحاولون استغلال تذمر الشارع من الديمقراطية المنقوصة التي تحكم العراق منذ 2003 ومظاهر الانفلات والتشظي في مؤسسات الدولة للدعوة لمشاريع مشبوهة. فمن الملفت للنظر أن ما يدعى بـ"المبادرة الوطنية لحل الأزمة العراقية" التي أطلقها خير الدين حسيب وجماعته من مؤتمر بيروت، تدعو صراحة لتعيين رئيس حكومة انتقالية يتمتع بصلاحيات مطلقة ، وبما فيها اختيار الوزراء وإعفائهم. وبهذا سيكون الآمر الناهي في الحكومة التي تملك بدورها "كافة الصلاحيات التشريعية والتنفيذية والقضائية" و"حق إلغاء وتعديل كل القوانين منذ عام 2003" وفقا لنص المبادرة. ولا يمكن وصف مثل هذا النص سوى أنه دعوى صريحة للاستبداد، لأن صلاحيات رئيس حكومة "الانقاذ" تُذكّر تماما بالسلطات المطلقة لصدام حسين . ومع أن المبادرة تحدد الفترة الانتقالية بسنتين ، إلا إن هذا القائد "الجديد" سيجد الوقت الكافي لكي يستجيب لإرادة الجماهير ولاستكمال رسالته الخالدة. أما "المشروع الوطني العراقي" لصاحبه جمال الضاري والمنبثق عن اجتماع باريس فقد أكد منذ البداية بأنه لا يريد دخول أي انتخابات، بل يريد فقط "إنقاذ العراق" ، مؤكدا نبذه "للطائفية والمحاصصة". ولا تشترك هذه الأطراف في رفضها للعملية السياساية وللحياة الديمقراطية و بالتعويل على الاستبداد لحل الأزمة العراقية فحسب ، وإنما أيضا تسعى لتدويل القضية العراقية بأمل التمهيد لتدخل عسكري عربي (خليجي) لترجيج كفة طرف معين في المعادلة العراقية المعقدة. وبطبيعة الحال فإن المال والاعلام الخليجي يلعب دورا رئيسيا في الترويج لمثل هذه المشاريع. ومن دون أي شك فإن مثل هذه المواقف تأتي أيضا نتيجة قناعة هذه الأطراف بأن فرصها في أي انتخابات شبه معدومة . وهذا ما أثبتته تجربة المليونير أوالمليادرير خميس خنجر الذي كان يعول على تحقيق اختراق للعملية السياسية في الانتخابات الأخيرة ولكن فشله الذريع يدفعه للبحث عن "بدائل" أخرى.
وإضافة إلى هذه القوى والتي تتربط بهذا الشكل أو ذاك بفلول البعث والمروجين للعنف كوسيلة للتغيير السياسي، هناك أيضا قوى تشارك في العملية السياسية ولكنها تلوح باستخدام القوة لزيادة حصتها في الدولة. ولهذا تجهر بعدائها لنظام المحاصصة رغم أنها احد المستفيدين الرئيسيين منه. ويمكن تلخيص موقفها : "نحن لا نكتفي بقطعة صغيرة من كعكة المحاصصة ، بل نريد الكعكة كلها ولا ضير في أن نقدم الوعود بالقضاء على الفساد والسماح بمشاركة آخرين". وهذا ما ينطبق بشكل خاص على التيار الصدري الذي يحاول تزعم الحراك الشعبي المطالب بالاصلاحات والذهاب إلى أبعد من ذلك ، وهو إسقاط العملية السياسية والانفراد بالسلطة.
ورغم أن هذه القوى تختلف كثيرا في رؤاها الايديولوجية وتحالفاتها السياسية إلا أنها تتفق في أنها تحاول استثمار ورقة المحاصصة ومثالبها ليس لإصلاح العملية السياسية، وإنما للإجهاز عليها تمهيدا لإقامة نظام ديكتاتوري . وبهذا ينطبق عليها المثل"كلمة حق يراد بها باطل". فهي لا ترفض المحاصصة لأنها السبب الرئيسي وراء الكوارث التي ألمت بالبلد نتيجة إخفاق أجهزة الدولة في القيام بواجباتها وعجزها عن تطبيق القانون على الجميع، ولا لأنها منبع الفساد وتبديد المال العام ، وإنما لأن المحاصصة تعني تقاسما للمناصب والسلطو والامتيازات وتعدد مراكز القرار. وهذا يعد جريمة كبري في أعين مؤيدي القبضة الحديدية القادرة على حل كل المشاكل بسرعة البرق.
ديمقراطية الأغلبية والديمقراطية التوافقية
إن نظام المحاصصة ليس اختراعا عراقيا وليس لبنانيا. فقد سبقت بلدان أخرى العراق في تطبيق نوع من المحاصصة في تشكيل الحكومات المركزية أو المحلية. والهدف هو التوصل لتمثيل متوازن للمجموعات السكانية المختلفة في مراكز اتخاذ القرار، ومن هذه البلدان سويسرا والنمسا وبلجيكا وقبرص قبل الغزو التركي وغيرها. ويُطلق أحيانا في الأدب السياسي على "المحاصصة" مبدأ التوازن أو مبدأ التناسب. والسمة المشتركة لهذه البلدان هو وجود تنوع اثني أو ديني أو مناطقي أوثقافي أو لغوي وكذلك وجود أغلبية وأقليات الأمر الذي يعني وجود مخاوف من استئثار الأغلبية القائمة على أساس إثني أوديني أو ثقافي بالسلطة وتهميش الاقليات. وهذا السمة تنطبق أيضا على العراق حيث تعتبر السبب الرئيسي لنشوء نظام المحاصصة. ومن هنا فإن الموقف المزدوج لأغلبية السياسيين العراقيين تجاه المحاصصة (لعنها قولا والتمسك بها فعلا) لا يعود إلى السلوك الانتهازي لهولاء وتفضيلهم المصالح الشخصية والفئوية فحسب، وإنما أيضا إلى التركيبة المعقدة للمجتمع العراقي. وهذا ما يجب مراعاته في البحث عن بديل للمحاصصة.
ولكن مساوئ المحاصصة بنكهتها العراقية فاقت النظم المماثلة في بلدان أخرى لسببين رئيسين. الأول هو اقترانها بالمحسوبية والمنسوبية الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه أمام تفشي الفساد. والسبب الثاني هو أن المحاصصة العراقية اعتمدت حتى الأن مبدأ مشاركة جميع القوى الفائزة في الانتخابات في تشكيل الحكومة الأمر الذي يعني غياب معارضة حقيقية. ولهذا يُلاحظ أن معظم القوى المشاركة في السلطة تنتقد الحكومة وتتصرف وكأنها في المعارضة لزيادة شعبيتها، وفي نفس الوقت تحرص على أخذ حصتها كاملة في السلطة والامتيازات. والنتيجة هي شلل الحكومة وترهل أجهزتها وعجزها عن اتخاذ القرار. وهذا ما يركز عليه عادة مؤيدو نظام القبضة الحديدية.
وكما يتفق كثيرون فإن البديل الأمثل للمحاصصة يكمن في مبدأ المشاركة الحقيقية والذي يتحدث عنه أيضا أقطاب العملية السياسية بمختلف مشاربهم. وهذا لن يتحقق إلا في ظل تطبيق صيغة مناسبة من الديمقراطية التوافقية تراعي خصائص المجتمع العراقي. وتجدر الإشارة هنا إلى أن مصطلح الديمقراطية التوافقية يعتبر حديثا نسبيا، وبدأ بالانتشار في الأدب السياسي الأوروبي في سنوات الستينات من القرن الماضي. ويعود الفضل في بلورة هذه المصطلح بالدرجة الأولى إلى أبحاث أستاذي العلوم السياسية ، الألماني "غيرهارد ليمبروخ" (الذي استخدم مصطلح Konkordanzdemokratie أو Proporzdemokratie ) والأمريكي "آرنت ليبهارت" (الذي أسماها consensus democracy ). وتتلخص الفكرة الأساسية في إقامة إئتلاف حكومي واسع لا يضم القوى الرئيسية فقط وإنما أيضا ممثلي الأقليات، هذا إضافة إلى توفير ضمانات قانونية لمنع الأغلبية من احتكار القرار وممارسة "دكتاتورية الأغلبية" والحيلولة في نفس الوقت دون السماح للأقلية بتعطيل القرار لأغراض نفعية. وكمثال على ذلك يمكن الإشارة هنا إلى تجربة مجلس الرئاسة العراقي بعد الانتخبات في نهاية 2005 وحتى بداية 2010 ، عندما كانت القرارات تتخذ بالإجماع من قبل الرئيس ونائبيه. وقد تعمد نائب الرئيس حينها طارق الهاشمي تعطيل قانون الانتخبات في مرحلة حساسة لأسباب واهية وبهدف الحصول على دعاية انتخابية مجانية. ولكن مثل هذه التجارب السلبية لا تبرر سلب الأقليات من استخدام حق الفيتو في القرارات المصيرية والقوانين الهامة. وهذا يحتم اخضاع مبدأ الأغلبية السائد في المجتمعات الديمقراطية المتجانسة لتعديل جوهري لكي يناسب المجتمعات المتعددة مثل العراق، وذلك من خلال اعتماد مبدأ التوافق بهدف طمأئة الاقليات من "استبداد الأكثرية". وهذا يفسر المعارضة الواسعة لشعار " حكومة الأغلبية السياسية" الذي رفعه رئيس الورزاء السابق نوري المالكي في الانتخابات الأخيرة. ويعود هذا الرفض ليس فقط إلى الاعتراض على تولي المالكي لولاية ثالثة، وإنما بالدرجة إلى مخاوف "السنة" و"الكرد" من قيام "دكتاتورية شيعية" . غير أن تفضيل الائتلاف الواسع او حكومة الوحدة الوطنية لا يعني بالضرورة مشاركة جميع القوى فيها وغياب المعارضة، بل من المهم أن تمثل الحكومة التنوع الاثني والديني للمجتمع.
ومما لا شك فيه فإن النظام الفيدرالي يمثل أحد المرتكزات الهامة للدمقراطية التوافقية، لأنه يتيح للأقلية على المستوى المحلي أن تحكم نفسها بنفسها، ويستكمل بالتالي التقاسم العادل للسلطة على المستوى المركزي. وهذا ما تثبته تجربة كردستان العراق. وللأسف فإن البداية الجيدة للنظام الفيدرالي في العراق سرعان ما تعثرت بسبب تفاقم الخلافات بين أربيل وبغداد وفشل محاولات إقامة أقاليم في مناطق أخرى من العراق. كما أن تجاهل مادة الدستور الخاصة بتشكيل مجلس إتحادي لكي يلعب دورا تشريعيا مكملا لمجلس النواب شكل ضربة قوية لتطوير مبدأ الديمقراطية التوافقية ولمبدأ التقاسم العادل للسلطة والثروة بين مختلف الفئات.
من الواضح أن نظام المحاصصة بصيغته الحالية في العراق قد وصل إلى مفترق طرق نتيجة احتدام الأزمات السياسية والاقتصادية والتحديات الأمنية والإرهابية الأمر الذي يحتم البحث عن بديل. ومع أن نظام الديمقراطية التوافقية يعاني من الكثير من السلبيات والنواقص، إلا أنه يمثل البديل الأفضل مقارنة بالبدائل الأخري المتمثلة في العودة إلى النظام الاستبدادي أو الذهاب نحو التقسيم. فكلاهما ينطوي على خطر اندلاع حروب أهلية لا نهاية لها.