عذراء الموت والنسيان

سامي عبد العال
2016 / 6 / 2

أشار القرآنُ إلى "إحساسٍ مريميٍّ" - نسبةً إلى مريم العذراء- كاشف للإنسان داخل المرأة..."ليتني مِتُّ قبل هذا وكنت نسياً منسيّاً". إنَّه ندمٌ يدفع بصاحبته إلى رغبة السقوط في النسيان. بسبب تبعات المسؤولية تجاه وضع غير قابل للتبرير ضمن ثقافة ذكورية. ذلك تعقيباً على كونِّها(مريم) وُهِبَت غلامٌ زكيٌّ. مع أنَّه لم يمسسها بشرٌ، ولم تكُ بغيَّاً كما جاء.
إذن حين تمنّت العذراءُ موتاً كان سببه الافتضاح على الملأ بـ" وثيقة المخاض" مخافةَ أَلاَّ تظل نقيةَ الجانب. وهذا شيءٌ حميم لامرأةٍ تريد ظهوراً لائقاً أمام قومها. ثم تبيَّن أن الافتضاح ليس كذلك... بموجب ميلاد المسيح. وباعتباره آية إذ تحدث في المهد كاشفاً السر. بالتالي العذريَّة ليست صفةً نوعيةً لمن لا تتزوج. لكنها تكوين انسانيٌّ يحافظ على بكارة الأحاسيس. فالمرأة قد تكون عذراء وإنْ تزوجت. تمثل حالة مريم شيئاً من هذا. ولاسيما أنَّ القصة تذكر وجود الملاك الذي تمثل بشراً سوياً. وقد بشرهاً بميلاد عيسى بلا أبٍ. وإلى الآن ظلت كلمة العذراء ترتبط بها في الثقافة الدينية.
قرآن المسلمين قال ذلك. لكن: ماذا لو أنَّ قطيعاً رُعاعياً بـ "دوافع اسلامية" افتضح مريماً أخرى بدون سر إلهي سوى نزوع أهوج للانتقام؟! هل سيكون ذلك حكماً بالموت لهذه المرأة، مريم الجديدة(الأم سعاد) في صعيد مصر؟ وكيف يتأتَّى لهؤلاء المسلمين ارتكاب ما يناقض القرآن؟ يناقض الإحساس الإنساني في عدم التعريض بالآخرين دونما ذنب. لأنه في النهاية احساسٌ نبيل ومستقلٌّ عن غيره. وليس أنكي من جعله استهلاكاً فضائحياً بمبررات الانتقام الاجتماعي. فتتداوله الفضائيات وتلوكُّه الألسن كعقابٍ مرةً تالية.
إنَّ تجريدَ إنسانة من ملابسها جريمةٌ لا يوازيها إلاَّ القتل. لأنَّه هتك ما كان حميمياً لامرأة أخرى تعتقد ما كانت تعتقد مريمُ العذراء. حقيقةً: هو اغتيال على الملأ لشرف مسلوب بعماء ديني متَّوحِش. فإحساس العذريّة، هذا الجانب الإنساني الحر مثلما نوهت، لا يجوز اغتصابه ولا التشهير به ولا اقتحام خصوصيته. مهما تكن المقدمات المؤديةُ إليه. وقد تمنت مريم موتاً محققاً نتيجة لذلك. بالتالي لو ارتكب المسلمون هذا الاغتصاب لكان الحكمُ نافذاً بالمعنى السابق على الضحية. لأنَّ الحادثتين تشرح إحداهما الأخرى: مخاض مريم العذراء وتعرية الأم سعاد. الأولى كانت بفعل إلهي كما يقول القرآن. بينما الثانية بفعل غرائزي غوغائي.
وبالتالي سيُؤثِّم القرآنُ كلَّ من يقذف المسيحيات. فلئن كانت أم المسيح لها تلك المرتبة، وقد رفعها القرآن مكانة سامقة في سورة مخصوصة، فهذه حجةٌ دائمة على مرتكبي الفضائح تجاه أتباعها(مريم) سلوكاً ومعالجةً. والمنطق الذي أشارت إليه العذراء بالموت والنسيان كان خطاباً بمجمله. كأنَّه إنذار مبكر جداً منذ ميلاد المسيح إلى حادثة تعرية الأم سعاد أو غيرها فوق رؤوس الأشهاد.
وكأنَّ المسلمين بالمقابل يكَّذبون قرآنهم بصدد أمِّ المسيح. ويضربون عرض الحائط بقصة العذراء بدلالتها الكلية. ومنها أنَّهم جُهلاء لا بما يقول كتابهم المقدس لكن حتى بنظرتهم تجاه المسيحيين. وهذه معضلة يعاني منها أغلب المسلمين في مصر والعالم العربي. إذ يضمرون كرهاً للمسيحيين بثقافة اقصائية مؤسسة تراثياً. ترجع إلى شيوع خطب وأقوال دينية عدائية. هم يفعلون ذلك سراً وعلانية عندما تنجرف الجموع وراء انتقامهم الجهول لعلاقة آثمة كما قيل بين مسلمةٍ ومسيحي. والضحية هي أمٌّ مسنة طاعنة في العذرية رغم كبرها ورغم أحفادها.
وذلك يعني أنَّ التعرية تنكيل شرس بهذه السيدة العجوز لمجرد الإشاعة المشار إليها. وقد تكون إشاعةٌ كاذبة بالمرة. بيد أنَّ السلوك الجمعي لدي المصريين يولد كيانات عامة كما لو أنها ظواهر حقيقية. وتلك صفة ليست فقط مرهونة بالوضع نحو حدثٍ ما بل كذلك تتعين سياسياً واجتماعياً. ومن الحظ العاثر للأم سعاد أنها كانت موضوعاً أخلاقياً لهذا العمل المشين. فليس أقرب من سب امرأة وجعلها مادة لتصفية الكراهية.
ورواسب التاريخ تثبت أنَّ المغاير عقيدياً في المجتمعات الإسلامية كان علامةً اجتماعية بذاته. لقد حرص المسلمون على ترك علامات جسدية عليه مثل: حلق الشعر وزنار الوسط والأزياء ذات الألوان المميزة كما جاء في العهدة العمرية. فقد أبرزت مظاهر معينة يلتزمون بها رهباناً وقساوسة وأناساً عاديين لأجل تمييزهم وحمايتهم. والأغرب أن تأتي الشروط على لسان المسيحيين أنفسهم. كما قيل هم من طلبوها وكتبوها إلى عبدالرحمن بن غَنْم والي عمر بن الخطاب على أهل الجزيرة قائلين له.
"حين قدمت بلادنا طلبنا إليك الأمان لأنفسنا، وأهل ملتنا على أنا شرطنا لك على أنفسنا: ألاَّ نحدث في مدينتنا كنيسة، ولا فيما حولها ديراً، ولا قلاّية (بناء كالدير)، ولا صومعة راهب، ولا نجدد ما خُرِّب من كنائسنا، ولا ما كان منها في خطط المسلمين، وألاَّ نمنع كنائسنا من المسلمين أن ينزلوها في الليل والنهار، وأن نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل، ولا نؤوي فيها ولا في منازلنا جاسوساً، وألا نكتم غشا للمسلمين، وألا نضرب بنواقيسنا إلا ضرباً خفيفاً في جوف كنائسنا، ولا نظهر عليها صليباً، ولا نرفع أصواتنا في الصلاة ولا القراءة في كنائسنا فيما يحضره المسلمون، وألا نخرج صليبا ولا كتاباً في سوق المسلمين، وألا نخرج باعوثاً - والباعوث يجتمعون كما يخرج المسلمون يوم الأضحى والفطر- ولا شعانين (عيد للنصارى)، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في أسواق المسلمين، وألا نجاورهم بالخنازير، ولا نبيع الخمور، ولا نظهر شركاً، ولا نرغِّب في ديننا، ولا ندعو إليه أحداً، ولا نتخذ شيئاً من الرقيق الذي جرت عليه سهام المسلمين، وألا نمنع أحداً من أقربائنا أراد الدخول في الإسلام، وأن نلزم زينا حيثما كنا، وألا نتشبه بالمسلمين في لبس قلنسوة ولا عمامة، ولا نعلين، ولا فرق شعر، ولا في مراكبهم، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نكتني بكناهم، وأن نجزَّ مقادم رؤوسنا، ولا نفرق نواصينا، ونشدُّ الزنانير على أوساطنا، ولا ننقش خواتمنا بالعربية، ولا نركب السروج، ولا نتخذ شيئا من السلاح ولا نحمله، ولا نتقلد السيوف، وأن نوقر المسلمين في مجالسهم، ونرشدهم الطريق، ونقوم لهم عن المجالس إن أرادوا الجلوس، ولا نطلع عليهم في مجالسهم، ولا نعلم أولادنا القرآن، ولا يشارك أحد منا في تجارة إلا أن يكون إلى المسلم أمر التجارة، وأن نضيف كل مسلم عابر سبيل ثلاثة أيامٍ، ونطعمه من أوسط ما نجد. ضَمِنَّا لك ذلك على أنفسنا وذرارينا وأزواجنا ومساكيننا، وإن نحن غيّرنا أو خالفنا عمّا شرطنا على أنفسنا، وقبلنا الأمان عليه، فلا ذمة لنا، وقد حل لك منا ما يحل لأهل المعاندة والشقاق".(ابن القيم الجوزية، أحكام أهل الذمة، الجزء الثالث، حققه وعلق عليه يوسف بن أحمد البكري وشاكر بن توفيق العاروري، رمادي للنشر، الدمام، السعودية، الطبعة الأولى 1997. ص ص 1159- 1960).
علينا إعادة قراءة هذه الوثائق كنصوصٍ تراثيةٍ بشكل نقدي صارم. وتتبع المفاهيم الإقصائية التي تستبطنها. وفي هذا نلاحظ ما يلي:
1- أنَّها املاءات قاسيةٌ بشكل أو بآخر. وقيل إنِّها شروط. لكن كيف لمن هم تحت الاشتراط يضعون شروطاً(بحرية أو يفترض ذلك) على أنفسهم؟ لقد أقرها عمر وأضحت واجبةَ النفاذ كما هي. ثم عممها على نصارى الشام كذلك ( المرجع السابق. ص ص 1161- 1162).
2- لماذا كانت الشروطُ شاملةً لكل هذه الاجراءات الأمنية بلغة معاصرةٍ. ومعها جميع القيود الثقافية والاجتماعية والدينية واليومية والاقتصادية.
3- الشروط تصفية لكل ما ينتمي إلى المسيحية، وإلى المسيحيين كنسيجٍ اجتماعي. فقد تدخلت في حركة الدين ومظاهره خلال الأفعال اليومية لا الحياة العامة فقط.
4- يؤسس ذلك راهناً إلى ضرب وحدة المجتمعات. فإذا كانت المسيحية ثقافةً، وهي جزء لا يتجزأ من الثقافة الشرقية(موطن الاسلام ونشأته وفهمه)، ناهيك عن كونها من عنقود الديانات الابراهيمية، فكيف تتعايش اجتماعياً بعد تجربة التغطية الأولى هذه. وبخاصة أنَّ هناك من يري ضرورة التعامل مع المسيحيين كما تعامل الخلفاء الراشدون معهم؟!!
5- ثمة تعارض صارخ لهذا الاستشراط( الشروط تحت التهديد) مع آيات قرآنية صريحة..."من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"..."وجادلهم بالتي هي أحسن"..." ولتجدَّن أقربهم مودةً للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأنَّ منهم قسيسين ورهباناً وأنَّهم لا يستكبرون".
6- ترسخ الشروط استبعاد أصحاب الديانة المسيحية من التفاعل الاجتماعي. وإذا كان ذلك بالنسبة للمستوى السياسي فما بالنا بردود أفعال الناس العاديين؟!
7- تحُول دون تطور المجتمع. لأنَّها تحجب نصف قوته كما في الحالة المصرية أو على الأقل الكتلة الفاعلة ثقافياً واقتصادياً. فأين طاقات التسامح التي لا تفرق بين جوانب المجتمع على أية شروط مسبقة؟
8- لا قيمة فعلية لمصدر هذه الشروط سواء أكانوا المسلمين أم المسيحين. لأنها تتجاور فكرة الحق. كما أنها أوامر تأخذ صفة الالزام المجحف حتى وإن ارتضى بها أصحابُها. فالمفروض، بل الواجب على اصحاب السلطة والسيادة(المسلمون) حماية الفئات الأضعف.
لا مبرر للشروط إلاَّ أن يكون المجتمع في حالة حرب وصراع. وحتى على هذا المستوى فإنَّها عنف بعيد الأثر إزاء كل تنوع ثقافي وبشري ممكن. ليس إنساناً كونياً من يميز آخر باللون والعرق والمعتقد. فهذا تدخل قسري فيما لا يملكه. حتى ولو كان حاكماً تحت سماء الله. وهو بذلك يجعل الدين مطرقة تهوي على رؤوس المسيحيين فضلاً عن جميع الديانات الأخرى.
فمثل هذه العلامات الثقافية للمختلف دمغٌ للإنسان بوصفه منبوذاً. على الأقل إشارات تحذير لا مناص منها. وأنَّ على المسلم إذا قابل هؤلاء المختلفين دينا أنْ يبطن غير ما يظهر. الحادث الآن: هذه الحياة المصرية الاجتماعية التي تخفي قمعاً دون حدود تجاه المسيحيين. في الأمثال الشعبية "صباح القرد ولا صباح القسيس"..." يا كنيسة الربّ اللي في القلب في القلب "..."قالوا يا كنيسة اسلمي" ..."جوازة نصرانية لا فراق إلاَّ بالخناق"(أحمد تيمور باشا، الأمثال العامية، مطابع دار الكتاب العربي القاهرة الطبعة الثانية 1956. ص ص 59، 180). هذه الأمثال حين تحمّل بثقافة شائعة فلا تقل عن منطق الفضيحة. بل إنَّ شَلْح، رفع جلباب الأم سعاد لهو تطبيق حرفي لمثل هذا النزوع المغلَّظ تجاه المسيحيين.
وأعنف ازدراء هو ازدراء اللغة. لأنَّها ميراث دلالي يعاد على صعيد المواقف بشكل شبه يومي. وهو يتغلغل في كافة الأوساط. وإذا كانت العورة الحسية للأم سعاد أظهرتها حادثة الصعيد، فإن عورة المعنى القاسي ستظهرها دونما توقف عورات اللغة العامية. فالأمثال لا تطلق في هذا الصدد على المسيحيين. بل كذلك في أيّة مناسبة ينطبق عليها المعنى. إنها تؤكد تعميم النمط الثقافي السائد تجاه المواقف المشابهة. وهذا أنكَّى وأمَّرْ. سيظل المثل الشعبي متخِذاً لرواسب المعاني وهو إزاء المسيحيين في كلِّ حالة أخرى. فيقر لدى متداولي الخطابات الثقافية كون النموذج المسيحي محقَّراً سواء أكان موجوداً أم لا. حتى يتعيّن على المتلقي الاعتقاد بازدراء المسيحي فعلياً هنا أو هناك.
وهذا التعامل لا يتم على أيٍّ أساس للمواطنة ولا الإنسانية. لأنَّ المسلمين في واقعة الأم سعاد يتصيَّدُون المسيحيين كفرائس عاريةٍ على الملأ. وبالطبع ستكون المعالجة أسوأ. إذ ينتشر تعبير" الفتنة الطائفية" لمناقشة القضية أو بالأحرى لإغلاق ملف القضية. وهذا المصطلح سيء السمة إلى درجة التواطؤ السياسي. لأنَّه لا محل له من الإعراب الاخلاقي ولا الاجتماعي. ولأول وهل هو مصطلح يُميّع القضية. ولا يكشف عن الجذور الحقيقية للمشكلة القبطية. إنَّه نوع من ترك المسؤولية عائمة دون محاسبة المشاركين في تأجيجها. كما أنه يفترض عبث أيدي خفية غير معروفة وستستمر مجهولة. وبنفس المنطق يحاول القول: ليصمت الجميع فنحن مهددون في وجودنا الاسلامي المسيحي. وأنَّه لا إمكانية قريبة للعلاج الفعلي على أساس القانون والحقوق الإنسانية بخلاق أية موازين أخرى. كل فتنة إذا ما دخلت من الباب سيهرب الفاعلون من شباك المجتمع. وستبقى القضايا معلقة في فراغٍ سديمي إلى زمن اشتعال قادمٍ.