الشعب ..الدولة ..الارهاب

ابراهيم الجندي
2016 / 6 / 1

ألقيت محاضرة فى العاصمة الافغانية كابول مايو 2016 للاجالة عن سؤال
كيف يقف الشعب خلف الجيش والشرطة ضد الارهاب ؟

الشعب يدفع فاتورة تكاليف الامن ، والامن يدفع فاتورة تأمين الشعب .. فى علاقة تبادلية من خلال عقد اجتماعى ظهر مع ظهور الدولة ذاتها ، ومنذ ذلك الوقت فان مفهوم الجهاد الداخلى لضبط الخارجين على القانون ، أو الجهاد الخارجي بمواجهة المعتدين على الدولة ، قد اقتصر على الدولة دون الافراد والجماعات ، والا لو تركنا لكل فرد او جماعة حرية الجهاد ، طبقا لقناعاتها وما تؤمن به لعدنا الى عصر الغابة والفوضى

فما هى الشروط الواجب توافرها فى الدولة للفوز بثقة الشعب لدعمهما ضد الارهاب؟
وما هو دور المجتمع المدني فى توعية الشعب للوقوف ضد الارهاب ؟

لكي تكسب الدولة ولاء المواطن لابد من توافر الشرط التالية

اولا : تحترم كرامته وتتعامل معه بقانون عام ومجرد لا يفرق بين انسان واخر بسبب الدين او اللون او الجنس او العرق … الخ

ثانيا : توزيع الدخل القومي بالعدل بين افراد المجتمع وكذلك فرص العمل والاستثمار بين المقاطعات المختلفة دون تمييز او تفرقة

ثالثا : تعليم المواطن أو على الاقل اولاده اذا كان فاته الدور فى التعليم ، فالجهل هو سبب الفقر والمرض والارهاب ، الانسان الجاهل من السهل عليه استيعاب وتنفيذ اجندة التطرف والارهاب لانها تعتمد على العاطفة لا على العقل

رابعا : الاهتمام بصحة المواطنين من خلال اطباء مدربين على اعلى مستوى ، مهما كانت التكلفة ، صحة الناس تعنى استثمار فى المستقبل كالتعليم سواء بسواء ، اذ كيف تطلب من مريض جاهل دعمك ضد الارهاب وهو غير قادر على الفهم او الحركة اصلا

خامسا : الحكم بين الناس بالعدل دون تمييز من خلال قضاء نزيه وعادل ومحترف وناجز وشرطة تحترم انسانية المواطن بما فيه المجرم ذاته ، فهو انسان مجنى عليه وافراز لمجتمع لم يرحمه او يعلمه أو يهذب سلوكه ، المجرم الحقيقي هو المجتمع ، المجرم صاحب فضل على الشرطى والقاضى والمحامي والسجان ، فلولاه ما وجدوا عملا

المجرم ( وبحكم دراستى للقانون ) انما هو نتيجة وليس سببا ، وبناء عليه حينما يقتل او يسرق فان دور الشرطة يقتصر على القبض عليه وتسليمه الى القاضى لمحاكمته طبقا لنصوص القانون العامة والمجردة ، مع توفير محاكمة شفافة وعلنية ودفاع ، فليس من مهام الشرطة الانتقام من المجرم أو التعامل معه بعنف الا بالقدر الذى يمنع تعديه على الشرطة اثناء القبض عليه

فاذا كان هذا هو الوضع بالنسبة للمجرم ، فما بالك بالوضع بالنسبة للمواطن العادي ؟
الفعل اكثر فائدة من الكلام ، تنفيذ الاحكام الصادرة لاصحاب الحقوق ، السهر على حمايتهم ، سيدفع بالمواطن تلقائيا الى احترام وحب الشرطة والتعاون معها ، لأنها ببساطة حققت له اهدافه ومصالحه وحافظت على حقوقه وكرامته
الله ذاته حينما طلب من الانسان ان يعبده ويتبع منهجه ، وعده فى ذات الوقت بالجنة وما فيها من انهار اللبن والعسل والخمر و حورالعين
فكيف لنا ان نطالب المواطن بدعم الدولة ضد الارهاب من خلال حملة اعلانية بوسائل الاعلام ببضع كلامات معسولة دون تقديم المقابل ؟

ان ما تمارسه الشرطة من قتل وظلم وتعذيب وتلفيق تهم انما يغذى العنف والارهاب بشكل تلقائي ، القرآن حرّم قتل النفس ايا كانت النفس لمجرم او غير مجرم ، واعتبر أن قتل نفس واحدة كقتل الناس جميعا
“مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا

على رجل الشرطة ان يفهم جيدا انه يتقاضى راتبه من ضرائب المواطنين بما فيهم المجرمين ، فالجريمة تقع غالبا من أناس عاديين ، فليس كل من ارتكب جريمة هو مجرم ، يجب على الشرطي ان يقدم روحه فداء للمواطنين ، بعدها سيضمن المواطن فى صفه وسيدعمه ولو كلفه الامر حياته
الامن مطالب بالتدريب على وسائل التكنولوجيا الحديثة ليكون قادرا على مواجهة التحديات التى تواجه الناس وينال تقديرهم ، فأغلب الجرائم الحالية ألكترونية وتحتاج الى جيل جديد من الشباب المدرب على احدث وسائل الاتصال والتعامل مع البنوك وماكينات الصرف والمواقع والانترنت وغيرها

سادسا: على الدولة توفير فرص عمل للشباب ، فالمتعلم العاطل بمثابة قنبلة موقوتة ، ولا يمكنك الحديث اليه عن الوطن والدفاع عنه ودعم الشرطة ضد الارهاب وهو لا يجد قوت يومه ، العكس تماما قد يحدث .. أى انضمامه الى جماعات العنف ضد الدولة والشرطة ، فلا تطلب من جائع الصبر على الجوع ولا تطلب من فقير الالتزام بالاخلاق

سابعا: خلق استثمارات جديدة وتوزيع الدخل القومي على الشعب ، والفرص بالعدل بين الشباب المتعلم من خريجي الجامعات والمداس ، والاعلان بمنتهى الوضوح والصدق عن حقيقة الاوضاع والاستثمار وفرص العمل وان المزيد منها لن يتحقق الا بمزيد من الامن ومساعدة الدولة والشرطة فى اداء دورهما

ثامنا : القضاء على الفساد وهذا لن يتأتى الا ببيع القطاع العام كله والغاء الدعم كله ، فالدولة تدير وتراقب ولا تملك ، ملكية الدولة هى الخراب بعينه لأنها لن تراقب وتعاقب نفسها

دور المجتمع المدني فى توعية الشعب للوقوف ضد الارهاب
أى دولة بلا منظمات مدنية قوية كالنقابات والاحزاب والصحف والجمعيات الاهلية .. تتجه بالضرورة الى نهايتها المحتومة .. الاتحاد السوفييتى السابق وبلدان اوربا الشرقية انهارت فى لحظة دون طلقة رصاص واحدة ، لان بنائها كله بلا أساس

مراكز الابحاث

يجب على الدولة انشاء مراكز ابحاث ترصد بالرقم والاحصاء اوضاع الاقتصاد ، البطالة ، الاستثمار الاجنبي والمحلى ، فرص العمل ، تضحيات الشرطة وما قدمته من شهداء لصالح البلاد .. الخ ، تقدم خريطة واضحة لمتخذ القرار من ناحية ، وتعطى الشعب عموما والشباب على وجه الخصوص صورة واضحة عن الاوضاع ، وتقيم ندوات مفتوحة لمناقشة الشباب فى افكاره بما فيها الافكار الهدامة لتشخيصها ووضع العلاج لها ، فالضربات الامنية وحدها لن تقدم حلا بل ستزيد الاوضاع تعقيدا ، الدليل ان وتيرة العنف تزداد بالتوازي مع زيادة الضربات الامنية

أئمة المساجد

الكلمة .. قدس الاقداس ، القرآن والانجيل والتوراة .. كلمة ، العلم كلمة ، الامن كلمة … فمن يملك ناصية الكلمة ؟ وكيف يوجهها لصالح بلاده؟
أئمة المساجد من اهم فئات المجتمع القادرة على تعديل وتغيير مسار العالم الاسلامي كله ، حيث يجلس امامهم وبدون دعوة ملايين المصلين كل يوم جمعة يستمعون اليهم فى خشوع

لذا يجب تثقيف الائمة بالعلوم الحديثة وتدريبهم على كيفية توصيل رسالتهم بشكل جيد ومختصر ، يجب تدريبهم على تجديد خطابهم والقائه بشكل عصرى متحضر بعيدا عن الترديد والتكراروالزعيق والوعيد ، فلو كانوا يقدمون ما يفيد ، لما وصلنا الى ما نحن فيه اليوم ، لو اقنعنا الائمة بدورهم الحقيقي لما كانت فى العالم الاسلامي مشكلة ، لأنهم القادة الفعليين لعامة الناس والعامة هم الاغلبية شئنا ام ابينا

مسؤولية الإمام كبيرة في احتواء الشباب وفتح باب الحوار معهم والتصدي لجميع الأفكار المنحرفة والمتطرفة وكشف زيفها وعوارها بالدليل والعقل والمنطق ، وبيان خطورتها على الدولة ومستقبلها واهمية تكاتفهم خلف قيادة بلادهم فى البناء والتعمير ، واهمية دعم البلاد لمزيد من الاستثمار وفرص العمل والقضاء على البطالة وبالتالى الاستقرار ، وتأمين مستقبل افضل لهم ولابنائهم فى المستقبل ، عليهم اظهار التضحيات التى قدمها رجال الامن لوطنهم للحفاظ عليه

الصحفيون والاعلاميون

الاعلام الحديث يشهد طفرة غير مسبوقة فى الانتشار والتأثير في الرأي العام سواء بشكل ايجابي او سلبي ، مما يضع الاعلاميين أمام مسؤوليات كبيرة ، فدورالاعلام يكمن فى نشر الوعي ، الاعلام وحده ومهما كانت حجته لن ينجح فى اداء دوره بدون اقتصاد قوى يوفر فرصة عمل ، وقضاء نزيه يحكم بين الناس بالعدل ، وشرطة قوية مدربة قادرة على تنفيذ القانون ، لأن أى رسالة موجهة الى جائع أو مظلوم لن تصل اليه مهما كانت قوتها ، بالعكس تماما رسالة جماعات التطرف هى التى ستصل اليه ، فالجوع والظلم يدمران الولاء للوطن

يجب على الاعلاميين ابراز دور الامن فى حماية مؤسسات البلاد اذا أدت دورها المرسوم طبقا للقانون ، فالجيش يحمى الحدود من الاختراق والاستيلاء علي الارض ولا يحكم لأن الحكم ليس عمله ولا يفهم فيه ، والشرطة تحمى الناس ودور العلم والعبادة وتنظم المرور لحماية ارواح الناس ، وتقبض على المجرمين من اللصوص والقتلة ، تنفذ احكام القضاء ، وتواجه الارهابيين ، وتتعقب الجواسيس فى الداخل والخارج …. الخ

الاعلام المدرب الواعي هو الذي ينشر الحقائق للشباب ويسعى لتحليل المعلومة وتقديمها للمواطن العادي فى ابسط صورة ، حتى يحمى شباب بلاده من الوقوع في براثن جماعات الضلال والبهتان ، ليكونوا امة وسطا كما اشار القرآن ، وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا

ختاما

يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ .. الخ الاية

الاية أوجبت على المحكومين طاعة الحاكم
وأوجبت على الحاكم رد النزاع الى الله والرسول

رد النزاع الى الله والى الرسول كان ممكنا قبل الف واربعمائة سنة ، فالى من نرد النزاع بعد وفاة النبي واستحداث متغيرات لم تكن موجوده فى عهده ؟
الله يرى الانسان اقوى من الجبال
إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا

الله يرى الانسان افضل من الملائكة ، فقد استخلفه فى الارض دون الملائكة لعمارتها وتنميتها بالعلم والعمل به
وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون

وما زال المسلم يرى نفسه اعجز من ان يضع لنفسه قانونا يحكم به ذاته طبقا لمقتضيات عصره
المسلم لن يحصل من الدنيا الا بقدر سعيه وليس بقدر ايمانه وتعبده وصلاته وسجوده .. وان ليس للانسان الا ما سعى
لم يقل وان ليس للمسلم الا ما سجد وعبد وصلى وصام