أسطورة الشعب -العظيم- ومرض الشعبوية في العراق!

ناجح العبيدي
2016 / 5 / 31

"أيها الشعب العراقي العظيم"، هكذا بدأ آخر خطاب تلفزيوني سجله صدام حسين في نيسان/أبريل 2003 والذي لم يتسنَ له بثه بعد أن أصبح هاربا من القوات الأمريكية. وهكذا كانت تبدأ أيضا معظم خطابات صدام حسين طيلة فترة حكمه الدكتاتوري التي أمتدت لأكثر من ثلاثة عقود. وقبله تلى العقيد عبد السلام عارف بيان ثورة 14 تموز الذي استهله بعيارة "أيها الشعب العراقي الكريم". ولم يختلف في ذلك البيان رقم واحد لانقلاب 8 شباط 1963 . ومن الصعب جدا تصور أن الطاغية صدام حسين كان مقتنعا فعلا بأن الشعب العراقي عظيم حقا ، بل من الأرجح أنه كان يحتقر العراقيين، والدليل على ذلك طريقة تعامله معهم. ومن الصعب أيضا تصور أن العراقيين أنفسهم مقتنعون في قرارة أنفسهم بأنهم "شعب عظيم" ، خاصة وان تأريخهم المعاصر لا يوحي بالعظمة ، بل هو حافل بالحروب والكوراث والقمع والصراعات والتمزق ومظاهر التخلف وأوضاع بلدهم لا تسر حتى العدو.
ولكن كل ذلك لم يمنع القوي السياسية في مرحلة ما بعد 2003 من "تقليد" صدام حسين و ترديد نفس الاسطوانة المشروخة. فجميع أحزب الاسلام السياسي بشقيه الشيعي والسني وكذلك القوى القومية، بل وحتى الليبرالية تبدأ بياناتها عادة بمخاطبة "الشعب العظيم والمجيد" في محاولة سافرة للضحك على ذقون المواطنين. ولم تبتعد ديباجة الدستور العراقي عن هذه البلاغة الانشائية الفارغة من أي مضمون. ومن النادر أن تسمع سياسيا عراقيا يبدأ خطابه بعبارة محايدة مثل "ايها المواطنات والمواطنون". فالجميع يعشق الشعارات الرنانة، ويبدو أيضا أن أغلبية الناس تميل لهذا الخطاب الشعبوي رغم أن انتهازيته واضحة للعيان.
ومن الملفت للنظر أن مصطلح "الشعبوية" المنتشر في الأدب السياسي العالمي يكاد لا يستخدم في العراق وبقية الدول العربية رغم أن هذا البلدان بالذات الأكثر ابتلاءا بهذا "المرض". والمقصود بالشعبوية هو خطاب سياسي يقوم على تمجيد الشعب وتملقه والتزلف له لتحقيق أهداف سياسية معينة. وتسعى القوى الشعبوية من وراء ذلك إلى الإيحاء بأنها قريبة من الشعب وهمومه، وتحاول استغلال مخاوف السكان وأحكامهم المسبقة لمآربها الخاصة والادعاء بأن تملك حلولا بسيطة وسحرية لأكثر المشاكل تعقيدا. ويمكن وصف الشعبوية أيضا بأن أيديولوجية تعتمد مبدأ التبسيط ورؤية الواقع باللونين الأبيض والأسود . فهي تتحدث عن مفهوم هلامي ومجرد للشعب وترفض في نفس الوقت سلطة الشعب والتي تتجسد في انتخابات عامة وسلطات تشريعة وتنفيذية وقضائية منتخبة ديمقراطيا وتتنكر لمفهوم المواطن وحقوقه الفردية. وفيما تعتبر الشعبوية في الغرب بمثابة سبة وتهمة، تبدو الصورة مختلفة تماما في العراق حيث يتمتع الخطاب الشعبوي بتأريخ "عريق" وطويل. فقد بدأ بالانتشار في المشهد السياسي العراقي مع تصاعد نفوذ الأحزاب العقائدية التي تعتمد شعارات رنانة عن الجماهير الثورية والأمة العربية الخالدة والأمة الاسلامية كخير أمة أخرجت للناس وغيرها من المفاهيم الفضفاضة، بينما تحتقر الحقوق الفردية وتراها في أحسن الأحوال سلعة مستوردة من الغرب الاستعماري. وتحول الأسلوب الشعبوي بعد ثورة تموز الى ظاهرة طاغية وشاملة تتنافس فيها جميع الأحزاب لكسب ود الناس ودغدغة مشاعرهم. وتشترك القوى الشعبوية المختلفة والمتخاصمة عادة في أنها أحزاب سلطوية، بمعنى أنها تريد القفز الى السلطة تحت شعارات خادعة عن إنقاذ الشعب والوطن ودون أي اعتبار للارادة الحقيقية للشعب. ومما يزيد الطين بلة هو أنه حتى الكثير من المثقفين لا يزالون يحيطون مفهوم الشعب بهالة مقدسة ويعتبرون أي انتقاد لسلوك العامة (الجماهير) خيانة لا تغتفر. ولعل عالم الاجتماع الشهير علي الوردي يعتبر احد الاستثناءات الهامة من مرض الشعبوية. ففي كتبه يفضل الوردي استخدام مفهوم "المجتمع العراقي"، وإذا ما تحدث الوردي عن "الشعب العراقي" فإنه ينظر إليه كمجموعة من الأفراد المختلفين تماما في السلوك والأفكار .
ويمكن القول بإن الشعبوية ظاهرة عالمية بإمتياز، إذ يلاحظ في الفترة الأخيرة تنامي النهج الشعبوي في الغرب أيضا في ظل المد اليميني الواضح في الكثير من البلدان الأوروبية. ويندرج ضمن هذا التيار على سبيل المثال لا الحصر حزب البديل من أجل ألمانيا وحزب الجبهة الوطنية في فرنسا وكذلك المرشح الجمهوري دونالد ترمب والذين يلصق الإعلام بهم عادة صفة الشعبوية. ما عدا ذلك فإن اي قائد أوروبي وبغض النظر عن توجه السياسي لن يتجرأ على مخاطبة مواطنينه بالشعب العظيم لأنه سيجعل من نفسه مهزلة، بل وحتى مصطلح الشعب لا يتم تداوله كثيرا في المجالين السياسي والاعلامي وإنما يُفضل الحديث عن السكان. وبهذا الخصوص هناك قصة ذات مغزى عميق من ألمانيا. ففي وسط العاصمة برلين تتصدر واجهة مبنى الرايخستاع التاريخي ومقر البرلمان الألماني حاليا عبارة „Dem Deutschen Volke“ ومعناها "من أجل الشعب الألماني". غير أن هذه العبارة المنقوشة على واجهة المبنى منذ عام 1916 أثارت حفيظة الكثير من النشطاء وحتى بعض النواب. ولهذا أقيم عمل فني داخل البرلمان بعنوان "من أجل السكان". وقد برر الفنان اختياره لها الشعار بأن أكثر من 10% من السكان هم ليسوا مواطنين ألمان وبالتالي يشعرون بالتهميش عند الحديث عن الشعب الألماني. طبعا هذا الموقف يأتي على خلفية الدور المدمر للأفكار القومية أثناء الحقبة النازية عندما وصلت الشعبوية وتمجيد الأمة الألمانية الى أوجها.
ورغم أن العراق مر أيضا بتجارب مريرة، إلا أن الاستفادة من عبر الماضي لم تصبح بعد إحدى الفضائل السائدة في المجتمع العراقي. وهذا ما يتجسد أيضا في التمسك بالشعبوية. ومن دون شك فإن البديل للشعبوية هو الوطنية الحقة وليست الوطنية المصطنعة أو الشوفينية على طريقة البعثيين والقوميين المتعصبين الذين طالما تغنوا ببيت الشعر (وطن تشيده الجماجم والدم ، تتهدم الدنيا ولا يتهدم). فالعراق في حاجة الى وطنية تقوم على حب الوطن والعمل من أجل تحسين أوضاعه والدفاع عن مصالحه ومصالح الناس الذي يعيشون فيها. والوطنية بهذا المعني تتجسد في أفعال ملموسة تبدأ بالعناية بنظافة ومظهر الحي الذي يسكنه الانسان وتصل الى الدفاع عن حدوده. فالخطاب الوطني ليس مجرد شعارات للمزايدة وتبادل للاتهامات ، كالتي نراها كثيرا في المشهد السياسي العراقي حيث يسود غالبا خطاب متعصب يقسم الناس الى وطنيين أصلاء من جهة وعملاء وخونة من جهة أخرى. وفي ظل هذه الظروف تتحول "الوطنية" الى سلاح يلجأ إليه سياسيون إذا ما تضررت مصالحهم وإذا لم يحصلوا على المناصب والامتيازات.
وفي ظل المأزق الذي دخلت فيه العملية السياسية في العراق وحالة الاستقطاب السياسي والقومي والمذهبي والمحاولات الدؤوبة لإعادة الاعتبار للنظام الاستبدادي لا يُتوقع أن يلجأ السياسيون قريبا لاعتماد خطاب هادئ يتوجه الى عقول المواطنين بدلا من مشاعرهم.