حين يستعيد الشعب دوره

بدر الدين شنن
2016 / 5 / 31

يمكن القول ن بعد سنوات من الحرب على سوريا ، وتداعياتها المتعددة الأبعاد ، أن القوى السورية ، الحاكمة والمعارضة ، قد وصلت إلى أزمة تبدو فيها ، أنها فقدت قرارها السياسي ، وفقدت قدرتها على الحسم فيما بينها ، أو في السيطرة على الفصائل الإرهابية الغازية ، التي تحتوي على نسبة هامة من الإرهابيين الأجانب .. وأن القوى الدولية والإقليمية ، لاسيما ، روسيا وأميركا وإيران والمملكة السعودية وتركيا وقطر وإسرائيل .. باتت تملك مفاتيح قرار المصير السوري .. وهي التي تملك ، بمشاركتها ، بالمال والسلاح والرجال ، آليات ومقومات حركة الحرب ، ومصير الجبهات المشتعلة فيها . بدلالة بنية وحركة وقدرات " المجموعة الدولية لدعم سوريا " .

وعلى ذلك ، إن المعطيات السياسية والعسكرية ، الناتجة عن الحرب ، بأبعادها الإقليمية والدولية ، تشير إلى أن ، لا حل سياسي ممكن للأزمة السورية ، في المستقبل المنظور . وذلك لأن نقاشات ، ومساومات " المجموعة الدولية لدعم سوريا " الممثلة للقوى الدولية بعامة ، لم تصل بعد .. ولن تصل .. إلى حل . طالما أن النتائج الميدانية للحرب ، حسب مخططاتها السياسية ، ومصالحها الاستراتيجية ، لم توفر بعد الشروط لحل يسهم " بحلحلة " الصراعات فيما بينها ، حول مختلف بؤر التوتر الدولية القائمة .. وخاصة سوريا .

وهذا يفسر ، لماذا لم يتم طوال أربع سنوات من اللقاءات والمؤتمرات ، من جنيف إلى فيينا ، التوصل إلى حل سياسي " دولي " لسوريا .
ويفسر لماذا استمرار الحرب العدوانية بل وتوسيعها .. ولماذا تستخدم مختلف الأطراف التحركات الميدانية العسكرية ، لتحقيق مكاسب على الأرض .
ويشي بما فيه الكفاية ، أنه كلما ازداد الاعتماد على استمرار الحرب ، والتحركات العسكرية الميدانية ، كلما كان يعني أن المساومات لم تصل إلى اتفاق ، والمسافة بين الأطراف الوازنة ما زالت طويلة . بدلالة عدم توقف الحرب في ظروف ما سمي " اتفاق وقف العمليات القتالية " في عشرات الجبهات المفتوحة ، من درعا وريفها ، وفي أرياف القنيطرة والسويداء ودمشق وحماة وحمص ، وصولاً إلى حلب وريفها ، وإلى الشرق حيث محيط " الرقة " المحتلة ، وتوالي الهجمات الإرهابية الانتحارية الشرسة في القامشلي والحسكة ، إلى حصار دير الزور القاتل ناراً وتجويعاً وتدميراً .. الجبهات .. التي أدت وتؤدي إلى المزيد من التدمير المنهجي ، واستباحة الدماء البريئة .

أبرز معطيات المشهد السوري العسكري الكارثي ، التي تفضح التوجهات الأميركية والدولية الحليفة ، المخادعة في عملية الحل السياسي " الدولي " للحرب على سوريا هي :
* انتهاك قائد القوات الأميركية في الشرق الأوسط " الجنرال جوزيف فوتيل " للسيادة السورية وللقانون الدولي ، والعبور من تركيا إلى الأراض السورية ، بدون علم وموافقة الحكومة السورية ، للإشراف المباشر على خرائط عمليات القوات الأميركية ، التي تسللت على مراحل ، عبر الحدود العراقية والتركية إلى سوريا . وكذلك للإشراف المباشر على استعدادات وخرائط عمليات حلفائه في " قوات سوريا الديمقراطية " وخاصة المتعلقة " بتحرير الرقة " . ولتنسيق الأنشطة العسكرية مع القيادة التركية في شمال سوريا ، قد تكون كما تشير وسائل الإعلام ، مرتبطة بعملية عسكرية تركية أميركية مشتركة في سوريا .
* هجوم " قوات سوريا الديمقراطي " بدعم جوي وبري أميركي باتجاه الرقة ، تحت عنوان تحريرها من داعش ، وضمها لاحقاً ، حسب تصريح أحد زعماء هذه القوات " عبد العزيز يونس " إلى الكيان الكردي الكونفدرالي " المزمع إنشاؤه في الشمال السوري . ما ينذر بالبدء في تنفيذ مخططات تقسيم سوريا ، الاستعمارية الصهيونية ، إلى كيانات متعددة على أسس عرقية وطائفية ، مرفوضة وطنياً وشعبياً وحضارياً .
* ’ بعيد زيارة " الجنرال الأميركي فوتيل " لتركيا ، قامت القوات التركية باقتحام الحدود الشمالية السورية ، بعمق " 700 " متر حتى الآن ، واحتلت قرية حمام السورية وقامت بتهجير سكانها منها . . ما يشكل استفزازاً خطيراً لسوريا ، ويفتح المجال لإقامة " المنطقة العازلة في الأراضي السورية " التي ظل يحلم بها أردوغان ويدعو لها دولياً سنوات عديدة .
* التفجيرات الإرهابية الانتحارية ، في طرطوس وجبلة ، بهدف إثارة الصراعات الطائفية البغيضة ، ضمن مخطط فتح عدة جبهات موجعة مرهقة للشعب السوري في وقت واحد .
* القصف الإرهابي المتواصل لأحياء حلب الشمالية والغربية ، وخاصة الشيخ مقصود والميدان والسليمانية والأشرفية ، بعشرات الصواريخ والقذائف ، التي تؤدي إلى سقوط عشرات الضحايا والمصابين يومياً .

وفي التعاطي الدولي مع المعطيات السورية ، يتجلى تدخل القوى الدولية الكبرى بفعالية حاسمة ، في ظروف الانقسام السياسي السوري المدمر . بدلالة وقاحة أميركا وتحالفها الدولي ، في حماية وتغطية فصائل إرهابية عدة موالية لها ، على أنها قوى معارضة معتدلة ، وبعرقلة أي تقدم ملموس لإنهاء الحرب ، في مجلس الأمن وفي غيره من المؤسسات الدولية ، وفي حال موافقتها محرجة على قرار ما ، تحرض حلفاءها لإفشاله . ما يمكن استنتاجه هو ، أنه طالما الوضع السياسي السوري على هذا الشكل من الانقسام والارتهان لقوى الخارج ، سيبقى هذا الشكل من التعاطي الدولي مع الأزمة السورية .

وعليه ، إن الأمر المؤكد ، في غمرة التدخلات ، والتجاذبات الدولية ، والإقليمية في سوريا وحولها ، أن الذي يضعف إمكانيات التوصل إلى حل سياسي وطني ، ليس عدم إلتزام هذا وذاك بتنفيذ القرارات الدولية ، وإنما هو غياب العامل الشعبي السياسي الوطني ، وفقدان وحدته الوطنية .
والسؤال الآن : إلى متى يستمر هذا الانقسام .. هذا الضعف الخطير .. المشين ؟ .

بعيداً عن الرغبات ، والطموحات ..، والاعتراضات ، لدى هذا الطرف أو ذاك ، في الحكم أو في المعارضة الوطنية .. لا يمكن التفكير ، أن ما تقدمه المعطيات السياسية والعسكرية الراهنة ، تحت هيمنة المناخ الدولي المعقد ، وظروف القوى السورية القائمة ، التي تتسم بالتفكك ، والتشرذم ، والمعاداة لبعضها البعض ، وانحرافات البعض ، لا يمكن أن تبشر بتحولات إيجابية ، تؤدي إلى قلب المعطيات السيئة الجارية ، إلى معطيات لصالح الاستقلال بالقرار ، والتقدم السوري على مختلف الجبهات السياسية والعسكرية .
وهذا ما يستدعي السؤال الذي يتجنب الكثيرون الإجابة عليه ، وهو : لولا سلسلة الانقلابات ، والعداوات الانتهازية العبثية ، والمعارضات الكيدية ، والتنافسية ، التي لا تحمل ، بطبيعة الحال ، برامج ذات مضامين مقنعة ، ومطابقة ، بديلة للنظام القائم ؟ .. ولولا الخواء السياسي ، ومصادرة السياسة ، والاستئثار بالقوة بالسلطة ؟ .. هل كان يمكن أن تتفاقم أزمة في البلاد إلى هذا المستوى الكارثي .. وكان للتآمر الدولي والرجعي ، أن ينجح في اقتحام سوريا ، ويحقق النجاح الذي يستخدم أفعاله ومفاعيله القذرة ، على امتداد السنوات الخمس الماضية .. وأن يستدعي الأمر تدخلاً دولياً مقابلاً .. ومن ثم يهيمن المناخ الدولي وتعقيداته على المصير السوري ؟ ..

إن الجواب الإيجابي والموضوعي على السؤال هو : إنهاء حالة الانقسام السياسي .. وإقامة تحالف وطني ، يحقق حالة سياسة مغايرة للحالة المؤسفة الراهنة ، ويعيد للشعب دوره الأساس في المعركة الوطنية .. وانتزاع السلام ..

إن الاستغاثة الشعبية الإنسانية المحقة .. في كل مدينة وشارع .. الموجهة للقوى السورية الفاعلة بالحرب .. " كفى حرباً .. بكفي .. بكفي " توازيها وتتزامن معها استغاثة شعبية سياسية وطنية .. هي أكثر أهمية .. موجهة للقوى السياسية " كفى انقسامات .. وعداوات .. وخدمات مجانية لأعداء الوطن "

إننا نكرر اليوم .. وسنكرر للمرة الألف .. حتى تتوفر وتنطلق القناعة المبدئية الأخلاقية .. بضرورة طي صفحات الماضي .. بتلا وينها الموجعة المرهقة .. وتوتراتها .. وتجاذباتها العفوية والمنهجية .. التي إن ’قرأت بمسؤولية وإمعان .. على ضوء الضرورة المصيرية الوطنية .. لن يكون هناك أحد يدعي أنه بلا خطيئة وبلا مسؤولية .. ولو بحجم " برغشة " عما جرى ويجري في سوريا . ولن يكون هناك أحد قادر على الهرب من المسؤولية .. ولو بحجم " برغشة " أيضاً .. لإنقاذ سوريا من الحريق الكبير .. والجحيم المدمر .

وعندما تحدث هذه القناعة ويتوحد الصف الوطني .. ويستعيد الشعب دوره الأساس في المعركة الوطنية ، يفقد الرهان على الأجنبي صلاحياته . ويفقد الحل السياسي " الدولي " المفخخ الناقص أهميته . ويصنع الشعب بيده وخياراته حله الراسخ الكامل .. ويدحر الغزاة .