لماذا يُفجِّر الإرهابيُّ نفسّه؟!

سامي عبد العال
2016 / 5 / 31

التفجير لحظةُ "عدم مفارق" لكلِّ حياةِ إنسانية، زمن جحيمي يلتهم الآخرين. يصعب معرفة: ماذا تكون وأيُّ مضمون لها. هل يعْبُرها الارهابيُّ أصالةً عن ذاته؟ كيف يبررها؟ ربما لو تأملنا لحظة كهذه لأدركنا خلفياته. وإلى أي مدى يكتظ بالموت كإسفنج يمتلئ سماً. فهناك شحنات تدميرية كافية لاختراق اغراءات البقاء تطلعاً لحياةٍ أخرى. فالجهاديون يواعدون الحور العين. يشحذون حواسهم لحياة شهوانية إلى الأبد. ولا يرتابون برهةً: لو تخطوا تلك الفجوة لكان باب الجنة مجرد حزام ناسفٍ. هكذا الدنيا، البشر، المجتمع، الشيطان...جميعها أشياء لن تُهزم إلاَّ بتفجير الأنا.
السؤال المطروح بـ"لماذا" لا يكشف العلة فقط. فإزاء الدين ينم عن "الغاية والكيفية والمعنى" في سلةٍ واحدةٍ. فالعلة لدي الإرهابيين تنقلب إلى غايةٍ هي المقصد بذاته. كثيراً ما ردَّدَ هؤلاء ضرورة محاربة الطواغيت بجانب انحراف المجتمع وفساده. وأنَّ ذلك سببٌ كافٍ لإتيان أيِّ فعلٍّ بإمكانه تغيير الحال. ثم ما يلبث أنْ يتخفى السبب داخل غاية هي الخلافة (تطبيق شرع الله). وعلى التوالي سيُطبق شرعُ الله بجهادين: جهاد النفس وهو الأولى. ثم جهاد الأعداء بفتح القوس إلى مداه... العنف والحرب. التنظيمات الدينية لديها فكرة حركية وذهنية في إلباس الأسباب ثوبَ الغايات. وذلك مؤشرٌ يجعل الحاجز إمام الجهادي لعمل أي شيء ضعيفاً. حتى وإن جاء الثمن اهلاك كيانه تاركاً إياه كقربة مثقوبةٍ.
إذن الاستفهام بـ "لماذا" لدي الاسلاميين يصبح سؤالاً حول الكيفية نحو غايةٍ ما. وهذه صفه لخطابات الايديولوجيا الدينية عموماً. وكما يبدو فإنَّ نمط التفكير الأقل تطوراً تشغله المسألة السابقة في المقام الأول. حينما يعالج سؤال العلة لا يتأمل بل يراها كيفية من خلال الممارسة. أي الطرائق والوسائل التي يُجاب من خلالها على هكذا نتيجةٍ لسبب ما. ثم سرعان ما تستدير الأسباب لتقفز إلى أهداف أبعد. ثمة ربط مباشر بين الاثنين: يقال عادة ألم يخلقنا الله لعبادته، لتوحيده(السبب) إذن نقصد الجنة بالمنطق نفسه(الغاية). وكلُّ فعل دنيوي لا يرتئي شقي هذه الرحى لا قيمةَ له.
في الفكر اليوناني كان لفظ "الإبستيمولوجي" epistemologist لا يُطلق على أي شخص يعرف. لأنَّ المعرفة قد تكون واردةً دون معرفة الوسائل إليها. تحديداً كانت تشير كما يقول هيدجر إلى " من يعرف كيف يعرف". والكيفية ترتهن بماهية المعرفة. ولازالت اسئلة الكيفية تتردد في خطابات الثقافة العربية الجارية. حينما تسأل شخصاً لماذا أتى هذا العمل، يقول كيف...؟! ربما يقصد كيف تسألني بهذا الحال. وربما يبرر.. لقد سلكت بطريقة عملية. لأن الإجابة تأتيني فعلاً... وهو أقرب الطرق للفهم.
إنَّ الفكر الديني نتيجة افتقاره للعقلانية النقدية critical rationality بلغة كارل بوبر يتشبث بالكيفية إلى حدِّ العنف. لأنَّ الدين في أبعاده الطقوسية نوع من الترجمة السلوكية لحالات إيمان خاص. والجماعات الدينية تحرص أيما حرص على "السمع والطاعة" دون نقاش. فيُعتبر الأفراد تروس في آلة الجماعة بلا تفكير. حتى ولو طلب منهم الموت. فالكيفية هنا تلتهم أية لحظات تأنٍ. وبالتالي فالإرادة والحرية بقعتان في ثوب ليس أقل من ثوب المرشد أو أمير الجماعة.
لكن قد يتساءل الارهابي: لماذا سأفجر نفسي؟! كي يجد حافزاً لتجاوز مخاوفه. فالحياة لديه هي الحياة مثله في ذلك كأقل كائن حي هارب من انياب مفترسة. والتفجير قرار يساوي عمر الكون بالنسبة إليه. ومهما يبدو متماسكاً وحاثاً غيره على الجهاد فذلك مظهر خادع. كل الذين قاموا بتفجير انفسهم لم يكونوا في حالة طبيعية. فحالته تحتاج مراناً نفسياً شاقاً. وقلما يتجاوزها انسان سوي. ببساطة لأن غرائز الحياة الأولية أسبق من أية أيديولوجيا دينية. كيف للإنسان اماتة هذه الغرائز بضغطة زر؟!
وقد لا يتصور الإرهابي النهاية القاتلة هكذا بلا طائل. فقط بإمكانه ترويض نهايته إذا تساوت لديه لحظة العدم والحياة. وهي زمن-كما نوهت- يستغرق كلَّ أفكاره آتياً من المجهول. ولذلك يحاول التنظيم إدماجه في مساحة خارج نفسه من التدريب والقتل التمثيلي على ذاته وعلى غير ذاته. كل تنظيم ارهابي هو إفناء للفرد ككيان حر. الأفراد مجرد تروس في عجلة لا تبصر ولا تسمع. فالموت التفجيري المبدئي يبتز كل حرية فردية. وكما سنوضح مجرد موت أخير في سلسلة ميتات سابقة.
1- مفهوم الجماعة مفهوم موت بالأساس. هي قبر متنقل بكامل الرضا والمباركة من الإله ومن وكلائه في الأرض. إنَّ انتماء الأفراد إلى جماعةٍ وتنظيم هو اعلان بتنازل صريح عن ارادتهم. وليس الأمر اتصالاً روحياً لكنه انقطاع عن الحياة لصالح حالةٍ استحواذية مهيمنة. ولهذا يصعب العثور على ارهابي خارج جماعة بعينها. هل فعلها فرد كان يتمتع بأهليته الحرة؟ كما يتعذر لمسلم فرد -على ما ينكر- من أمور الحياة أنْ يقوم بنفس العمل التفجيري.
وهذا بالضبط قدرة الجماعة على سلب الحرية من جذورها. فالهيمنة المشار إليها لا تتم إلاَّ بالتنازل السابق عنها. ليصبح الفرد خاضعاً لإملاءات قاهرة لا يستطيع لها رداً. والأبرز أنه حينما يتقبل فإنه يمتلك إرادة مزيفة. لايري بعيونه ولا يلتفت بانحناءته. هو يسير كمجموعٍ يقتحم كيانه الطلق ليلاً ونهاراً. ولهذا فإنَّ الجهاديين لا يأتون بمفردهم. إنهم يحسون، يحيون جمعاً لا فرداً. عواطفهم جماعية، أخيلتهم جماعية، ذاكرتهم جماعية. ويظل قاداتهم يعّزونَّهم بتخليدهم إذا ما نفذوا عملية استشهادية. بل يلحون: أنَّ استشهادهم إنما هو نصر مؤزَّر للإسلام. وأنَّ هذا الدين لن يستمر إلاَّ بالتضحيات. مرة بالوقت، وأخرى بالمال وغيرهما بالعمل... وأخيراً بالنفس. مما يجعل الأعضاء قنابل موقوتة حقاً. ليس بالمعنى المادي وحسب بل بالخطاب الذي يرددونه بنفس التكرار.
وهذا يفقدهم أيَّ إحساس حميم تجاه المجتمع. لأنَّ الجماعة تدريجياً تستبدله بكيانها النقي والطاهر بلا منازع. والقضية برمتها تصبح جماعة في وجه المجتمع والعالم. والموت هنا يتسلل من خلال فقدان التنوع. لأنه حياة مضاعفة حتى بالنسبة للمختلفين. فإدراك أوضاع العالم وتباينها مسألة مهمة حتى بالنسبة لتفاصيل التصورات الخاصة عن الذات.
2- الإيمان بالأصل المقدس، نصاً وتفسيراً وتأويلاً وحقيقة. وقد يتمثل من خلال جماعته في نصوص بعينها لفقهاء أو لمنظرين حركيين. وهم يتعاملون معه(الأصل) بمنطق الإخفاء. فبين الأعضاء يؤكدون ثباتهم المطلق على حرفيته ووعده المضروب معهم تخصيصاً. ليأخذ الأصل في سريانه المطلق داخل السلوكيات ونظام الحياة. حتى يخضعها لعمل تأصلي متواتر. ويأتي بعد فكرة الجماعة لأنَّه يأخذ قوته من الإحساس الجمعي والبناء عليه.
3- الجماعة تشحن عواطف ووجدان أعضائها بكراهية الغير. في تلك الخطوة يكمن انتهاك ضمني لكل ما يتعلق به. هي تواصل مع تعاليمها إيجاد عدوٍ ما: مجهول، ومذنب، وشيطان. وإذ ينطبع الأعضاء بآثار الجماعة فإنهم يرضعون -كأطفال الحضانة- كيف يناصبونه نفاقاً وموتاً رمزياً. ذلك من خلال التعرف عليه بدواخله وتفاصيله التي يرسمونها بأنفسهم. فالأخر ليس مختلفاً في ذاته ولكن كما يراد له أن يصبح منبوذاً. وفكرة الجماعة المغلقة باسم الدين هي تأسيس عدائي بالضرورة. وإلا لو كانت منفتحة ما كان أمرها يقتضي انعزالاً عن تيار الحياة والتاريخ.
ولهذا يولد الفرد في جماعة ارهابية عندما يعي الفروق الجوهرية بين اعداءه وقرناءه. ويظل طوال حياته متلقياً الطقوس والممارسات بتلك الكراهية العنيفة. لدرجة أنَّ الدين، شعائره، ومعتقداته، ومناسباته تغدو هي المعادل الجماعي لنقيض هم الأعداء. فهل يُتوقع منه غير اصطيادهم بحزامٍ ناسف؟ وكم رأينا الدعاء عليهم بالويل والثبور وعظائم الأمور في الدنيا والآخرة. والإرهابي المعاصر رُوبي على كون الإسلام يفرق بين دار السلام ودار الحرب. وقد أكد عليها سيد قطب في كتابه" معالم في الطريق" الذي يعتبر من كلاسيكيات الجماعات الدينية.
4- اليقين هو الموت. فقد يذهب الإرهابيون إلى التفجير بيقين كامل. لكنه ليس يقيناً لحظياً. إنَّه يعتقد بكون الإله يبارك مسيرته منذ البدء. وأنه سيضمن له الجنة حالما يفجر نفسه.
المثير للسخرية أنَّ الإرهابيين قلبوا الآية القرآنية "واعبد ربك حتى يأتيك اليقين". والمقصود أن الإنسان يعبد الله ويواظب على الطاعة إلى أخر لحظات حياته. فالموت هنا هو اليقين لا شيء سواه. لكونِّه انعدام الوجود. والمعنى: أن كل ما ليس موتاً ليس يقينا طالما يجري عليه ما يجري في الحياة. وهنا مارس الإرهابيون لونا من اليقين المبكر فعجلوا بموتهم. أي أن اليقين يقدمونه على أنه موت، يعجلونه تفجيراً في وجه أعدائهم. وحالهم هذا دليل على كونهم حتى لم يفهموا النص الديني الذي يتحدثون باسمه. واليقن ملتحم بالاصطفاء والاختيار الإلهي لهذه المهمة المقدسة.
5- الشهادة غاية الدين. يعتبر الارهابي نفسه مشروعاً استشهادياً. وهذا ليس تأكيداً لغاية بمقدار ما يضيع الوجه الحياتي، الدنيوي لأي دين. ويجعل من الجماعات حفاري قبور. وكأنهم باليقين قد ضمنوا الدنيا وتجاوزا حقائق الموت. مع أن ذلك بحكم الإيمان ليس أمراً محسوماً ولن يكون. من يتحدث عن الشهادة المجانية لكل مفجري أنفسهم إنما يبرر العنف. ويضفي على أفعالهم مشروعية إلهية. وهي من جانب آخر تألُّه بضمان حياة أخرى لا أحد يمتلكها.
6- الضمان الاسكاتولوجي(الأخروي) للجنة. فالاستشهادي يكاد يشمُّ- كما يلقنونَّه- رائحة الجنة. ليست القضية إيماناً إنما حالة إدراكية شعورية نتيجة المعايشة اليومية داخل الجماعة. إنها إيهام لا ينتهي بكون ما سيقدم عليه هو الحق ولا شيء غيره. وهذا يصادر أي تفكير لصالح مبررات تخدم الغاية. كما أنّه يُحدث تهيئة وأجواء موت متواصل. وأخيراً يستعذب صاحبه أية آلام في سبيل النعيم والملذات المنتظرة.
هناك من إرهابي داعش من كان يحمل ملابس نساء استعدادا لقطف ثمار تفجيره بين أحضان الحور العين. وبعض العلامات الأخرى لدى تنظيم القاعدة أشارت إلى الجنة رأساً. فكان عناصرها يكتبون على لافتات السيارات أرقاماً وبجوارها يكتبون بوضوح "الحور العين". كأنَّ السيارة التي تحمل المتفجرات تتوجه فوراً إلى معاقرة المتع الأبدية.