الجسد في سينما داعش

سامي عبد العال
2016 / 5 / 29

دأبت جماعات الإرهاب الديني على تصوير عملياتها الدموية. كانت الشاشة مذبحاً فضائياً لنحر الكفار والمرتين والعسكريين والمعارضين. ذلك لإرسال رسالة ترويع إلى المجتمع: نحن قادمون بحدِّ السيف!! يلهجون بتمتماتٍ يزعمون أنَّها اسلامية: الحمد لله الذي بعث محمداً بالسيف رحمةً للعالمين. ولا أدري أيَّ دين بإمكانه الزعم بأنَّ سيفاً رحمةٌ وهدايةٌ. وبخاصة أنَّ الديانات لا تقر قتلاً ساذجاً بلا شروط إلاَّ إذا أصبحت جنوناً مقدساً. ليس هناك وصف ثانٍ. لأنَّ إنسانية الإنسان أبقى من أية فتوى قاتلة. وكذلك لأنَّ السيف معروف بخلفيته البيئية العربية. هذا البتار، المهند الذي يقطر دماً. هذا الوحش الكاسر. وبنفس اللهاث غدا آية دينية مقدسة. فأيُّ عقول حجرية تمسك بمقبضه؟!
الجسد– إذا أخذنا رأي جاك دريدا- هو "مسرح القسوة" التي لا ترحم. لقد اختارت الجماعات الاسلامية هذه التقنية المرعبة. فالأعناق في تاريخ المسلمين لا تعرف غير الضرب والجز. حتى اطلقت إزاء أقبح الأفعال: "قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق". لكأنَّ القطع خطٌ فاصل عقب نهاية لن يتخيلها المرء لقطعه حق الحياة الكريمة لإنسان آخر. ومع أنَّ القطعين(الأعناق والأرزاق) واردان لكنهما يفترضان انتهاكاً لا يغتفر إلاَّ بتدمير طرف ثالث هو الدين نفسه. أي أن الاخلال بمغزى الدين كمشروع إنساني يدفع إلى قطع الرقاب والأرزاق. فيغدو الآخر، الغير مشروع جثه سينمائية قابلة للتخييل الوقح كما رأينا مراراً.
قديما قال أبو تمام: السَّيْفُ أصدَقُ إنْباءً مِنَ الكُتُب... في حدهِ الحدُّ بين الجدِّ واللِّعبِ.
بيضُ الصَّفائحِ لاَ سودُ الصَّحائفِ... في مُتُونِهنَّ جلاءُ الشَّك والريَب
هذان البيتان معبران عن أساليب الفهم في ذهنية العرب القبلية وصولاً إلى سيوف الدواعش. لم يقل أبو تمام السيف أقدر إنباءً إنما اعتبره "أصدق". والصدق يختلف عن القدرة. فالأخيرة تحتمل اخفاقاً أو نجاحاً. أما الصدق فلا يحتمل غير ذاته ولا يقبل. هو ليس صدقاً منطقياً لكنه مغالبة بقوة القهر والإذلال. الصدق يقين دجمائي يسبق حتى ذاته. لأنَّ ضمانه متوافر داخله لا خارجه. والمماثلة حاضرة بين السيف والكتب، وإن اشار البيت الأول إلى علو السيف في هذا الشأن. بينما الدواعش اعتبروا الكتب سيوفاً. إن حمل المصاحف على أسنة الرماح لدي الخوارج كان خطوة على طريق بيض الصفائح الذي يفرق بين الشك والريب. ثم تعامل الإرهاب الديني مع النصوص كمواد متفجرة في وجه من يريد.
والدلالة السابقة تشفف عن سلطة الحقيقة بحدِّ السيف. وكيف تأخذ إطارها الثقافي حيث القتل هو السيد الفعلي. إنَّها الحقيقية التي تلحق بها جميع الحقائق الأخرى. سواء موتاً في سبيل المعتقدات أم موتاً بسببها. السيف اعتراف عربي اسلامي رغم الأنف، رغم الواقع على اختلافه. فليكن المأخُوذ به معتقداً ما يشاء بيد أنه سيقول ما لا يرضى. فالغلبة العنيفة ستجبره على هكذا حال. ولهذا صليل السيوف أعلى الأصوات في مسيرة الاسلام السياسي القديم. وليس أقرب إلى ذلك من أن أيقونة الجهاد خالد بن الوليد كان يسمى بـ "سيف الله المسلول".
وبالطبع ذلك المسمى رسخ أفعالاً لا مقولة فقط. سيحمل شعاراً لا صدى للمعنى. ونحن نعلم أنَّ الحروب المقدسة ترسم أبنية ومفاهيم صراعية. فالشعارات لدى الإسلام السياسي المعاصر عقيدة. لا تقل نفاذاً عن الدين الأصلي. هي آلية حركية بموجب القول الصريح. وما أشبهها بحرفية النص وتفسيرها لصالح أولوية الجهاد العنيف. فلا شكك أن سيافي الدواعش حين يلوحون بالتماع السيوف تمسك أناملهم مقابض الزمن الجهادي أو هكذا يحلمون.
والأمر كانت له أصداء واضحة لدى الإخوان باعتصام رابعة العدوية. كان صليل أصواتهم يردد: (لبيك إسلام البطولة كلُّنا نحمي الفدا... لبيك... لبيك. لبيك إنْ عطشَ اللواءُ سَكَبض الشبابُ له الدماءَ). هذا الترديد كان ختماً تاريخياً ممهوراً بالموت. ذلك بحكم مفهوم الجهاد الذي يرونه سيفاً ناجعاً حتى داخل ميدان عام كان للحداثة الأثر الأكبر في اتاحته لهم. لكن مع الحداثة وسط العالم الافتراضي تنضح اللغة بما يعتقد هؤلاء وظلوا يخْفُونه طوال الوقت.
السينما بديل موتور لدى الارهاب حين فشل في الواقع فشلاً ذريعاً. هي كفن أبدعُ ما انتجه الذوق الإنساني. سوى أن الدواعش اعتبروها حراماً كمصدر للرزيلة ثم انتهكوها كسبي افتراضي virtual captivity لجرائمهم البهيمية. وهذا الانتهاك يتم حتى للإبداع الرمزي في تاريخ الحضارة. فالدواعش من أكثر الكائنات المسخ تعاملاً مع النت ومواقعه وألعابه. ولكنها بحكم آلياتها تكشف لماذا سطُّوا عليها. إنها آلة تحميل أحاسيس بتضخم متزايد مثلها مثل الوسائط الإلكترونية المرنة.
فالصور السينمائية لا تموت، هي ضد التلاشي. لكونها تتوحد مباشرة بالذاكرة البصرية. والذاكرة تتابع زمني متواصل حتى بعد اختفاء مصدرها. الدواعش بإحساس متوحش التقوا فوق جثة المفارقة: كيف يحرِّمونها أخلاقياً ويستعملونَّها دموياً؟ الحل كان لصالح آثار السينما فعلياً حين يصورون ذبحاهم. فالسينما أكثر واقعية من الواقع. إنها تخليط اسطوري قديم للحقائق والأوهام قدم الرغبة البشرية في الحياة. ومع وجود التقنيات الدجيتال digital techniques كانت أبلغ أثراً كنصوص سردية تسكن مباشرة في التجاويف الزلقة من اللاوعي.
والسينما لها عالم أثيري، أشبه بكون لا متناه من الإمكانيات. وجميع عوالم الافتراض بها شيء من السينما. فهي تستحضر عالمها كله. مثلها مثل اللغة إذ تكثف أفعالها البلاغية بواقع بعيد المنال مادياً. ولهذا كان الإرهابيون متمسكون بالنص بفضل سلطة اللغة وبالصورة باستحضار قدرات الافتراض. ولأنهم يعرفون أنَّ الجسد الذي سيفك دمة سيخرج بنفس الدرجة من الأهمية.
لهذا كانت جرائم الدواعش علي الجسد تحديداً. هذا التجسد الرغبوي الدفين داخل كيان الإنسان. الجسد ليس مظهراً خارجياً لكنه كيان متغلغل في مجهول اللاوعي. هذا الجوهر الحميمي المنطوي على كيان غير قابل للتفاوض. والذي يحرك غرائز ووسائط معرفية أكثر روغاناً مما نظن. الجسد من هذه الزاوية نقطة التقاء المقدس مع الثقافي والاجتماعي والذاتي الخاص جداً. الجسد بديل لاوعي لهذا الخليط المتخيل. وهذا احد أسباب التمثيل به لنقل مضامينه كما هي.
وبالتالي كانت صورته(أي الجسد) أكثر أهمية لتوازن الفرد ولنصوص الدين. فما بالنا بتنظيم إرهابي يسلخه في مناظر بشعه دموياً؟ حين يقتلعونه إنما يقتلعون وجوداً عمره ملايين السنوات كعمر الكون. ليس جسدي محصوراً عليَّ لكنه دال على كل جسد آخر بعمر هذه الأزمنة. ولهذا فإن قتله يذهب بالصور إلى كل الذاكرة. لأن غيابه وصلبه يعنيان انتهاءً للعالم، للوجود العيني. هذا هو المعنى الفائق للوصف الذي يريد الدواعش إيصاله. إنهم يقتلونه يومياً بطرق مبتكرة. فيتوازى قتلهم في كل مرة مع جميع الجرائم الوحشية لجميع القتلة: قبائل التتار، مصاصو الدماء، مقاتلو الحروب البدائية، القرابين البشرية، آكلو لحوم البشر.
لقد تفنن الدواعش دون غيرهم في التمثيل الفني بالذبح. كم رأينا إخراجاً فنياً من زوايا مختلفة وفضاءات متنوعة كأننا نتابع عيناً لعين هذا القتل والجز. وفي عملية حرق الطيار الأردني -على سبيل المثال- كان الاحراق فيلماً كاملاً. فيه التخييل والتفنن والرسالة والمنظر المتقارب المتباعد والاحساس الساري والقامة المحترقة والعالم يتضاءل إلى حد الذرة الصغيرة. أما حبكة الفيلم فهي الجسد بمجمل مراحل الاجهاز عليه. لعلنا لا نجانب صواباً حين يقف محكوماً عليه بالإعدام أمام الكاميرا أن نعتبر المشهد قتلا ضمنياً لعين المشاهد. إنها محاولة ايقاع الروع بنفس الأسلوب عليه، داخل احساسه وعاطفته وكيانه البعيد القريب. والتصوير ايغال في إيصال النيران إلى أقصى مدى قد تبلغة. رأينا كأنها نيران غير التي نألفها منذ آلاف السنين. فهي موقدة برغبات القتل، محكمة بخنق الضحية الذي وفي قفص لإيصال المعنى. وتمددت ألسنة اللهب كالأفعى التي تلتهم ضحاياها. بينما المتابعون عاجزون عن فعل أي شيء لإنقاذ الموقف.
الذبح وتصويره التمثيلي يعتبران تأويلين للجسد وفقاً للنصوص الفقهية الموروثة. إنهما تأويلان دمويان يجسدان نزوعاً لتألُّه قديم مع القرابين البشرية. ما لم يجعل النص الديني كلمات الله مذبحاً ما كان لنراه لدى الدواعش والقاعدة وبوكو حرام والنصرة. وقد ردد الاسلاميون على ألسنة الصحابة أنَّ أحب الأعمال إلى الله : ضرب أعناق الكفار. هكذا كانت الأفضلية مقامة على إراقة الدماء. وسواء صحت المقولة أم لا فإنَّها توضح الاقتران بالدماء وصولاً إلى معاني الإله والجهاد. وتبرز كيف كان القتل بمبرر الإيمان سلسلة ممتدة فوق الجماجم تجاه التجربة الأولى للإسلام السياسي. لماذا كان الدم رغبة أولية في التعلق بالحقيقة الدينية؟
الاجابة تفوق قدرات أي نص على التبرير. ولا سيما أن كتب الفتاوى وأوراق شيوخ الجهاد كانت تتحدث أولاً على تكفير المخالفين باعتبارهم خارجين عن الدين. ذلك كي يسهل الإيغال أكثر في استباحة دمائهم وأعراضهم. كاد القارئ يحسب أن الدم كان مطلباً لاهوتياً لإنجازه التاريخي. كل تكفير يهدف إلى إسالة الدماء ببصمات تعتبرها خارج الملة وأن الله يتقبلها قرباناً. وإلا ما كان ليُخرِج أناساً من حظيرة الإيمان. وهو بهذا حكم مسبق بالإعدام التافه رغم ما ينتظرونه من نتائج.
حال كهذا لا يعكس موقفاً عميقاً ولا ثقلا بقدر ما ينطوي على خفة فكرية ماكرة. هي خفة تتحول إلى جثث وأشلاء لا حد لها. فالعجيب تلك الأفعال المصورة بمهارة الترتيب والإخراج والمونتاج. ليس الإحراق فقط بل الأغراق والتفجير والعرض داخل أقفاص والدهس والسحل والتعليق بأعمدة الإنارة وغلي الرؤوس وسلخ الجلود وقطع الأطراف. على أن أصحابها(المتطرفين) يتعثرون في ركوب الحذاء. وهل يبدؤون دخول المرحاض يميناً أم يساراً. ويترددون طوال أعمارهم كيف يرتدون ساعة للزمن. أفي معصمهم الأيمن أم الأيسر. أناس هكذا تكون خفتهم كيف يلوحون بعصا الخيال الدموي مع قلع الأعضاء وبقر البطون.
بالمقابل يبدو أن الدواعش مظهر تاريخي لأحداث قربانية موغلة في النصوص المقدسة. ورد بالعهد القديم أنَّ سبب الحقد ومن ثم الدماء بين قايين(قابيل) وهابيل: كون الأول مزارعاً والثاني كان يربي الماشية. وعندما قدما قرباناً تقبل الرب من صاحب الدماء(الحيوان) ولم يتقبل من صاحب الحبوب والنبات. كأن ذلك إشارة إلى أهمية الدماء تأصيلاً. وهذا كان الدافع المباشر في قتل قايين أخيه هابيل. أي أن الدماء ولدَّت دماءَ أخرى بلا توقف. فقيل منذ ذلك القتل: كتب الرب على أبناء آدم الموت والقتل إلى قيام الساعة. وقر في نقوش الأيديولوجيين الدينيين إراقة الدماء توجهاً إلى الإله. كثيراً ما نرى الدواعش يهللون ويكبرون لدى نحر قرابينهم البشرية.
أكلة لحوم البشر الجدد لا يطبقون هذه الأصل القرباني فقط. إنما هناك تخريجات فقهية سلفية ووهابية ترى في الجسد قذارة دنيوية وغرائزية قميئة. وهو ما يجعله موضوعاً منبوذاً وجديراً بالإفناء. حتى أن أغلب رفض الجماعات الاسلامية للحياة المعاصرة يعول على مظاهر التعري وعلاقات الحب وافتضاح الأزياء وانتشار الرذائل. هذه التصور الأخلاقي لا ينتهي دونما ترسب العنف المعكوس داخل عواطفهم. نتيجة تكفير المجتمع من ناحية وبفضل حياة الانعزال الشعوري والجسدي من ناحيةٍ أخرى. كما أنَّ الحرمان الحسي والعاطفي الذي يرونه ضرورياً لإحياء الدين كان شحناً مكتوماً للتخلص من أي جسد إن ظفروا به تحت طائلة السيف.
وهذا التصور بالأساس يحول جسد الضحاياً إلى قربان دم. بل هو الطريق الوحيد لتخليصه من أدران الكفر والموبيقات. النحر تطهير للكفر والمجون. ولهذا تعلن جميع فتاوي سفك الدماء مسؤوليتها المباشرة عنها. فهي بالنسبة إليهم طقوس لا تقِّل عن الصوم والصلاة. كيف لا؟ وقد اعتبروا الجهاد ظفراً بأعناق المجرمين. ثمة ضحالة دينية تجعل الدواعش يتحينون رقبةً وراء أخرى انتظاراً للرضا الإلهي. وكأن الدين كلَّه قد اختزل في هذا الممارسة الكلبية الشنعاء.