أيتها الديمقراطية العراقية .. كم من الجرائم ترتكب بإسمك

جعفر المظفر
2016 / 5 / 28

أيتها الديمقراطية العراقية .. كم من الجرائم ترتكب بإسمك
جعفر المظفر
عراقيا وبكل تأكيد لم تعد الديمقراطية مفتاحا سحريا لبوابة الدخول إلى أماكن حل الأزمات المستعصية التي خلقتها الدكتاتورية, لإن من الخطأ المراهنة على النتائج الرائعة التي خلقتها الديمقراطية في المجتمعات الغربية فذلك ذلك لم يحدث إلا لأن الديمقراطية ذاتها, كنظام للحكم وكثقافة إجتماعية, قد جاءت كإستجابة سياسية موضوعية وذاتية خاصة بطبيعة نشوء تلك المجتمعات من نواحي أساسية منها ما هو إقتصادي ومنها ما هو إجتماعي وثقافي. هذه العوامل الموضوعية المركبة هي التي أنتجت الخيار الديمقراطي الذي لم يأتِ بالتالي كإختراع ثقافي تَرَفي مجرد من حقيقة كونه حاجة وضعية مُنتَجة من ظروف كانت جعلته حلا تاريخيا ملائما, كثقافة إجتماعية وكأداة حكم سياسية.
إن ذلك حكما سيمنحنا قدرا من الوضوح لنتبين, وقدرا من الشجاعة لنعلن, ان الديمقراطية قد تكون حلا في مكان لكنها قد تكون مشكلة في مكان آخر يختلف بظرفه وثقافته وطبيعة مشاكلة وترتيب أولوياته ونوعية أهدافة الإستراتيجية, فالديمقراطية ليست مجرد ترف ثقافي إجتماعي ضامن لأعلى مستوى من الحرية وإنما هي قبل ذلك نظام حكم هدفه إنتاج وطن قوي قادر على حماية نفسه حتى يكون قادرا على حماية مجتمعه و حقوق أفراده السياسية والثقافية والإقتصادية, فالديمقراطية الإجتماعية وما تحققه على مستوى الحريات العامة والشخصية مرتهن تماما بوجود دولة قوية ونظام سياسي معافى ووطن حصين, وإلا كيف يمكن تصور إستمرار الحريات في وطن مريض ومهدد بالتجزئة والحروب الداخلية العرقية والطائفية.
إن التجربة العراقية مع الديمقراطية كانت سيئة بكل المقاييس. حتى حرية الحديث والتعبير عن الرأي التي كانت المنتج الوحيد لهذه الديمقراطية فقد تراجعت كثيرا ليحل محلها الخوف من الآخر ومن أجهزة الدولة والميليشيات, أما الحديث عن المنتج الإقتصادي فصار مرادفا للتخريب والفساد الإداري والمالي الذي أشك أن هناك نظاما سياسيا قد مارسه ضد شعبه مثل ما مارسه هذا النظام الديمقراطي الطائفي المدمر.
إن الديمقراطية العراقية كانت حملت أسرار ضعفها معها منذ الولادة فهي لم تكن خيارا عراقيا خالصا بل خيارا أمريكيا خالصا, اي ان الهدف منها كان تبرير الحملة الأمريكية لإحتلال العراق في الساحة الأمريكية وأمام الجمهور الأمريكي نفسه. فهي جاءت على شكل عنوان أخلاقي لخطاب أمريكي داخلي أكثر من كونها حلا عراقيا مدروسا ومتأسسا على حاجات عراقية ماسة. أن إقرار الشكل المحاصصاتي الطائفي لهذه الديمقرطية صار جزءا من تخطيط متعمد ومجهز بسوء نوايا هدفها تفعيل كل سبل التجزئة والإحتراب والتخلف والجهالة بين صفوف العراقيين من أجل خلق شعب معوق ووطن فاشل.
أما العراقيون ففي غمرة معاناتهم من نظام صدام فقد تصوروا ان عدو عدوهم هو صديقهم بالضرورة, وكانت تلك إحدى السيئات التي إرتكبها صدام حينما إستلب من العراقيين قدرة التمييز بين العدو والصديق بعد جولة من الحروب الدامية والسياسات الداخلية والخارجية اللامعقولة التي شلت قدرة الرصد والتمييز.
لا حاجة لي بالخوض طويلا في مفهوم الديقراطية لأن ذلك سيأخذنا عن الفكرة المعنية بالنتائج السيئة التي حصل عليها العراقيون بعد ثلاثة عشر من ممارستها في أعقاب إنهيار الحكم الدكتاتوري الذي كان يقوده
صدام حسين. هذه الفكرة موضع الحديث هنا هي تلك التي تتعلق بسؤال عن ما إذا كانت الديمقراطية, بعد هذه السنين العجاف, ظلت صالحة لدينا كنظام للحكم, أم أن علينا, بعد الإقرار بفشلها, البحث عن نظام بديل يتلافي أخطاءها دون أن يعني ذلك بالضرورة العودة إلى النظام الدكتاتوري.
الواقع ان ذلك هو الذي يدور الآن في اذهان الكثيرين من الذين جربوا الخيارين وإقتنعوا في النهاية أن الديمقراطية لم تعد خيارا (مقدسا), خاصة وإن قسما منهم بات يؤمن أن اللجوء إلى نظام غيرها لا يعبر عن مجرد ردة فعل غير متوازنة, وإنما لإعتقادهم أن الديمقراطية, في مرحلتها العراقية الحالية, وليس في شكلها الحالي فقط, ليست هي النظام الأفضل الذي بإمكانه حماية الأساسيات الوطنية والمجتمعية التي تهددت كثيرا بوجودها في مجتمع لم يكن مؤهلا لها إلا من خلال كراهيته للدكتاتورية. والحوار لا شك سيصير مثمرا لو إنه تم بمعزل عن تقديس هذا وتجريم ذاك بل من خلال مقارنة متزنة لمساوئ كلا النظامين.
على المستويين .. مستوى تفريخ الأزمات ومستوى العجز عن توفير آليات حل تلك الأزمات باتت الديمقراطية عراقيا في موقع الإتهام, وهو موقع, إن لم يفترض مناقشة الديمقراطية من ناحية المبدأ, وبمقدار تناغمها مع ظروف وإحتياجات مجتمعات معينة, أي ذاتيا, فعلى الأقل سيؤكد الحاجة إلى مناقشتها على أساس موضوعي, اي بمقدار توافقها وتناغمها مع البنية الإجتماعية والسياسية والثقافية التي يعيشها المجتمع العراقي, وأيضا على ضوء الحاجات الأساسية والمركزية التي بات عليه أن يحققها.
إن العراق بات مريضا إلى الحد الذي يتهدد بموته السريري, ومن المؤسف حقا أن الديمقراطية كانت بمثابة الحقنة الخطأ التي تسببت بسقمه لا بشفائه, وإن ما يحتاجه هو فترة نقاهة تتوفر فيها كل مقومات إعادته إلى الحياة مرة أخرى, وليس من العدل مطلقا تخويفه من الدكتاتورية لتجميل ديمقراطية أتت في الزمان الخطأ وفي المكان الخطأ.
إننا في الحقيقة بحاجة إلى فترة إنتقالية وحكومة إنقاذ وطني يكون من صلب عملها إعادة بناء البنى السياسية والإقتصادية والثقافية والإجتماعية التي تؤهل الوطن المريض لعبور مرحلة النقاهة, وهناك إطروحات تبلورت بهذا الإتجاه, غير أن بناء الثقة بقدرتها على تحقيق الهدف المصيري لا يعتمد فقط على وضوح ودقة الخطوات التي تنصح بها وإنما تعتمد قبل ذلك على بناء جبهة سياسية واسعة من مختلف العناصر الوطنية العراقية السياسية والمثقفة التي تبحث عن الطريق الثالث, والمؤهلة حتما من خلال نقد تجاربها السابقة للإلتزام بمشتركات وطنية ليس من الصعب تعريفها أو الوصول إليها.
أما الطريق الثالث الذي أعنيه فهو الطريق الديمقراطي بكل تأكيد, لكن الديمقراطية التي نعنيها هذه المرة هي تلك التي تنشأ, لا بسبب كراهيتنا المشتركة لدكتاتورية صدام حسين, وليس لأنها أفضل العناوين المطلوبة أمريكيا لتبرير حملة إحتلال العراق , وإنما لأنها خيار يتم بنائه بشكل يتناغم مع حقيقة كونه نظاما لتحقيق أهداف متفرقة تتجاوز كل محاولات إختزاله على اساس كونه قائما وهادفا لأجل ضمان حرية الكلمة والتعبير وإعتبارها دون غيرها, وقبل غيرها,الأهداف السامية التي تسبق وتعلو على أية أهداف أخرى وفي المقدمة منها ضمان وحدة الوطن والمجتمع وتوفير المقومات الأساسية لبنائهما على أسس إنسانية تقدمية ذات ركائز مادية وأخلاقية.
خلاف ذلك فإن الديمقراطية ستكون أشبه بباقة ورد على قبر رجل ميت كانوا قد قتلوه وخزا بأشواكها وصنعوا من تراب عظامه مزهرية رائعة الألوان.