مسرحٌ بلا جمهورٍ

سامي عبد العال
2016 / 5 / 27

ماذا عن الغد الذي كان بالأمس وقبل الأمس؟! حصاد الربيع العربي لم يزدنا إلاَّ انكفاءً على واقعٍ فاضحٍ. كانت درجته الصفر مؤشراً لصراع قطعان الجماعات الدينية والغوغاء وبقايا الأنظمة وهوام الأحزاب. الأمر جعل السياسة مضماراً لتمثُلات القوى الغالبة بحروب الشوارع. فغابت أيّةُ خرائط فكرية للمستقبل، وضاعت الاستنارة. لا توجد حقائق، ولا نتائج مثمرة. الثورات بمعناها الشرقي الاسلامي كانت عودة للخلف. أيُّ حراك ثوري يترقب المستقبل إلاَّ ثوراتنا الربيعية. فهي تعيد الماضي بشعارات متباينةٍ. هي سلفية مذهلة تخترق التيارات كافة. لم تكن تغييراً إلاَّ بنماذج قديمة. فأسهمت في انتشار الأصوليات باختلافها. وتحللت الأنظمة السياسية كجيّف ملقاة على قارعة الطريق.
هكذا كانت المسرَّحة السياسية - ومازالت- حالة ثورية داخل جغرافيا المجتمعات العربية. سنوات الربيع العاصف كافية لمعرفة من نحن. نحن مسرحيون بلا جمهور، بلا فن، بلا شخوصٍ. لأن الفن يفترض قدرة حية على الخلق والإبداع. بينما الواقع اليومي غارق في مشكلاته الجزئية حتى الاختناق. والشخوص الثرية سياسياً لا تأتي جزافاً. هي سيناريوهات تاريخية بامتلائها الذاتي وبنفاذ رؤيتها ومواقفها. ثوارُنا كائنات مفرَّغة من أيِّ معنى ثوري رغم الاستغراق في التظاهر اليومي كما رأينا. فقط كنّا مدعوّين للفرجة على أنفسنا المبعثرة. هؤلاء الممثلون والمتفرجون، المقذوفون على شأفة المصير. كانت لنا قدرة التمثيل الخادع إلى حد الحقيقة. فجاءت التحولات السياسية طوفاناً لإغراق الأحلام والآمال. فقدنا خشبة الواقع لتوضع خشبة المسرح بدلاً عنه. فمع كل الأحداث في مصر وتونس وليبيا وسوريا لا أحد يعرف ماذا حدث، ولا كيف حدث ولا ماذا سيكون مآله؟!
كانت الثورات العربية مسارح مكشوفة في الهواء الطلق. كان الجسدُ أبرز ديكوراتها. وهو المستحوذ على جُلِّ أدوارها. الجسد مقتولاً ومضروباً ومتحرَّشاً به ومنهكاً ومتكتلاً ومتحللاً ومصلوباً ومذبوحاً. تتساوى في ذلك المظاهرات اليومية بدول عرب أفريقيا والحراك المسلح بدول عرب آسيا فيما بعد. فقط نصَّبنا من أنفسنا معياراً للآخرين في وضع كوميديٍّ. بينما كنا نهتبل الفرصةَ لتبادل المواقع.
أحبولة الثوار والفلول، رجال النظام والأزلام لا تتوقف. ذهبت فيها الرؤوس واستُهلَّكت العقول. ولم نكف عن مناشدة أنفسنا: من نحن؟ ألسنا نحاول الثورة بمجمل ما نملك؟ من هم الفلول إذا كان غيرهم ثواراً؟ لنتخيل: هذه أضخم الأسئلة حتى إزاء هؤلاء الأكثر نشاطاً. الثوار دراويش هذا العصر الخارج تواً من تحت ضروس الديكتاتوريات العربية. أثبتت يوميات الثورة: كلما ذهب ديكتاتور خرج المئات وراء المئات. الأنكى أنهم على خشبة المسرح يخلقون أنفسهم. ويضعون ذواتهم ناصعة أمام الناس. فالمخلِّصُون بدوا هم أصحاب الخطيئة بتقليد لاهوتي مسيحي ساخر. بدا الثائر يهوذا المسرح السياسي بامتياز. ولم يسمع كلام الإسلام فأكل لحم أخيه ميتا ولم يُكْره. علق جسد الثورة على صليب الموت الدائر إلى الآن. ومع ذلك لم يخلِّصنا من الخطايا.
عملياً أضحت الثورات العربية قططاً متوحشة تأكل أبناءها. ولا أعرف لماذا تُطلق الذهنية العربية التُّهم جزافاً تجاه أي شخص صادفته مختلفاً. ربما لكونها تخضع للحال الانفعالي أكثر من أي شيء آخر. والعلاقة هنا واضحة بين الحرك الشعبي الهادر و بين الجانب الانفعالي. فالجموع كتل انفعالية هائجة تتحرك كلما اتفق. لم يكن ثمة هدف محدد يحدوها إلى الفعل العام بمقدار ما كانت الإشاعات سارية كالنيران في الهشيم. الإشاعة آلية عمل سياسي واجتماعي لا غنى عنها في الحراك الجاري. ولهذا كانت الفضائيات قادرةً على تغليف الاشاعة بألوان زاهيةٍ لخدمة أوراقها الخاصة.
حتى الشعار المعروف" الشعب يريد اسقاط النظام" كان اشاعة بمنطق حركي لا يبصر أكثر من اللغة. لأن الوعي باللحظة الراهنة جاء جزءاً من النظام المراد اسقاطه فوراً. وكأننا نقول الشعب يريد اسقاط نفسه حتى يحرر نفسه. وهذه إحدى مفارقات المسْرّحة التي جسدها الممثلون سخريةً من أنفسهم بقصد شيء آخر ليسوا هم. بينما لن يتم في الحقيقية إلاَّ بهم. هذا سبب أنه مع سقوط الأنظمة لم يتغير شيء. كيف سيتغير ومن يطالب به هم الأساس؟ اكتشف المصريون والتونسيون واليمنيون وغيرهم أنَّهم كلما هتفوا "الشعب يريد اسقاط النظام" لم يسقط شيء رغم الانهيار الفعلي لها!! ذلك أن النظام قد أسس نفسه تاريخياً داخل الأفراد. وأنهم(أفراداً وجماعات) بمثابة الجذور الممتدة التي تناقض نفسها من خلاله. هم الوجوه المقلوبة في واقع متناقض وجدلي على الدوام لإنتاج الفساد والانحطاط. واسقاط أحد أطرافه يقتضي بالضرورة اسقاط الآخر.
بالتالي لو سقط النظام أمنياً كانت بقاياه(بذوره) التي هي نحن تنبت مرة أخرى. لأن الأنظمة السياسة أشبه بكائنات عضوية ونباتية إذا بترت أطرافها تخرج لها أذرع أخرى. كما لو أخذنا جزءاً منها فبإمكانه حمل الصفات الموروثة للنظام الأم. السياسة في العالم العربي لهي الحيوان المسخ. هذا المتقلب والمتقطع والمبتور بشكل وحشي ودموي. وللأسف نحن جزء من التشوه ومن آلياته التي تدافع عنه حتى في أوج الثورة. يا لهذه الملهاة الكونية: الأنظمة السياسية لم تمت. لها دورات من التناسخ والغباء لا تنتهي!!
حقاً الثورات تتطلب شيئاً أعمق من الحراك والتظاهر. الثورة حياة قيد التحقق كما لو لم توجد من قبل. هي المستحيل الذي يجعل نفسه ممكناً. وليس لإمكانيته سبيل إلا بالتغير الجذري في المعايير ونسق القيم وطرائق التفكير. وهذه وظيفة المسرح كعمل فني كوني بالأساس. المسارح حياة طبيعية نمارس فيها فناً للعيش فيما لم نكونه يوماً ونعجز عن الوصول إليه. ورغم أن بها أدواراً وشخوصاً لكنها عالم مثير ومدهش. ولهذا ليس المسرح خشبة مضافة إلى الواقع كما شوهته السياسة. إنها كيان وجودي نفعل به، نتغير في عين الوقت الذي نشاهد. فهل كان لها أنْ تُمسخ في ثورات دمويةٍ؟
أخطر ما أبرزته الثورات سقوط الأقنعة عن جميع الأطياف، عن كل الممارسات، عن كل الحقائق. فأضحت مجتمعاتنا العربية عارية تسير على لحمها الحي الذي مازال ينزف انسانياً.