حول التطبيع مع التاريخ

الطيب عبد السلام
2016 / 5 / 27

حول التطبيع مع التاريخ
***************************

نحن لا نحتاج الى معرفة تاريخنا بقدر ما نحن محتاجون للتطبيع معه و الاحساس به.
اننا نشعر بالالفة تجاه المرويات التاريخية حول ثقافة شبه الجزيرة العربية لالاف السنين و كأننا فعلا كنا حاضرين تلك الايام و العهود و كأننا كنا مع الخيول و هي تقتحم القرى و الحصون.
لكننا في ذات الوقت عاجزون حتى عن معرفة ما جرى قبل خمسة قرون فقط في بلادنا !!! ناهيك عن التطبيع معه و الشعور بالالفة تجاهه.

انك لو زرت متحف السودان القومي لا شك ستشعر بالغربة هناك و لن تستطيع الاندماج مع الاسماء و النقوش بل و الوجوه التي على المنحوتات و ستشعر انها لاناس اخرين و ليس اجدادك لكنك في ذات الوقت لو رأيت سيف "بن زي يزن" الذي هزم الاحباش و الفرس في اليمن لتعرفت اليه و لشدتك القصة و شعرت بالالفة و واصلت قصتك بقصته الى ان تعود اليه.

ان الاثار التي في بلادنا اليوم ليست ذات اهمية ليس لأنها لم تحفظ و تصان في المتاحف بل لأننا في حالة من القطيعة الثقافية و التاريخية معها فلا يكون لدينا ذلك التصور بقيمة تلك الاجزاء الاثرية لأنها لم تشكل قصتنا التاريخية التي نعتبر اننا امتداد لها،فقصتنا هي امتداد لعبد الله بن ابي السرح و اتفاقية البقط و ليست لتهارقا و بعانخي و بذلك نكون على قمة الدراية بما جرى في الصحراء لالف عام خلت و لا نعرف تاريخنا لخمس قرون خلت.

اننا مسروقين لصالح تاريخ الوافد الغازي و لسنا جزاء من تاريخنا الغامض الحاشد البكر المنتظر لازاميل المنقيين و خرائط المكتشفين لنعرف ما جرى به يوما بيوم كما نعرف ما جرى بصحراء العرب منذ الفي عام.
ان كان مقدر لهذه الامة ان تصحو من حلم غيرها فسيكون عليها اولا ان تدرس تاريخها الحق و تطبع معه و تألفه و تصله بحكاياتها الشخصية كامتداد اصيل له.
و بذلك تصبح اماني تيرا و اماني شاخيتو حيتان بيننا مألوفتان لوعينا.

و حينها ستكون نظرتنا للدين نفسها اكثر عقلانية و استنارة و سيكون الدين اكثر رقيا و تحضرا لأنه يغطي ملامح اشخاص واعين بتاريخهم الحضاري المتقدم و ليس اشخاص قد دمروا مبانيهم الطينية الحجرية و اتخذوا مكانها الخيام ،و اتبعوا تقاليد الغازي المحتل خطوة خطوة بل و يودون لو عاد بهم التاريخ ليستسهدوا معه بدلا عن الدفاع عن موطنهم و ارضهم.

لم احزن حينما وقعت تدمر بيد الدولة الاسلامية لأن بقاءها في يد بشار او فيي يد الطغمة السابقة و اللاحقة له لم يكن ليفيد المحمول الثقافي للمواطن بشئ لكي يعرف معناها و قيمتها فهو في افضل الاحوال ينظر اليها باعتبارها اصناما و تماثيلا.
أن الاسلام لديه عداوة الجاهل تجاه الاعمال الاثرية التي سبقته لذلك فهو ينظر اليها باعتبارها افكار او عقائد منافسة له لذلك فهو كدين الغائي ناظر الى ذاته باعتبارها الحقيقة المطلقة فأنه بذات السهولة الالغائية سينظر الى هذه الاعمال الاثرية العظيمة باعتبارها اوثانا و اصناما بل أن حساسية الاسلام العميقة تجاه فن النحت من خلال الاحاديث و الايات البينة تريك ان لديه عداء بين تجاه النحت و اعتباره تشبها ب"ما خلقه الله" لذلك فأن هذه الفكرة ادت الى تصير المسلمين الى حالة من القطيعه الكبرى مع تاريخهم و قصص اجدادهم الحقيقين بعد غسيل الدماغ المستمر الذي تعرضوا اليه باعتبار ان السابق فاسق فيما عدا الاسلام.
ان الاسلام يسعى الى تقديس تاريخه الشخصي و تدنيس تاريخ غيره و وصمه بالضلال و الانحلال.

انه لمن المؤسف ان تتعطل مسيرة الكشف الاثري في ربوع بلادنا السودان كل هذا الوقت لأن الحكومة الاسلامية لدينا ارتأت بأن الاطلال المشكوك في امرها لمسجد في دنقلا هي مسجد "الصحابي" عبد الله بن ابي السرح الذي وقع اتفاقية البقط مع النوبة.
و ما ادراك ما عبد الله بن ابي السرح.

انه يحزنني شخصيا بمكان ان اكون ملما بتاريخ غيري يوما بيوم جاهلا بما جرى في ارضي التي اسكنها و اشعر بالغربة عنها لأن صحراء بعيدة سرقتني عنها تاركة هذه الخصوبة المباركة في ارضي النيلية تروح هباء منثورا.
ان غدا ما لن نعيش فيه سيغير كل شئ و سيعرف احفادنا المباركون تاريخهم الفعلي في المدارس و المتاحف و الجامعات و سيكون حينها لكل نقش او منحوتة يرونها بريق الالفة و الحميمية في اعينهم.