في ذكرى رحيل العالم العربي د. مصطفى طلبه

محمود يوسف بكير
2016 / 5 / 26

بحكم الغربة عن مصر لم أعلم بوفاة د مصطفى طلبه في مارس 2016 إلا من خلال مجلة الإكونومست الانجليزية التي أسمته بالعملاق الأخضر. وقد توفي العالم الجليل في القاهرة عن عمر يناهز 93 عاما. وهو خبير في شئون البيئة والنبات وقد تلقى تعليمه في جامعة القاهرة وجامعة امبريال كوليدج بلندن.
وإليه يرجع الفضل في ميلاد أنجح اتفاقية دولية حتى يومنا هذا والمسماة ببروتوكول مونتريال حسب شهادة كوفي عنان الأمين العام السابق للأمم المتحدة وهي الاتفاقية التي تم توقيعها منذ نحو 16 عاماً للحفاظ على طبقة الأوزون التي تحمي الأرض من الأشعة فوق البنفسجية الضارة بالإنسان. وقد نجحت هذه الاتفاقية التي تمت على مراحل متعددة في فرض تعديلات فنية على مصنعي أنظمة التبريد التي تستخدم في أجهزة التكييف والثلاجات وغيرها والتي تستخدم غاز الفريون وثاني اوكسيد الكربون المدمر لطبقة الأوزون.
وحتى اليوم فإن ما تم في إطار هذه البروتوكول بفضل الجهود الحثيثة للدكتور مصطفى طلبه وقتها أدى إلى تخفيض ما يعادل 135 بليون طن من ثاني أكسيد الكربون والفريون في الغلاف الجوي للأرض.
وتاريخ الراحل العظيم في مجالات البيئة مع الأمم المتحدة يرجع الى عام 1972 عندما قاد الوفد المصري في محادثات مؤتمر ستوكهولم والتي كان من نتائجها انشاء مركز الأمم المتحدة لبرنامج البيئة. ولجهوده الكبيرة في إنشاء هذا المركز تم تعيينه مديراً له في الفترة من 1975 وحتى 1992 بدرجة نائب للأمين العام للأمم المتحدة.
وكما أسلفنا فإن أهم إنجازات الراحل والتي لازلت موضع تقدير العالم حتى الآن كانت توقيع بروتوكول مونتريال بواسطة 197 دولة ومن وقتها لم تتمكن الأمم المتحدة أو أي مبادرة بيئية عالمية من إنجاز أي اتفاق بمثل هذه الفاعلية والإجماع وحتى اتفاق باريس المسمى ب cop 21 والذي وقع منذ أشهر قليلة تحيط الشكوك بإمكانية تطبيق توصياته حيث أنه غير ملزم للدول الموقعة عليه.
ولازال بروتوكول مونتريال والذي طبق على مراحل ذكية يواصل نجاحه ويتوقع ان يؤدي إلى عودة طبقة الأوزون إلى ما كانت عليه عام 1980 بحلول منتصف هذا القرن. وحسب تقديرات وكالة حماية البيئة الأمريكية فإنه يتم حماية حوالي 2 مليون إنسان كل عام من أمراض سرطان الجلد نتيجة هذا الاتفاق الذي كان د. طلبه واحدا من أهم مهندسيه بشهادة الأمم المتحدة.
تحية لروح هذا العالم الكبير الذي قدم الكثير للبشرية على مدار عمره وتحية لمجلة الإكونومست على نعيها الرائع للرجل وبدون مبالغة فإن هذه المجلة التي اتشرف بالمشاركة في ابحاثها من وقت لآخر من خلال وحدتها الاستشارية " EIU
تثبت جدارتها في التربع على صدارة كل المجلات الاقتصادية والسياسية الدولية في العالم بلا منازع.
ولأن إعلامنا العربي مشغول دائما بالفنانين ولاعبي الكرة ووصلات التملق للحكام فإننا نلتمس له المعذرة في إغفال ذكر
مفكرينا وعلمائنا العرب. وعوضا عن هذا فإنني ادعو كل كتاب وقراء موقعنا الرائد الحوار المتمدن والذي يزداد انتشاره يوما بعد يوم إلى تذكيرنا دائما وتذكير أجيالنا الشابة برواد الفكر والعلم في عالمنا العربي حتى نشعر بأننا لا زلنا أحياء وان هناك امل في ان نبعث من جديد وان يكون لنا إرث وإسهام حضاري للبشرية غير الاستبداد الديني والعسكري والذي لم يعد بمقدور أي أمة أن تطاولنا فيهما.

محمود يوسف بكير
مستشار اقتصادي مصري