اعتمدوا على حجرنا

راضي كريني
2016 / 5 / 25


تنتعش الطوباويّات الاجتماعيّة عند احتدام التناحرات ... وبعد إصابة مجموعات اجتماعيّة بإفلاس سياسيّ واقتصاديّ، تصبح التربة مؤهّلة وخصبة لنشوء طوباويّات اجتماعيّة سياسيّة، تجسّد المثال الأعلى للمجتمع العادل الذي يؤمّن السعادة والرخاء للجميع.
من الطبيعيّ أن يقلق الإسرائيليّون، اليهود والعرب، من سير الأحداث، وأن يصابوا باليأس من التغيير والتقدّم و...، وأن يسعى البعض لإيجاد وصفات لإنقاذ النظام الرأسماليّ المأزوم، وإشاعة الاستقرار فيه، بدون العمل والنضال من أجل تحويله إلى مجتمع عادل وإنسانيّ واشتراكيّ ديمقراطيّ، نرى هؤلاء لا يفكّرون في التغيير الثوريّ؛ إذ يعتبرونه مستحيلا.
نحن نعرف عن الكمّ الهائل الذي يفكّر في الهروب من إسرائيل إلى جزيرة/جمهوريّة متخيَّلة يعيش فيها الناس عيشة سعيدة وحرّة، ويضفون على حياة الجزيرة طابعًا مثاليّا، وعصرًا ذهبيّا، ورفاهيّة اجتماعيّة، بعيدًا عن واقع شروط نظام الاشتراكيّة الديمقراطيّة.
لا يفكّر الإسرائيليّون بالهجرة لأجل غلاء الحليب واللبن والجبن فقط، كما تحاول بعض المقالات الصحفيّة أن تبرز ذلك.
في أوائل السنة الماضية، نشر أحد المعاهد الموثوقة استطلاعًا (معهد جيئوقرطوجرافيا) أظهر أنّ 378 ربّ عائلة، أيّ مليون ونصف شخص، أي خُمس الإسرائيليّين، من كافّة الأحزاب والكتل، يفكّرون بالهجرة (42% منهم مِن "ييش عتيد"/ يوجد مستقبل، و38% مِن ميرتس، و33% مِن العمل، و28% مِن إسرائيل بيتنا، و24% مِن البيت اليهوديّ).
في الأسبوع الماضي، فاجأت تصريحات الكاتب روني دانيال، العقيد والمحلّل العسكريّ في القناة الإسرائيليّة الثانية العديد.
ممّا قاله خلال النقاش المتلفز: "أنا لم أعد شابّا. نشأت في كيبوتس معوز حاييم، حرثت الأرض قرب الأردن، طلبوا أن نذهب للجيش فذهبت ... وأصبحت ضابطًا... وقدت كتيبة ... وشاركت في كل الحروب التي طلب منّي المشاركة فيها. لكنّني ولأوّل مرّة ... لست متأكّدًا من رغبتي ببقاء أولادي هنا ... ".
لا شكّ في أنّ غالبيّة اليهود الإسرائيليّين قد آمنوا بالشعارات والأيديوجيا الصهيونيّة العنصريّة، وفي أنّ إسرائيل مبعث السعادة ومصدر الطمأنينة؛ وسرعان ما تحوّلت هذه الأفكار والشعارات إلى ملهِم حروب؛ فأصبحت مرجعًا للاحتلال والبطش والإذلال و...
تكمن المشكلة في أنّ العديد من الإسرائيليّينن يعتقدون بأن العنصريّة غير موجودة في متن الفكر الصهيونيّ؛ بل هي نتيجة لتحريفه وتأويله الخاطئ!
لا يمكن اقتطاع شعارات الصهيونيّة من سياقها الوحشيّ؛ فاحتلال الأرض والعمل، والسيطرة على السوق، لم تكن شعارات إنسانيّة يوما ما، ومن ثمّ أصبحت بفعل حالة السلام المفقود فاشيّة.
كيف للقيم الإنسانيّة أن تتحكّم بشعارات وتعاليم مبنيّة على أنقاض شعب آخر؟! وبالتالي الذي يسيطر على دفّة القيادة، والدفاع عن الاستيطان، هم زعماء الحركات والأحزاب اليمينيّة المتطرّفة، ودعاة الاستيطان والاحتلال!
بعد صحوة/يقظة الضمير الإنسانيّة، ورؤية الواقع المأساويّ المتوحّش المشبَع بإمكانيّات الهلاك وإدراكه، لا يمكن تغيير الواقع بالتمسّك
بالفكر الصهيونيّ ولوبياته، واعتبارهما أهمّ مِن حياة كلّ الفلسطينيّين وغالبيّة الإسرائيليّين!
ليس لكم من مخرج إلاّ حجر السلام الذي رفضه "بنّاؤونكم"، فحجر الجبهة الديمقراطيّة للسلام والمساواة هو حجر زاوية الحياة الكريمة والحرّة.
.