وكنتُ كآدم الذي أكل التفاحة

ليندا كبرييل
2016 / 5 / 25

قصدْتُ علْياء الشمس في الشرق الأقصى، حيث تطْلع جميلتي ــ الإلاهة البديعة ــ على البشر أولاً، عندما لسعتْني عقارب الساعة بالشرّ الجميل.
هناك ثبّتُّ الوتد، حيث سأتولّى أمر براعم بشرية تبُخّها ( الشمّوسة ) حياةً كل صباح.

كان هدفي اللقاء بالشاب الجميل " كونغ فو تسو " وجهاً لوجه، بعد أن عشتُ زمناً قصيراً مع أفكاره من بعيد . لا أعرفه ولا يجْمعني به ألْف آدم وجدّ، ولكني رأيت في حبّه للإنسان بعضاً من نسغ معلّمي المسيح، فأضفتُه إلى أبطالي.
بدأتُ بالاطلاع على قلبه في السابع من الشهر السابع.
طرِبْت وأنا أقرأ في رسائله الممتعة، وأتعمّق في ضميره، ومنهجه في الحياة، ومواقفه من الإنسان، وعشقه للموسيقى، حتى ملكَ عقلي.

كنت قد تعلّقت ب كونغ هذا البطل الاستثنائي، عندما قرّر فجأة أن ينصرف عني !
أعْلم أنه إنسان واقعي، ونظره دوماً على شواطئ مهجورة، يهفو قلبه ليعمّرها بفكره الخصيب .. لكني سهوْت عن الزمن الذي يضع حدّاً لكل شيء.
شعرْت بالوَحْشة . رجوتُه أن يظل في عالمي، فأكّد أن لا جدوى من حضوره، بعد أن فتحَ لي من مَغاليق أبواب الحياة ما استطاع، وعليّ الإمساك بقوانين الوجود لِمواصلة التحدي ؛ فالمُراوَحة تخْلق الملل والتراجُع، ليصبح الإنسان عاجزاً عن تقديم المفيد.

غادرني غير آسف .. إلى مريدين جدد يسعون كالفَراش إلى ضيائه . كنت قريبة جداً منه، وكان بعيداً عني، فقد كان مشغولاً بعالم الإنسان . وأقنعْت نفسي أن كونغ كالشمس، يحجّ إليها من يريد التحديق بها، ويكفيني أن شعاعه يشقّ دروباً في أعماقنا لحياة جميلة.
قررت أخيراً في تجربتي الجديدة أن أكون أنا البعيدة عنه، أستمدّ فيها من وَهَج شعاعه قِيَمي الأخلاقية، وأنا أفكّك أفكاري العتيقة وأنتِج الجديد، بعيداً عن المناخ المريض المُشوِّه لتجلّيات العقل الإنساني.

عشتُ في رحابه أربعة شهور باذخة الجمال . ولما فارَقَني ، شددْت الرحال في منتصف نوفمبر / تشرين الثاني إلى أرض الفلاسفة، حيث تتداخلُ فيها الكونفوشية في البوذية في الشنتوية، وأنا أتوق إلى الاطلاع على هذه الفلسفات، وفي ذهني استفهام مُلِحّ :
إذا كانت الأديان السماوية قد طرحت حلولاً سحرية تخديرية لأكبر قلقٍ وعذاب للإنسان : الموت، الزوال، الفناء، فما الحلّ الذي قدّمتْه الأديان الأرضية الثلاثة ؟
وإذا كانت شخصية الإنسان ودوافع سلوكه تُترجِم العنصر الديني أو الروحي، فما هي المقومات الثقافية الكامنة في مسامات جِلد بني الأصفر، التي جعلتْهم ذوي صلابةٍ وجَلَد تجاه نوائب الزمن وبلايا الطبيعة، فأطْلقتْ مكوّناتهم الذاتية لصناعةِ ظاهرةٍ اقتصادية رائدة ؟

كانت ردود تلميذ كونغ جافة آنذاك . أمْعنَ النظر في وجهي ثم رفع كفّه وصاح :
ــ إذا كنا لا نعرف الحياة الدنيا، فكيف لنا أن نعرف شيئاً عن هذا الأمر الغامض ؛ الموت ؟ اِعْتني بحياتكِ على الأرض، وتَواصَلي مع الإنسان بمختلف مشاربه، وتجنّبي بَعْثرة داخلك في الحديث عن الغيب.
سكتَ لحظات ثم كمنْ تذكّر سؤالي الثاني فتابع :
ــ ليس سهلاً تشْكيل التضاريس الإنسانية والبشرية . يقول المعلِّم : بناء الإنسان هو التحدّي الأكبر : بالتعليم، وبتنمية المهارات الذاتية، وبالقانون.

هيّأت دفتري لتسجيل ملاحظاتي، وجعلتُ عنواناً له : ( كونفوشيوس ) وهو اللقب الذي اصْطلحوا على تسمية " كونغ فو تسو " به.
أقبلتُ على مهمتي بحماس في أرض العجائب هذه . ولكن .. ما أسْرع الشعور القابِض الذي دهَمَني بالفارق الكبير بين الوِهاد والآفاق ! بين بلدٍ يعيش في ماضٍ ويصوِّب عينَيْه نحو ماضٍ سحيق .. وبلد يعيش المستقبل في حاضره ؛ ونظره نحو الشمس !

الصفحة الأولى :
وصلتُ ذلك الصباح البارد إلى بلادٍ فقدتُ فيها من الخطوة الأولى قامتي أمام ناطحات السحاب في (شينجوكو)، وغاب سمعي بين ضجيج الآلات في عاصمة الكهرباء والإلكترونيات (أكيهابارا)، بحثتُ عن وجهي فوجدته قد ضاع بين أمواج بشرٍ، وجوههم تكْسوها صرامةٌ مكشوفة، أو مقنَّعة بابتسامة غامضة المعنى، وأنا تائهة عن المخرج من محطة المترو في (توكيو) من بين عشرات المخارج، وعلى سطح الأرض كانت القيامة ! زحام عجيب في ميدان رحب يضيع فيه الأخ أخاه .. ولما انفتحتْ إشارة المرور الخضراء، تحرّكتْ مواكب الناس في وقت واحد من خمسة أطراف، ثم تلاقتْ فتداخلتْ ثم تباعدتْ وتفرّقتْ في اتجاهات مختلفة، لبدء يوم الحساب مع الحياة، وفي اللحظة التي مرّ فيها القطار الرصاصة، كصاروخ فضائي يخترق الزمن إلى المستقبل، كان عقلي قد توقف عن كل شعور.
أغمضت عيني لأستردّ ذاتي، فتدفّقت ذكرياتٌ، استحضرتْ صور مركبات بلَدي التي تخترق الزمن إلى الماضي، وإشارات المرور المعطوبة، وصبحيات الثرثرة النسائية، وطقاطيق الباعة المتجولين، وجارنا الخباز ممدوح يلوّح بيده مع أنغام فيروز ....

شعرتُ بوَهَن نفسي وبرغبة في الانسلال من الحاضر، والقطار يغصّ بالركاب . جاءني هاتف ساخر من داخلي : من أين لك أن تسمعي في هذا الضجيج الإلكتروني أغنية ( حيّرت قلبي معاك ) تنساب من راديو جدتكِ العتيق ؟ وهل ستجدين منْ تلعبين معه ( الباصرة ) بين ذوي الخطوات السريعة، الذين لا تتوقف عيونهم لتتفحّصكِ من شعرك المصفف إلى حذائك الأنيق ؟ آه يا برد بلدي الحنون، هل رأيتَ برداً عضّاضاً كهذا ؟ على الله أن أسمع صوت العم صالح ينادي على طبْخة شوندر في ليالينا الباردة، على الله أن أج ... اِنْتبهي .. هناك منْ يستأذنكِ للنزول . خرجتْ جماعة ودخلت جماعات . كل ما تستطيعه في كبيس المخلّل البشري هذا أن تحرّك عقلك فحسب !
ولاحظتُ أن القطار الذي تتلاصق فيه الأجساد، وليس فيه مكان لمَفْحَص قطاة، وليس بإمكانك أن تحرّك رأسك يميناً أو شمالاً إلا وضربت برأس مَنْ خلْفك، كل هذا ولم تمتدّ يد تتلمّسني استجداءً لغريزة بلهاء، ولم يلفحني نفَسٌ شبق أحمق.
تأمّلتُ العيون النائمة، أو المزروعة فيما تقرأ، ثم وجّهت نظري إلى خارج نافذة القطار.

مرّت عيوني بصور من الحياة اليومية، صرفتْ تفكيري عن الصبحيات وأم كلثوم والشوندر.
عندما ينطلق الإنسان إلى رحابة الخارج الأكبر، يتوارَى الضيق، ويسْتتِر الوهن، وينفسِح المجال لِتحْتشد قوى الذهن لترتيب الأفكار المنزوية.
طالعني فجأة مشهد مثير : كاهن بوذي يصلّي أمام مقام مقدس وخلفه مجموعة من الناس ، بيده فرع من شجرة يلوّح به .. ممم ~~ كما في كل الأديان قاطبةً ؛ التطهّر وطرْد الأرواح الشريرة ! ثم أمسك الكاهن بحبل طويل ضخم وهزّه، ليَصْدُر صوتٌ من جرس معلق في أعلاه، فأحنى الجميع رؤوسهم في خشوع.

شغلني مشهد الكاهن البوذي، فلا أدري إلا والسؤال ينبثق من أعماقي !
هؤلاء الناس يصلّون لِتمثال، بهيبة وإجلال، لا لِلّه الواحد الذي في السماء .
أوثان على شكل إنسان، لوح .. لا يهشّ ولا يبش ! ومع ذلك تمكنوا من تحقيق قفزات حضارية كونيّة إنسانية . كيف ؟ كيف ذلك يا الله ؟؟؟
نحن معنا الله الذي اختارنا من بين كل الأمم، العظيم القدير العليم الجبار، ومعنا الملائكة الأطهار، والأنبياء المعصومون، والسيدات العفيفات، وجيش من الخلفاء المؤمنون، والصحابة المنزّهون، والقديسون، والفقهاء والأولياء والكَتَبة والرواة والمفسِّرون والعمامات البيضاء والسوداء أصحاب الشرف والصوْن وقدرات الجن الأزرق والأحمر ..
ولم ننجز شيئاً !!!
هل قدّر الله الأوثانَ للأذكياء، وأرسل الأنبياءَ للأغبياء؟
إذا كنا ندّعي الحكمة والعلم والأخلاق فنحن أغبياء دون شك.
وإذا كنا نتاجر بالحديث عن حضارة ازدهرتْ ثم اندثرتْ، فإنه تشتيت للجهد فيما هو معلوم من اللتّ والعجْن ولا طائل فيه.

كيف حقق الإنسان الآسيوي هذه القفزة الجبارة بدون الإله الجبار ؟
طريقكِ لن يكون سهلاً للردّ على هذا السؤال، تماماً كما قال لكِ كونغ ف .. كونفوشيوس.
انتهى زمن هزّ الخصور، وحان وقت هزّ الأكتاف . اِنْسي باصات جدّ جدّك، ونكات الفيل والنملة، واخْلعي كعبك العالي، وتذكّري الآن ملاحظاتك على ما قال الصديق الياباني " تويوتا " في يوم مضى أمام جمْع من الناس :
ــ { هذه الطفرة اليابانية ليست في حُكم الألغاز، وقد أشْبعَها المتخصصون بحثاً في أدوات النظام الرأسمالي ومؤسساته، والآليات السياسية التي شكّلتْ مجتمعاً متطوراً، أهّلتْه لإنجازات هائلة.
كذلك هذه القيامة المشْرقة ليست معجزة . فالعامل الأهمّ فيها هو : الانقلاب الجذري في البناء المعرفي، الذي مسّ كل مفردات الواقع ليصبح مواكِباً للتحديات العالمية، وبحيث أصبح التعليم (المحور) الذي قامت عليه الانطلاقة الفذة بعد نقل التكنولوجيا الغربية . نقطة الانعطاف الحاسمة في مسيرتنا، كانت عندما توصّل المصلِحون في فترة ـ ميجي ـ ببصيرتهم الواعية، إلى إدراك الدور الهام للعلم الحديث في تحديد علاقات الإنسان بنفسه .. وبمجتمعه .. وبمكانته بين الأمم المتقدّمة، مما استدعى إغلاق المدارس الدينية، وإحداث قطيعة مع النظام الإقطاعي، والقوى التقليدية المُهَيمنة، في بيئة كانت مُصابة بعاهات الفكر المنغلِق . فركّزوا على الاستثمار في الإنسان .. في عقل الإنسان بالذات، لإنجاز المشروع الحداثي، ونجحوا في تَطْويع أخلاق السامورايْ مع المستجدات، وتركوا التراث بفكره الغيبي يبحث عن طريقه داخل المعابد. }
فانبرى ( اسماعيل ) الأفريقي وسأله :
ــ القطيعة مع التراث ؟ هل يمكن أن نرفض المقدّسات ؟؟
أجاب تويوتا :
ــ { رفْض المقدسات غير ممكن، بِشرْط ألا تخرج من عتبة الدار أو المعبد . أما التراث الذي لا يلبّي حاجات الإنسان المعاصر، ولا يساهِم في بناء مجتمع المعرفة المدني، ولا يستوعِب لغة التقنية، فإنه لا يستحق أن نعِيره الاهتمام، ومن الضروري إحداث القطيعة معه. }
ــ ولكنكم كونفوشيون ..
ــ { إذا كان صدى فلسفة المعلّم يتردد بين جنبات حياتنا، فإن عملنا هو الصوت الذي يُعطي المعنى لمغزى تعاليمه، وبإرادتنا نطوِّع خصوصيتنا الذاتية، فنجعلها في خدمة الواقع الحاضر الذي هو الأصل. }
تحمّس اسماعيل وقال بفخر :
ــ ديننا أيضاً يحثّنا على الجهاد في الحياة وطلب العلم ولو في الصين.
فرفع تويوتا كفّه وقال :
ــ { لا تُقاس قيمة الإنسان بتديّنه، فقد يكون الدين وسيلة للتعدّي، ومشجّعاً على الفساد . كذلك .. لا يكفي أن تُقاس قيمة الإنسان بتحْصيله العلمي، فقد يكون فارِساً في ميدان العلم، مُنْهزِماً في ميدان العقل الصانِع، يحركّ عِلمه منطقُ الغيب والأسطورة . حتى الحيوان يتعلم مع المثابرة فينطق ويقلّد.
إنسان الحداثة : ـ انتبهْ من فضلك ـ هو القادر على الشك والسؤال والاكتشاف . فالعلم على أهميته لا يكفي، إذ لا بدّ أن يقترن بالتغيير، والعمل على تقويم شطحات الطبيعة بالإرادة، فلا يُترك حلّها للإله أو للقدر . تحدّي الواقع الراهن يحتاج إلى أن يترافق العلم مع بعْث الوعي النقدي وتدريب الكفاءة الذاتية. }
قال اسماعيل :
ــ ألم يكن الدين عنصراً أساسياً في قيام حضارة عربية مبهِرة قامت عليها النهضة الأوروبية فيما بعد ؟
هزّ تويوتا سبابته وقال باستنكار :
ــ { أنت تنسى أصولاً متوارَثة عن شعوب سابقة، أسّستْ لإنجازات قامت عليها حضارتكم وحضارة الغرب.
كذلك، ليس بين قوانين صعود الأمم : الدين . إذ لا يمكن لانطلاقة مجتمع الحداثة نحو الإبداع أن تُديرها قوى الماضي الضيقة . ولا يمكن لإنسان الوعي الخلّاق أن يستلهِم من صياغاتٍ تراثية منغلقة.
الأمْن التراثي يقتضي أن نحْمي امتدادات الثقافة الإنسانية من الهلوسات والتفسيرات البليدة، التي تصبح مع الزمن عبئاً على الإنسانية .. وعندما يعجز العقل عن إدراك المتناقضات بين القديم المتصلّب، والجديد المتطوّر، فإنه يعني أن المرض استفْحل، وأصبح الإنسان عاجزاً عن تواصلِه الحياتي مع الآخر. }
قالت سيدة مغربيّة :
ــ نهضتكم معجزة .. كيف لا ؟ وقد تحققتْ في حضور تراث مليء بالخرافات والأساطير.
أجابها تويوتا :
ــ { انتهى زمن المعجزات، وحان زمن المنجزات . نهضتنا ليست مُعجِزة إلا لِمنْ يعيش في عجْز، فانْبهرَ بالنجاح الذي أضاء فشَلَ السادِرين في الحياة . اِنطلاقتنا لم تأتِ من فراغ، فالنهضة تضنّ بالنجاح على منْ لا يدفع تكاليفها الباهظة . على الإنسان إعمال عقله ليُواجه ضعفه أمام تحديات الواقع، والتحلّي بشجاعة تمزيق الأحجبة، والإحساس بالمسؤولية تجاه سلوكه الخاص وتجاه مجتمعه. }

وفي حفلة وداع الصديق " تويوتا " بعد انتهاء مدة بعثته، أهْداني معلومة رائعة، كانت جواباً على ملاحظتي : أنه مثير للإعجاب مقدرتهم العالية على التفاعل بصبرٍ وأناة مع المهمات الشاقة، واستغراق الإنسان في عمله لتقديمه بأفضل صورة . وختمتُها بقولي :
ــ حتماً هناك عوامل أخرى غير ظاهرة للعيان، تلعب دوراً فعّالاً في أداء الفرد لوظيفته.
فأجابني :
ــ { قد لا أكون مبالِغاً إذا قلت إنه انعكاس للمفهوم ( البوذي ) الذي يقول بفناء الفرد في الكون، والمفهوم ( الشنتوي ) باندماج الإنسان في الطبيعة روحانياً . ونحن جزء من الكون والطبيعة . الآسيوي يسْتَحضِر هذه المعرفة الأخلاقية فيترْجِمها بسلوكه العملي ؛ كلما استغرقَ الإنسان في تأملاته واندمجَ في عمله بوعي لا كالروبوت، كان أقْرب إلى تحدّي المناطق المظلمة في النفس، واسْتلهام المقدرة على استنطاق الكامِن في الفكرة أو المادة . وقد يحقّق بهذا التوحّد الروحي إبداعاً إعجازياً ! }
شعرت بحرج وأنا أقول له :
ــ سمعتك تتحدث عن ممارسات بهدف ضبْط النفس وتنمية الإرادة، وجدتُها قاسية، كأخْذ حمامات شديدة البرودة في الشتاء .. أليس هذا تعذيباً للذات ؟
قال تويوتا مبتسماً :
ــ { هذا رأي الأجانب فينا .. تحمّلُ المشاق والصعاب ليس تعذيباً للذات ، بل هو تهذيب للذات !! }
ضحك الصديق وهو يراني أسجّل ملاحظاته، فقال لي :
ــ { اِخْتصري الأمر واذْهبي إلى تلك البلاد، سترين الحقائق تمشي أمامك على الأرض . سيرافقكِ كونفوشيوس كدليل سائح في البيت والمدرسة والعمل. }
سيكون معي ! كونغ فو بذاته ؟ هل أحلم ؟؟
ــ كونفوشيوس ؟؟
ــ { نحن بوذيون وشنتويون، لكن القيم الكونفوشية متجذّرة في نفوسنا. قد يفيدك أن تعرفي ماذا قال في السياسة :
يرى كونفوشيوس أن الحاكم يجب أن يتحلّى بالعلم والأخلاق والاستقامة الشخصية، لأن الناس سيعْمدون إلى محاكاة أسلوبه . فيخاطبه قائلاً :
إذا أنت أيها الحاكم مشيتَ في مقدمة شعبك على الطريق المستقيم .. فمَنْ يجرؤ على مخالفتك ؟ نشر الفضائل وتحسين أمور البلد يبدأ بتنظيم الأسرة، وتنظيم الأسرة يتطلب تهذيب النفس، وتهذيب النفس يتطلب تطهير القلب بالعمل على الإخلاص في التفكير، الذي يرتبط بتوسيع المعارف إلى أبْعد جهد مستطاع، ومشْروط بالتحرّي عن كل ما تحت الشمس، والبحث الجادّ عن علّة كل أمر. }
عيونهم صغيرة .. جداً، لكنها ترى الكون كبيراً .. جداً !!

كانت صدمتي الحضارية الأولى، وأنا أواجه انقلاباً هائلاً، تكْلِفته كبيرة على شخصيةٍ قادمة من بلد الجمود الفكري والعقائدي.
اللحظة التي جئتُ فيها إلى ( جنّة ) الفلاسفة، كنتُ فيها كآدم الذي أكل التفاحة فعرفَ الحقيقة !
هرعتُ إلى كونغ فو تسو، وفي قلبي حنين إلى أيام الأمنيات البريئة.
كنت في حاجة إليه أكثر من أي وقت مضى . رآني من خلف نافذة وهو بين مريديه، ولم أرَه أنا.
أدركتُ أن كونغ فو تسو لن يظهر لي ، فهو يؤمن أن التجلّي للأنبياء فقط، وهو ليس نبياً.
{ أنا حامل مَشْعل الفلسفة بيدي، أمشي في طريق من اتجاه واحد إلى صعود وارتقاء متواصل، وسيسْتلِم المشعل مَنْ سيتابع. }
لكنه ـ للأمانة ـ أرسل منْ يُخْلِص النصيحة لي.

وكانت صديقتي (مينامي)* ، ابنة الكاهن البوذي، التي رافقتني سبعة عشر عاماً، ثم كانت نهايتها المأساوية، عندما ابتلعها التسونامي الذي اجتاح الساحل الشرقي لليابان في الزلزال المعروف 2011.*
وإلى اللقاء مع مينامي.


ورد اسم " مينامي " في المقال السابق

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=511188

فإما نجْم كالشمس، وإما قزم كبلوتو!