آدم... والأسماء كلُّها

سامي عبد العال
2016 / 5 / 25

علينا التأمل في قضية أنَّ الله علَّم أدم الأسماء كلَّها. شئنا أم أبينا يحتاج الموضوع إلى نبش جذري حول دلالتها تاريخياً. كيف تحولت بواسطة الثقافة الدينية إلى أشكال أخرى؟ ولماذا يمثل الاسم موضوعاً فكرياً كعالم خاصٍ بذاته؟ حتى ذهب ارنست كاسيرر أنَّ: الاسم ظل دالاً على موضوعاته بقوةٍ، بل ثمة توحُد بين الاسم والمسمى في تاريخ الثقافات. حقاً الأسماء بإمكانها فك شفرات الصندوق الأسود للعقل البشري. ففيها يتحدد مؤشر البوصلة إلى آفاق الفكر وطبيعته. فرغم بكارة التسمية( مع كل مولود) سوى أنَّها أطلالٌ لحقائق ما، أكفان لشعيرة دون غيرها.
القضية مهمة لأنَّها بذرة أولية بُنيّت عليها معتقدات حول الثلاثي: الله، الإنسان، اللغة. وقد وردت في الديانات الإبراهيمية بصيغ مختلفةٍ. ومن سلبيات تفكيرنا الديني العجز عن النبش، الحفر وراء المعتقدات. إذ تأتي أفكارُنا تراكُّماً ساذجاً فوق جذورٍ لم تُساءل بشكلٍّ مستمرٍ.
إنَّ الحفر، هذا العمل الأركيولوجي، يطلعنا على العلاقة بين الثلاثي السابق. لهذا سنحاول التعمق داخل النص الديني لنقض منطق تفسيره الحرفي. واكتشاف دلالة مغايرة بخلاف الجارية، حتى وإنْ كانت هي فكرة النص نفسه. فالتعامل مع قضايا كهذه ظل خارج اللغة. أي تُؤخذ مأخذ التسليم بلا جدالٍّ. وهذا لا يعطي مساحة للتحرر من تقاليد الفهم والخيال. فأغلب التصورات الدينية تستمد قوتها من قوالب لأخيلة قُدَّت ورسخت بوسائل الهويات السلفية والتفسيرات الماضوية. وآن الأوان لاستخدام موارد "التصورات" ذاتها -كما تَتَعمَّد خلال النص الديني- لنقض مسيرتها التاريخية.
هل كانت الأسماء كائنات؟ وبالتالي حينما علَّمها الله لآدم كانت حاملة لمعانٍ وجودية وكونية. أي: بإمكانها نقله من مستوى الجهل إلى الدراية بطبيعة الأشياء. بالتالي تلخص الاسماء بمصطلح كارل ياسبرز شفرات الوجود. وإذا كانت كذلك فلماذا لها تلك المهمة؟ ولماذا لم يسمِّ اللهُ نفسه؟ أي أنَّ الله دوماً بلا اسم. وأية خطورةٍ فلسفية وراء ذلك؟
يتجاوز الاسمُ العلاقة اللاهوتية بين معبودٍ مباشر وآدم الأرضي. ينطبق ذلك على أي آدم مهما يكن خلال العصور المتعاقبة. فالاسم في جميع المجتمعات ذو مكانة غير عادية. وضعيته تبلغ مرتبة القداسة. الأسماء مهووسة بالمقدس، التقديس، العلو، المفارق. ومع هذا نحن كائنات اسمية تخترق أية حجبٍ نصيةٍ. وما دمنا كذلك سنبقى داخل حالٍّ تأويليٍّ متواصل. وبطبيعة هذا الحال لا يأخذ الاسم مواقعه بفضل الحادثة اللغوية اللاهوتية. بل جاء النص الديني مؤكداً لعملية ثقافية أكثر منها قضية كونية -خلقية. إنَّه سيتفقُ مع الفعل الإنساني. حيث ستكون الحياة مفتوحة بما لا تُحد.
بهذه الصيغة يمثل الاسمُ نظاماً رمزياً معبراً عن فعل آدمي ساري الأثر. وحينما يتعدّى هذا الحدَّ فإنَّه يطرح حركتَّه وراء كل دلالة جاهزة. وراء أيه علاقة من هذا النوع. حقيقي أشار الله إلى ذلك الاستقطاب الاسمِي قصداً تبعاً للحظة الإيجاد الأُولى. لكن هناك جانباً إنسانياً في المسألة. فثمة شيء في آدم لن يدفعه إلى الالتزام بحرفية الاسم. وهذا الشيء ليس أقل من آدم الأرضي نفسه. إنَّه كائن مناقض للطبيعة الإلهية وإن أخذته رغبة عارمة كي يصبح إلهاً. لأن الاسم هو المسمى بحكم مواضعاته الاجتماعية والثقافية. وإذ هو كذلك فإنه يفيض عن طاقة النص الديني. ويدفعه منزلقاً خارج ذاته لو استعملنا عبارة مادية كما يبدو.
الدليل أنَّ الفعل الآتي مع الأسماء كان هو "عَلَّم". فالعلم يحمل نقيضه على الدوام. هذا الجهل الضارب أطنابه في واقع إنساني قادم للمعاني المبدئية. والجهل ليس بالمفهوم السلبي لكنه يتحدد بمفهوم الثقافة. فالأخيرةُ تنزع تاريخياً إلى الاستقلال عن الأصداء اللاهوتية التي تؤسسها. كلُّ ثقافة لا تخلو من وقائع إنكار لمحدداتها الكونية الأولى. وفي عين الوقت تستعيد هذه المحددات بشكل أكثر أرضية، أكثر تمرداً. فلم يقل الله- مثلاً- خلق الأسماء كلَّها لأدم. لأنَّ الكل الثقافي برأي إدوارد تايلور في كتابه الثقافة البدائية primitive culture كان وظيفة آدمية بالأصالة عن جميع الآلهة. كقول اليونانيين بنظام اللوغوس، هذا الكل في واحد. حيث نشأ التفلسف.
ينبغي ايجاد خيط لهذا المعنى حتى نحرر ذواتنا من الأسماء. منذ بدء التصور داخل الآية اقترن تعليم آدم بعلم مصممٍّ مسبقاً هو علم الملائكة. فكان التمييز لصالح علم أوسع بطريقة مختلفة عن قدرة مخلوقات محدودة المعرفة. "وعلَّم آدم الأسماء كلَّها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إنْ كنتم صادقين" (البقرة/31).
أولاً: جاء هذا الكائن باسمٍ محدّدِ هو آدم بينما الملائكة مجرد جمع بلا اسماء. هذا يعني بذرة الهوية والثقافة للإنسان. وهما الاثنان انذاران للتباين لا التماثل. فالأسماء تحمل خطورة فعلية نحو التحول داخل أعماق المسميات.
ثانياً: ذكر الأسماء عرضاً وانباءً يقصد نظام الكلمات nomina لا عين الأشياء كما هي. وهنا القيم الدلالية المضافة بآثار اللغة. أي الكلمات باعتبارها جملاً فكرية.
ثانياً: اختلف الكائن الجديد بحيازته للاسم. كما ظهر في عصيانه للإله وأكله من الشجرة المحرمة. بينما تعجز كائنات تامة التكوين(الملائكة) عن ذلك. إنَّ كائناً يستطيع التسمية بإمكانه الوجود بهيئة مغايرة. كل كائن يحمل اسماً يرهص بخطورة ما تجاه الإله. إنَّه عصيانه الآتي بلا سبب ولا مبرر إلاَّ من إرادته.
ثالثاً: الاسم ليس هو المسمى. بل سيحدث هناك تنوع في دلالة الأسماء على المسمى. لأن ذكر الملائكة كمحدودي المعرفة يعني أن ثمة تنوعاً مرهوناً بآدم. وبالتالي الرهان هو إيجاد صيغ الاسماء على ذات المنوال.
رابعاً: يتحلل الاسم من مسماه دوماً. ذلك سيتحقق في حياة انسانيةٍ لطالما كانت رامية إلى المستقبل. فكل اسم يحاول استعادة المسمى. لكنه لن يقدر حتى وإن نال بعضاً منه. والعجز يرميه عادة إلى الأمام، إلى الآتي.
خامساً: الاسم إذ يخالف المسمى يشف عن أفعال التواصل. فاللغة لن تكون ذات وظيفة أنطولوجية إلاَّ إذا كانت موثوقة الصلة بالميتافيزيقاً. ولأنَّ الاسم سيخون ثقافياً مدلوله فلا توجد لغة بختم لاهوتي، بيقين مفارق. ومثلما ليس بإمكاننا تفسيرها حرفياً، يستحيل جعلها قصةً كونية بشكل توقيفي.
التاريخ قابع في مقولة "الأسماء كلّها". ولأن الملائكة خارج التاريخ فلن تنبئ بهذه الأسماء كما سيفعل آدم. وهذا يشير إلى عدم كونِّها(أي الملائكة) دنيوية، أرضية. أما آدم فكلمة مأخوذة من الأديم، أي الأرض، التراب. فهذا الجسد والعقل الجديدان قادران على الإنباء وتلك العملية أساس كل تاريخ بشري. وبخاصة أنَّ الأخير يعني استقراء الأزمنة لمعرفة المصائر والبصائر التي يمر بها الناسُ.
إذن الأسماء أيقونات أرضية لن يعرفها غير الآدميين. ليس ذلك بضربة حظ عارضٍ. بل بفضل التسمية. وحدَّه آدم هو الذي يستطيع أنْ يسمي الأشياء. وفي هذا كانت بذرة الانفصال اللغوي عن المقدس. لأن التسمية تحقُّق دلالي على غير منوال الأصل. هي شكل انحرافي عن الأصول أيا كانت. وردت الفكرة في النص: فبعد عرض الله الأسماء على الملائكة "قالوا سبحانك لا علم لنا إلاَّ ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم"(البقرة/32).
كان بإمكان الملائكة قول الأسماء نظراً لأنها مبرمجة عليها. لكنها عجزت تمام العجز عن التسمية. أي: عجزت عن أن توجد ثقافياً بإرادة حرة ومستقلة. فكان آدم هو الانحراف الحي، التهديد واسع الانتشار. بينما الملائكة ليست كذلك ولن تكون. إن آدم يمثل شرارة التألُّه المنفلت عن نسخته. وبوصفه خليفة سيظل ناظراً إلى ذاته خلال هذه الانعطافة. والله ينظر إليه هكذا. فلم يذهب آدم إلى التكرار على ما تصور الآية.
لنلاحظ: " قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقُل لكم إني أعلّم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون"(البقرة/ 33). فالإنباء فعل معرفي تبعاً لمرجعية أخرى. وهذا جوهر التكليف لو أخذنا بمعناه الديني. بل جوهر الدنياً والعقل بانفساح نشاطهما. تلك الأشياء تتحرك في إطار مرجعية الذات الحرة. والانباء كلٌّ ثقافي مستقل دونما سيطرة. له أن يعطي الأشياء معنى وتأويلاً لإتمام مسؤولة الكائن المختلف(آدم) عن وجوده. وبخاصة أن الآية ذكرت الأسماء( كلَّها) كإشارةٍ إلى إمكانية نواتها الخاصة. ذلك من جهة الكفاية والقدرة والدلالة.
مشكلة آدم مع الله، ومع أي إله، ليست في معرفته لكن في استقلاله الحر. وفي افصاحه عن هذا الاستقلال بوضوح وعلى غير مثالٍّ سابق. وقد يشي الانباء بالتواتر السابق لما تعلمه آدم. لكنه قول جديد بمنطق آدمي صرف. كان له أن يخرج بخلاف المتوقع والمرجو منه. فطالما كان ارتهن به عالم قائم بذاته فسيكون مصيره طيَّ المجهول. ولذلك أكد النص على كون الله يعلم غيب السماء والأرض. وهو إنْ كان عِلماً فلا يمنع ايجاد كائن بكل صلاحية أرضية إنسانية بمجمل أطيافها. وفي هذا ذكر النص(ما تبديه الملائكة وما يكتمون) بوصفهما إشارة لصالح خروج آدم عن الطوق وليس محاصرته.
كان الله بلا اسم ومازال. الصفات والأسماء الحسنى أردية بشرية لتغطية المقدس بحسب ما نرتئي. فكانت سلطة الألوهية مخترقة من جراء كائنات لها اسم. لأنها تمتلك قرارها في ألاَّ تكون وكيف تكون وبأي معنى تريد. احتفظ الاله بسرية أسمائه لأنَّها في حالة قبض وبسط خاصين بكيانه. كما يبدو هو يدرك تهديد الأسماء: هذا الانطواء على الانحراف عن مسمياتها. ولهذا ترك البشر يضعون اسماء له بلا عناوين ولا هويات. فهي محض قوى فاعلة على غرارهم مهما حاولوا بلوغ مضمونها.
نوع من التأله: تلك الأسماء بهوياتها حيث ذكرها النص الديني" إنْ هي إلاَّ أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان. إنْ يتبعون إلاَّ الظن وما تهوي الأنفس" (النجم/23). فالاسم بلا محتوى طاقة على الفعل خارج مجال الإله. والنص يشَّهِر بالأوثان التي تحمل لافتات اسميةً مقدسة. ولكنها في إطار الوجود كلمات لغوية عائمةً لا ثقل لها. إذن أسماء الأشياء ممكنات إنسانية. بينما الأوثان اسماء لها قوة الظهور الاجتماعي والثقافي المزيف. وقد يقع فيها الإله ذاته عندما يصبح اسماً عنيفاً في يد جماعات التكفير الديني. وبذلك يغدو الاسم سلطاناً إرهابياً يغزو المدلول الأكبر في تاريخ الثقافات الإنسانية.