النخب التقليدية المغربية من الحماية الفرنسية إلى استقلال المغرب -عدي وبيهي نموذجا-

لحسن ايت الفقيه
2016 / 5 / 24

القائد عدي وبيهي نايت رهو شخصية تاريخية، بما لها وعليها، لم تجد في الحال من ينصرها من النسيان بأسهِ. سطع نجم القائد في شهر يونيو من العام 1929، واستهوت سلطات الحماية الفرنسة بسالته، وجيء به قائدا بمحيط موضع سجن تازمامارت سابقا، بجبال الأطلس الكبير الشرقي. ومع إعداد التقطيع الإداري لسنة 1933، ومنذ وقتها، والقائد يجد ويلعب في البساط الذي رسمته له الحماية الفرنسية بالمغرب، في الفترة التي أعقبت إنهاء مهمة المقيم العام لوي هوبير كونسلاف ليوطي، إذ تميل كل الميل نحو الاستعمار المباشر، مباشرة مع تعيين المقيم العام ستيغ. وقد يسوء ذكر القائد في واحة تيعلالين بجبال الأطلس الكبير الشرقي، وواحة زيز الأعلى، لأنه استعبد الناس وسخرهم في ضيعاته بهضبة سدور، أو (أسدور) باللغة الامازيغية، [تعني أسدور المكان المحاط بالجبل من ثلاث جهات]، وسجنهم وشغّلهم تحت السياط. ولم يكن القائد شخصا مرغوبا فيه ابتداء من شهر يونيو من العام 1947 حيث شهد شاهد من أهلها أن القائد عدي مجنون، لذا أمر القائد العسكري الفرنسي بمركز الريش بتنحيته، فجرى تقسيم قيادته إلى ثلاث قطع، قيادة أوصاف وموحى عسو حطاب، ومشيخة امحمد أوخواواش. ويوم أعلن عن استقلال المغرب جيء به عاملا على إقليم تافيلالت الذي تشكل مساحته، يومها، ربع مساحة المملكة المغربية. ولم يمض على إعادة تمكينه سوى سنة ونيف حتى أحس من محيطه القبلي الدعم الوافر، فكان أن عبر عن صوته الذي نعت بالعصيان أو التمرد، وأنشئت لذكره صيغ جاهزة، «الفتان عدي وبيهي»، « عدي وبيهي المتمرد »، «عدي وبيهي وعصيان تافيلالت»، «عدي وسياق الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بالمغرب». وإن آخر تلك الصيغ عنوان كتاب «عدي وبيهي: العامل المتمرد» للأستاذ عبد الصمد الزاكي الذي نقف عنده بقليل من الملاحظة والتمييز. والكتاب في 151 صفحة، صدر، بما هو دراسة في مسارات النخب المغربية التقليدية من الحماية إلى الاستقلال، سنة 2015، وأصل «الكتاب بحث لنيل شهادة الماستر في تاريخ الزمن الراهن»، وتود الإشارة إلى أن إنشاء مسلك التاريخ الراهن كان تمرة توقيع اتفاقية الشراكة بين المجلس الاستشاري سابقا، المجلس الوطني حاليا، حول الاعتناء بالتاريخ الراهن في إظار مشروع تنفيذ توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة في مجال الأرشيف والتاريخ والذاكرة، والذي موله الاتحاد الأوربي، وبات يدعى اختصارا ب(IER2). وهذه الحقبة من تاريخ المغرب، وصفها الدكتور مبارك زكي كاتب مقدمة الكتاب المذكور، تتسم بغنى الحدث وبتأثيثها بفاعلين تاريخيين «شخصيات سياسية وعسكرية، لعبت أدوارا على مسيرة المجتمع السياسي المغربي، وما عرفه من تطورات منذ فجر الاستقلال، من هذه الشخصيات عامل إقليم تافيلالت عدي وبيهي الذي تمرد على السلطة الحكومية في يناير 1957».
ومما يميز عمل الأستاذ عبد الصمد الزاكي اعتماده «على جملة من المصادر المغربية والفرنسية والأمريكية التي تناولت تمرد تافيلالت من قريب أو بعيد»، يضيف الدكتور مبارك زكي. ولقد شكل ما يسمى «تمرد القائد عدي وبيهي» وعصيانه فرصة منتظرا انتهازها، أو على الأقل، فرصة مرغوبا فيها، مفادها في تقدير الدكتور زكي مبارك «تعزيز مكانة ولي العهد، وتبرير موقف المغرب الجديد من القوات الفرنسية» و«إضعاف حزب الاستقلال ودفعه إلى الارتباط أكثر بالمؤسسة الملكية لمواجهة تيار الحركة الأمازيغية الذي استغله المحجوبي أحرضان، والدكتور الخطيب لتأسيس حرب الحركة الشعبية الذي جعل من الدفاع عن البادة محور برنامجه السياسي».
حوى الكتاب مقدمة المؤلف وثلاثة أبواب، وكل باب استغرق فصلين، وختم الكتاب بخلاصة عامة والملاحق.
انطلق الكتاب من منعطف تاريخي «نفي السلطات سيدي محمد بن يوسف في غشت سنة 1953»، وهو الذي يسمى من بعد الملك محمد الخامس. وشكل نفيه «مرحلة جديدة في مسار تاريخ المغرب خلال مرحلة الحماية» الفرنسية بالمغرب.
ولئن كان أمد المرحلة قصيرا، أقل من سنتين فهو مؤثر أفرز «عدة قوى سياسية أثثت المشهد السياسي لما بعد استقلال المغرب» (مقدمة الكتاب، ص 5) يضاف إليها بروز «ملامح قوة سياسية» أخرى هي «الحركة ذات التوجه الأمازيغي» والتي رأى الأستاذ عبد الصمد الزاكي أن «من أبرز أعضائها: مبارك البكاي، والحسن اليوسي، وعدي وبيهي، والمحجوبي أحراضان، والقائد الطاهر أوعسو، وأمهروق قائد زيان» واستدرك المؤلف لحسن الحظ بالقول: «لا يوجد تعريف محدد يطلق على هؤلاء الفاعلين السياسيين» ، إذ إن «معظم الدراسات والمذكرات التاريخية التي تناولتهم لا تطلق عليهم تعريفا موحدا» فهي تارة حركة أمازيغية وتارة أخرى جبهة أمازيغية، وهم أعيان، وهم حلف القصر، ويطلق عليهم اسم القوة الثالثة. ويعنينا أن تلك القوى وإن غمض تحديدها مكون من مكونات الصراع الذي «ترتب عنه عدة أحداث وتوترات في السنتين الأوليتين اللتين أعقبتا استقلال المغرب، ولعل أبرز هذه الأحداث أحداث تافيلالت، أو ما يعرف بتمرد عدي وبيهي عامل إقليم تافيلالت في يناير 1957، إضافة إلى أحداث الريف 1958-1559) ». ذلك هو السياق الذي يندرج فيه الكتاب إن لم يكن يقتصر على نموذج واحد شخص واحد «نموذج لمسار النخب التقليدية التي واكبت مرحلتي الحماية والاستقلال» (المقدمة ص 7).
الكتاب «عدي وبيهي: العامل المتمرد» موثق لكنه لم يناقش المصادر التي اعتمد عليها مما يستوجب تعميق فعل القراءة فيه.
إن قبيلة أيت يزدگ التي ينتمي إليها القائد عدي وبيهي «إحدى أكبر الاتحادية القبلية الأمازيغية في ملوية العليا، وهي اتحادية أيت ياف المان» إن هذه الإشارة، وإن وردت ضمن مصدر مضمن في هوامش الكتاب فهي تختزل مجال الاتحادية في ملوية العليا بينما واقع الاتحادية مجالها يكاد يغطي كل الأطلس الكبير الشرقي وجزء من الانكسار الأطلس الجنوبي، بما في ذلك جزء من واحة بوذنيب، ومجال عرب الصباح. وأما الاقتصار على مجال أيت يزدك ذكره في عهد السلطان مولاي سليمان، أي: أواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن 19، بما هو مميز كالتالي: «تستقر قبيلة أي يحيى في منطقة «كردوس» أي: أغبالون كردوس، «وأيت حديدو في زيز العليا ما بين واد أكدو وأسيف ملول» وأسيف ملول هو، في الحال، رافد من روافد واد العبيد، «في حين كانت كروان تستقر بملوية في اتجاه ميدلت حاليا» (ص 13 من الكتاب)، وكروان ليست عضوا في اتحادية ايت ياف المان. «وقد كانت ايت يزدك تستقر في زيز العليا في اتجاه الريش وكراندو، بينما كانت ايت مرغاد تستقر في واد غريس» (ص 10).
ونسجل أن كراندو هو اسم لمعسكر فرنسي رقم 42 غير موجود في عهد السلطان مولاي سليمان كذلك مركز الريش، وأما هجرة ثلة من أفراد قبيلة أيت يحيى لتعمير ملوية العليا وزيز العليا فغائبة في الكتاب الذي لم يجر صاحبه بحثا ميدانيا للتعرف على المجال الجغرافي ومعلمة القبائل وتمثيلها كارتوغرافيا وفق مسار دياكروني، وأما الجدول الوارد في لصفحة 14 وان كان منقولا عن مقال الكاتب سعيد كنون فهو خاطئ ذلك أن أيت الثلث تضم أيت وليل وأيت يحيى وخليفة وأيت موسى وعلي وليس أيت مومو وعلي وأما ايت مومو فلا تنتمي إليها عشيرة أيت رهو بالمرة.
وأما علاقة أيت يزدگ بالمخزن فقد نقل الكاتب عن بيرون رواية كان أوردها الناصري في كتاب الاستقصاء في سياق تعيين إبراهيم سيمور اليزدكي من لدن السلطان عبد الرحمان بن هشام ولم يشر إلى أن الشيخ إبراهيم أعدم سنة 1854 إذ أشار إلى أن السلطان «قام بحبسه بسجن الصويرة إلى أن لقي حتفه» (ص 15) وهي إشارة لا أساس لها حسب ما ثبت لدينا. وصحح أنه منذ تلك الحادثة، التي أنجز عنها نتيجة الشيخ إبراهيم يسمور اليزدكي «توترت العلاقات بين المخزن والقبيلة وزادت الأمور تعقيدا بصعود ابنه محمد على رأس القبيلة» (ص: 15). ورُد ذلك في الرواية الشفوية، ذلك أن محمد بن إبراهيم يسمور فجر قصبة تمكناست بزيز العليا قتل هو وثلة من أصحابه وبعض الأعداء الذين حاولوا الهجوم عليه، ولا يزال آثار تمكناست المندرسة قائما، وتعني تامكناست بالأمازيغية القرية المتعاضدة والمحاربة، أوردنا هذه الأمور لإغناء الكتاب.
وأما حركة السلطان الحسن الأول إلى المنطقة سنة 1893 ففي حاجة إلى بعض التوسع في مواقفها.
وجد الأستاذ عبد الصمد الزاكي نفسه يواجه المنعطفات السريعة التي تمر بها القبيلة، منها ما يفرض عليها من خارج مجالها كنحو وقع سياسة ليوطي التجارية لما قدم إلى وهران سنة 1903، حيث «عمل على تغيير السياسة الفرنسية تجاه قبائل المنطقة» إذ رأى، نقلا عن روس دان في كتابه «المجتمع والمقاومة في الجنوب الشرقي المغربي» ما يفيد «أن تهدئة السكان الأصليين ليست مشكلة إستراتيجية المعركة». لذلك ود استبدال المراكز العسكرية بمراكز للاستقطاب فكان تأسيس مركز تجاري في بني ونيف، ومن ذلك احتلال بوذنيب الذي حسبه الأستاذ عبد الصمد الزاكي منعطفا مهما إذ صاحبته مجموعة من الوقائع أهمها إرغام السلطان مولاي عبد الحفيظ بأن يبعث رسائل «لقبائل الجنوب الشرقي المغربي بملوية العليا يطالبهم من خلالها بالكف عن عمليات الجهاد ضد الفرنسيين». وبإقناع أيت يزدگ وأيت سغروشن على الكف عن حمل السلاح انطلقت «المفاوضات باتفاق أعيان قبيلة أيت يزدگ سنة 1911 مع ضباط الشؤون الأهلية في گـرامة». ولئن نقل الأستاذ عبد الصمد الزاكي هذه المواقف عن روس دان فإنها في حاجة إلى تمحيص إذ لم تقتنع أيت سغروشن كلها بوضع السلاح فقد قاوم بطن أيت موسى المستعمر الفرنسي إلى حدود 1935، وأما أيت يزدگ فقد تخلت عن المقاومة بعد معركة مسكي سنة 1916. وفي هذه الأثناء، ما بين 1903 و1916، برزت أسرة بيهي نايت رهو وبسطت الحماية الفرنسية نفوذها على واحة تيعلالين وكير، ومدغرة والرتب.
ويأتي الفصل الثاني من الكتاب ليركز على أداء الحماية الفرنسية بمنطقة تافيلالت التي لم تتضح حدودها لدى الكاتب عبد الصمد الزكي، لأنه لم يزر المنطقة ولم يفضل تخصيص فصل لمجال الاشتغال، المجال الجغرافي الذي تغشاه الوقائع المضمنة في الكتاب. ونعتبر مجازا أن تافيلالت تمتد لتغطي حوض گـير وكل حوض زيز وحوض غريس وأعالي ملوية.
انتظم المجال المذكور ببعض التغيرات:
- نزوع قبيلة أيت يزدگ نحو وضع السلاح ابتداء من سنة 1916.
- ظهور جبهتين اثنتين مقاومتين: جبهة شمالية غربية تضم أيت مرغاد وأيت حديدو وأيت يحيى وجبهة جنوبية شكلها أيت عطا تمتد إلى درعة ودادس وتغطي تافيلالت.
- تجنيد القبائل الخاضعة لسلطة الحماية في نظام محلي يسمى بالأمازيغية الفزعة. وضمن هذا النظام الحربي برزت مهارات القائد عدي وبيهي، ومنح «ابتداء من سنة 1921 مرتبة قائد فزعة، وكان يبلغ من العمر 19 سنة» (المرجع نفسه ص: 24). ولئن كانت الحرب........ خادمة لانشغال فرنسا بحرب الريف، فإن الاهتمام بالجنوب نشأت... سخونة ترتفع بعيد سنة 1926 إذ «بدأت القوات الفرنسية تتحرك بهدف تهدئة المناطق غير الخاضعة، وكانت البداية مع ما تبقى [ما بقي مقاوما] من اتحادية أيت ياف المان» (المرجع نفسه، ص: 24).
وكلما انتصرت فرنسا في معركة ما، ارتقى القائد عدي وبيهي. فعقب الانتصار على قرية أگـديم يوم 03 من شهر يونيو من العام 1928 جرت "ترقيته إلى درجة قائد فزعة في منطقة تيعلالين» (المرجع نفسه)، ثم «رقي إلى درجة قائد فزعة ... بالقيادة المركزية للريش بتاريخ 15 غشت 1930» واستفاد القائد عدي وبيهي من التقطيع الإداري لسنة 1933 فأصبح قائدا يوم 22 من شهر أبريل 1933. وأورد الكاتب العلاقة السرية بين القائد عدي وبيهي والحركة الوطنية، وأشار الكاتب إلى توسيع قيادة القائد عدي وبيهي مع التقطيع الإداري ليوم 10 يوليوز من العام 1937 وتقطيع 23 غشت 1938 غافلا عن ذكر مجال قيادة حسن بن حمو الفرگــاني، وقيادة الحمزاوي، في وقت مبكر، قبل 1947. واكتسب القائد عدي وبيهي شهرة، وكسب دعم فقهاء المنطقة له لما أرسل أبناءه إلى الكتاتيب القرآنية راغبا عن إرسالهم إلى ملاحق المدارس البربرية [الأمازيغية] بالريش سنة 1942.
وتناول الأستاذ عبد الصمد الزاكي السياق الدولي والوطني في بداية عقد الأربعينيات من القرن الماضي والذي كان في صالح القائد عدي وبيهي إذ صار «وطنيا معروفا لدى الوطنيين والفرنسيين على حد سواء، وصار السلطان يقوم شخصيا بحمايته من بطش الفرنسيين، واستمر على هذه الحال إلى سنة 1947 عندما بعثت السلطان الفرنسية بلجنة للتحري في أمره والتحقيق معه» فكان أن وضعت اللجنة حدا لنفوذه (المرجع نفسه، ص: 32).
- شهدت المرحلة بعض التحولات من ذلك بناء مركز ميدلت سنة 1917، واكتشاف مناجم الرصاص سنة 1923 «بين قصر أحولي وواد أنسكمير من طرف شركة مناجم شمال أفريقيا» (المرجع نفسه، ص: 35).
- اشتهار المنطقة بالمعتقلات التي استقبلت الوطنيين.
- الاتصال الإستراتيجي بين واد زيز وتافيلالت وفاس ودور «زاوية سيدي بوكيل بالريش وزاوية سيدي حمزة بآيت عياش [جنوب شرق جبل العياشي] في نشر اللغة العربية في المنطقة حسب الباحث محمد بن هلال». وللتذكير فإن زاوية سيدي حمزة (الزاوية العياشية) تقع بالسفح الجنوبي الشرقي من جبل العياشي، قبل هجرة أيت عياش من محيطها.
يشكل نفي القائد عدي وبيهي إلى برشيد منعطفا ثالثا في مسار أسرة أيت رهو. وتوفق الأستاذ عبد الصمد الزكي في ربط مسار القائد عدي وبيهي بالمنعطفات التاريخية التي عرفها مغرب عهد الحماية الفرنسية، أو بمعنى آخر، فالمنعطفات التي عرفها مسار القائد، وضمنها مسار الأسرة تكاد تصادف فرصا إيجابية، وإن كان يحق النظر إليها، في البدء، بعين الكئيب الأعمد، فالقائد عدي، وإن كان يدرجه الأستاذ عبد الصمد ضمن أفراد «قوة سياسية جديدة إلى جانب باقي القوى السياسية الأخرى»، وهي «الحركة ذات التوجه الأمازيغي»، والتي سميت بمسميات متعددة استقاها الأستاذ عبد الصمد من مراجع متعددة (انظر الصفحة 42)، فإن نفي القائد عدي وبيهي لم يترك له أي مجال للقرار اتخاذه على التوقيع على نفي السلطان بن يوسف كما فعل بعض القواد. وبمعنى آخر، لم يمتحن القائد في الوقت المناسب في موقفه، من القصر، وإن كان هذا الأخير قد «فصل 30 فقط من عملهم» بما هم من أصل 420 قائدا وباشا، في فجر الاستقلال. ويعنينا أن للقائد عدي وبيهي خلاقا كبيرا لما صدر قرار «تعيينه عاملا على تافيلالت يوم 17 دجنبر 1955» (صفحة 54). والسؤال الذي يطرح نفسه: هل التزم القائد عدي وبيهي الحياد الذي من المفروض على رجل السلطة في إدارة الداخلية؟
أشار الأستاذ عبد الصمد الزاكي إلى بعض المواقف التي ترفع عنه كل حياد من حيث الممارسة السياسية الممهدة للعمل الحزبي، كنحو محاولة تأسيس حزب «التجمع من أجل الشعب»، وكانت للوقائع التي عرفتها «المرحلة الممتدة من شتنبر 1956 إلى يناير 1957»، والتي هي مخاض على الصعيد الوطني، أن دعمت «بقوة موقف حزب الاستقلال، ولأول مرة، على حساب «الحركة ذات التوجه الأمازيغي»»، وهو الموقف الذي نزلته لجنة نشأت تبحث عن خروقات العامل عدي وبيهي بأرفود والريش، وقصر السوق، ودعمت، فوق ذلك قوة موقف الاتحاد المغربي للشغل بمناجم ميبلاتن وأحولي، بمحيط مركز ميدلت، ضد العامل عدي وبيهي. وهناك موقف ثالث تجلى في إلغاء «دور المحاكم العرفية «بتعيين رئيس المحكمة الإقليمية بتافيلالت يوم الفاتح من شهر دجنبر من لعام 1956. وشكلت المواقف الثلاثة بداية عملية للتمرد والمتوجة بتنحية القائد عدي وبيهي ومحاكمته ابتداء من يوم الإثنين 22 من شهر دجنبر من العام 1958، وصدور حكم الإعدام في حقه، لكنه لم يكن مفعول لوفاة القائد عدي، لأسباب غامضة للآن، في المستشفى.
وختاما يشكل الكتاب «عدي وبيهي: العامل المتمرد» مرجعا تاريخيا للبحث في ماضي تافيلالت، وخاصة الشريط الجبلي من واد زيز وأعالي ملوية، لأنه موثق معتمدا مؤلفه على تقارير الفرنسيين، لكنه ناقص من حيث المراجع المحلية، والروايات الشفاهية، والضبط المجالي.