المعارضات الزاحفة إلى الرياض .. ماذا بعد ؟

بدر الدين شنن
2016 / 5 / 23

من البديهي أن يكون في الظروف العادية ، قوى وناس ، يختلفون مع الحكومة ، في هذا الصعيد أو ذاك ، أو يرغبون بإسقاط الحكومة ومفاهيمها ، وسياساتها ، لاعتبارات مبررة لديهم . وقد سميت هذه الأفعال والمفاعيل معارضة . وفي كل الأحوال العادية تجري المعارضة ، ضمن إطار الدولة ، ودون المساس بأي شكل كان ، بأمن وسلامة واستقرار الوطن . حيث تبنى جدلية السياسة على أسس ثلاث ( معارضة - حكومة - وطن ) . وفي التجلي الديمقراطي لهذه الجدلية ، تتعزز الوحدة الوطنية الاجتماعية ، ويرتفع شأن الوطن ويقوى ويزدهر .
أما في الظروف الاستثنائية الكارثية ، أو الحرب ، فإن المطلوب من المعارضة ، أن تعيد النظر في مواقفها وحساباتها ، والعمل جدياً ، للتوصل إلى وحدة الصف الوطني ، لتجاوز الظروف الكارثية ، أو الحرب . بمعنى أن تضم قواها إلى القوى التي تتحمل مسؤولية التصدي للأوضاع الحرجة التي تمر بها البلاد . وذلك بأن ، يصبح مصير الوطن ، هو أولوية الأولويات لدى الجميع .
ومن البديهي أيضاً ، لكي تتجلى الجدلية الثلاثية ( معارضة - حكومة - وطن ) بنجاح وتوازن ، ينبغي أن يسود البلاد مناخ يحترم الحقوق والحريات بعامة . وقد شكل ما تقدم لدى مختلف الشعوب ، قيماً وطنية وأخلاقية، لعبت دوراً أساسياً في الحفاظ على أوطانها ووجودها .

غير أن النجاح والتوازن في تحقيق هذه الجدلية في الحالة السورية لم يتحقق . إذ تم اختراق ، أو تجاوز ، المناخات المطلوبة للتفاعلات السياسية المتطورة المتمدنة ، لارتقاء البلاد نحو الأفضل . وذلك من قبل طرفي الصراع ( حكومة - معارضة ) منذ الاستقلال حتى 2011 . فمن جهة مارست أطراف معارضة .. عسكرية .. وإسلامية .. وقومية .. العنف . ومن جهة ثانية رد النظام على ذلك بعنف أشد . ما أوصل البلاد إلى التردي بالمجمل وإلى الخواء السياسي ، الذي راكم عوامل الأزمة الداخلية ، وجعل منها لاحقاً أداة تسويغ للحرب العدوانية الإرهابية على البلاد ، وما أدى إلى وضع الطبقة السياسية السورية أمام امتحان المصير الذاتي والوطني . ووضع سوريا كلها رهينة الصراعات والمصالح الدولية .

ونحن الآن نكابد من تراكم أخطاء وخطايا الماضي ، التي تظهر على حقيقتها البشعة في الحرب الطاحنة المفروضة ظلماً علينا ، والتي من أسف ، تستمر في عملية بشعة أكثر ، من خلال مواصلة الانقسام الوطني ، والخواء السياسي ، بل واستدعاء الخارج للمشاركة في دحر الآخر ، والعبث بالوطن . فيما إنقاذ البلاد من الغزو والعدوان الهمجي ، يتطلب مساراً مغايراً .
بمعنى أنه إذا كانت الحكومة ومؤسساتها ، لاسيما العسكرية والأمنية والإدارية ، مطلوب منها .. وقدرها .. أن تواجه ما تتعرض له البلاد من عدوان ، ويحدد دورها المركزي في سيرورة الحرب ، والبحث عن سبل دحر الغزاة ، فإن من يصنفون أنفسهم معارضة .. أو معارضون .. مطلوب منهم أيضاً .. وقدرهم الوطني والأخلاقي أيضاً .. أن يتحملوا مسؤوليتهم في حماية الوطن ، ومواجهة أعدائه والغزاة لأرضه . أي نقل السلاح من كتف إلى كتف .. والانضمام إلى الخندق الوطني المشترك .. الواحد .. وتصويب النار على الغزاة .. الذين يفتكون بوطنهم وشعبهم .

لكن هذه المعارضة ، والمعارضون ، بإيجاز شديد ، لم يلبوا عملياً وواقعياً ، ما هو مطلوب وطنياً منهم . وظلوا على معارضتهم .. وعدائهم المزمن للحكم القائم . وبعضهم حول المعارضة السياسية إلى تمرد عسكري إجرامي دموي .
والأكثر التفاتاً في فعل هؤلاء إجمالاً ، هو تفويض الخارج ، والتسليم الكامل ، بما يقرره في الشأن السوري ، إن في مجريات الحرب .. أو تقرير المصير السوري . مع معرفتهم التامة ، أن ما يفعلونه يصب في صالح الغزاة . ما يهمهم هو إضعاف النظام وإسقاطه .. وإن طالت الحرب المدمرة .. وإن سقط المزيد من الضحايا .

هذا المشهد كان يتدرج على مراحل ، ما قبل ظهور التوافق الروسي الأميركي .. الذي بدأ يبرز ، بشكل أو بآخر كقطبية دولية ثنائية نافذة ، وما قبل تطبيق الهدنة ، التي سميت وقف العمليات القتالية في سوريا ، على أمل أن يسرع ذلك بإنجاز " الحل السياسي " الأميركي الروسي ، الذي اعتبره البعض ، انحيازاً للرأي الأميركي المطالب ، انسجاماً مع دول إقليمية ، برحيل النظام السوري قريباً . والذي فتح المجال للحلم بتحقيق هذه الطموحات ، هو تكليف " مؤتمر فيينا 3 " الخاطئ ، للمملكة السعودية ، بعقد مؤتمر للمعارضة السورية في الرياض ، لتشكيل وفد المعارضة التفاوضي مع ممثلي الحكومة السورية . ما فهمه البعض ، أن من تقبله المملكة في المؤتمر ، ويسير بركابها ووفق رغباتها ، سوف يحظى بنصيب من كعكعة الحلول للأزمة السورية . وعليه برمج تطلعاته وتحركاته المقبلة .

ونتيجة لهذا التصور العجول ، وقعت بعض قوى المعارضة ، وخاصة تلك التي قبلت إعادة تموضعها ، والانضمام إلى مجموعة المملكة ، في فخ تحويلها إلى ورقة من أوراق لعبة المفاوضات والحل السياسي .. التي ستديرها فعلاً أميركا واللاعب السعودي العابث عادل الجبير .
وبذلك بورك التدخل الخارجي .. وتم قبوله كولي أمر مطاع ، رغم أن عدداً من رموزه كشفوا ، أن كل ما جرى في سوريا ، هو فعل خارجي ، وليس تلبية لاستغاثة السوريين ضد نظامهم الحاكم . أي أن التفاوض ، وما قد ينتج عنه ، سيكون بقيادة الخارج ولصالحه ، ولصالح القوى الإقليمية التي تنسق معه .. وليس لصالح السوريين .
وهنا لابد من التذكير بتصريحات وزراء خارجية ألمانيا والنمسا وأميركا الأخيرة :
= قال وزير خارجية ألمانيا لجريدة " دي فيلت " الألمانية " . إن الأزمة السورية لم تكن من البداية داخلية " .
= وزير خارجية النمسا المضيفة لمؤتمر المجموعة الدولية لدعم سوريا قال قبيل ا لمؤتمر : " إن ما يجري في سوريا هو حرب دولية بالوكالة " .
= وزير خارجية أميركا بعد انتهاء المؤتمر قال : " إن على الدول الإقليمية أن توقف العمل بأجنداتها الخاصة بسوريا " .

الأكثر التفاتاً في هذا المنحى ، هو النقلة اللاعقلانية ، التي قامت بها هيئة التنسيق السورية المعارضة ، التي كانت تتفاخر بتمثيلها معارضة الداخل ، وبعدم علاقتها بالخارج ومخططاته المشبوهة ، والتي تمثلت ، ليس بقبول الاشتراك بمؤتمر الرياض ، على خلفية أن المملكة السعودية قد فوضها " اجتماع فيينا 3 " بعقد مؤتمر للمعارضة في الرياض ، وحسب ، بل والاشتراك بما سمي " الهيئة العليا للمفاوضات " بقيادة قوى ورموز سعودية وإقليمية معادية معروفة . ومن ثم ليس تسويغ هذه النقلة وحسب ، وإنما إجراء نقلة سياسية تكاد تكون مطابقة لما تطرحه المملكة السعودية وتركيا وأميركا ، في مجالات المطالب التفاوضية ، والمستقبل السوري . ، وتجاوزت ما كان يطرحه رئيس هيئة التنسيق ، في حواراته السياسية الإعلامية ، لاسيما التلفزيونية الفضائية .

وقد جاءت هذه النقلة في متن بيان المكتب التنفيذي لهيئة التنسيق ، الصادر في 14 / 5 / 2016 ، الذي سجل عدداً من النقاط اللافتة الهامة :
* التأكيد على أهمية مؤتمر الرياض ، وما نجم عنه من " هيئة عليا ووفد " تفاوضي بمشاركتنا " واعتباره الطرف " الأساس " في العملية التفاوضية .
* دعوة " جزء " فقط من مؤتمر موسكو . و" جزء " فقط من منصة القاهرة للتفاوض .
* التأكيد على هيئة الحكم الانتقالي المتمتعة بصلاحيات كاملة ، بعد انتقال دستوري " سريع " ينهي النظام الحالي ورموزه وأركانه .

لم يذكر البيان ، لماذا دعوة " جزء من مؤتمر موسكو ، وجزء من منصة القاهرة ، فقط ، وكم هي نسبة هذا الجزء . ولم يذكر البيان شيئاً عن دعوة الكرد للتفاوض شأن كل السوريين . ولم يشر بأي شكل لقوى معارضة أخرى موجودة في الداخل . وفي سياقه العام أثار سلسلة من التساؤلات منها :
من الذي يتمتع بشرعية تشكيل هيئة تمارس دور الدولة كاملاً في سوريا . وممن ستشكل هذه الهيئة .. ولماذا أهمل دول الشعب في هذا المسار الانتقالي .. وهل تحل قرارات المجموعة الدولية لدعم سوريا ، المؤلفة من 12 من أصل 17 دولة معادية لسوريا ، وأكثرها يقدم الدعم المالي والعسكري علناً للغزو والإرهاب الدولي ، تحل محل الآليات الديمقراطية .. وكيف يستوي الإعلان المسبق بإنهاء النظام وكافة رموزه وأركانه مع التفاوض معه ، لإقامة عهد جديد يتمكن من حشد كل الطاقات لإنقاذ البلاد .. وهل يمكن من خلال إقصاء النظام الكامل بمؤسساته ورموزه وأركانه ، أن تجري مفاوضات ناجحة معه .. أو يمكن أن يتعاون مع أطراف أخرى في عملية المفاوضات .. وهل هكذا رؤى تحقق وحدة القوى في أشد الظروف خطورة تمر بها البلاد .. وأخيراً .. وفي التموضع الجديد لهيئة التنسيق في مؤتمر الرياض وهيأته العليا ، برعاية المملكة السعودية وأميركا ، وتحت قيادة عادل الجبير ورياض حجاب . أين الهيئة الآن ، فعلاً ، من موقعها التاريخي .. ممثلة للمعارضة الوطنية الديمقراطية في الداخل .. ؟؟؟ ..