الكورد وقضية الإستفتاء

جعفر المظفر
2016 / 5 / 21


يكاد لا يمضي يوم واحد دون أن يعلن البارزانيون نيتهم إجراء إستفتاء شعبي عام حول قيام الدولة المستقلة عن العراق, ولا أدري ما الذي يؤخرهم عن ذلك, خاصة وأن الطرف العربي العراقي هو الآن بحالة يرثى لها بحيث لا يستطيع ان يفعل الكثير في مواجهة أمر قيام هذه الدولة فيما لو أعلن عن تأسيسها.
إن كثرة الحديث عن أمر ما قد يكشف عجزا عن التنفيذ وقد يعطي دلالات على انه بات مطلوبا لغير الغاية التي يعلن عنها. هذا ما أكدت عليه أحزاب كوردية كالإتحاد والتغيير والإسلاميين حينما اشاروا إلى أن التهديد بالإستفتاء يأتي لغرض التعتيم على المشاكل الكثيرة التي يعاني منها الإقليم وفي المقدمة منها المشاكل الإقتصادية والأزمة التي خلقها رئيس الإقليم بسبب إصراره على البقاء في منصبه رغم إنتهاء المدة القانونية خلافا للدستور. وثمة من يؤكد أن هذه المناورة ستكون لها أضرارها الحقيقية وخاصة على مستوى التراجع عن حلم بناء الدولة من جهة وخسران المكاسب التي يحققها الخوف من الإنفصال الكردي يوم يتأكد العجز عن تحقيقه, كما أن إجراء الإستفتاء, دون القدرة على الشروع بعدها للعمل بنتيجته سوف يضعف الزعامة البارزانية كثيرا. هؤلاء محقون دون أدنى شك لحجم الخسارة التي بدأت تواجهها عملية تسويق التهديد بالإنفصال خاصة بين أوساط الكثير من العراقيين العرب الذي أصبحوا هم أنفسهم من يطلب الإنفصال عن الكورد. والأمر الذي لا يمكن نكرانه هو أن بعض القيادات الشيعية نفسها لا ترفض مشروع الدولة الكردية إهتماما منها بقضية وحدة العراق بل تناغما مع الموقف الإيراني الرافض للمشروع نتيجة إنعكاساته السلبية على وحدة إيران ذاتها. أما الزعامات السنية العراقية فلا أعتقد ان لديها القدرة على إتخاذ قرار خارج مساحة القرار التركي بهذا الشأن.
بمعزل عن رأي تلك الزعامات التابع للقرار الإقليمي والدولي فإن غالبية الشعب العراقي اصبحت خارج مساحة الهوى مع الأكراد, وهو مستعد حاليا للقبول بدولة عراقية وأخرى كردية تشكلها المحافظات الثلاث في حين يتم تحديد موقف ما سمي بالمناطق المتنازع عليها تحت إشراف الإمم المتحدة.
هل تشارك الأحزاب الكوردية الأخرى البارزانيين مشروع الإستفتاء ؟ لا أعتقد ذلك, فثمة تحركات معلنة أتاحت لنا معرفة رأي بقية القيادات الكردية التي تعتقد أن تفعيل قضية الإستقلال في هذه الفترة يأتي لخدمة القيادة البارزانية وليس من واقع الوفاء الحقيقي للحلم الكوردي المشروع, وهذا ما تبين بعد الإتفاق الأخير الذي تم بين الطالبانيين وحركة التغيير.
بغض النظر عن الموقف الكوردي التاريخي إزاء مشروع إقامة الدولة, فإنه لا يمكن تجاهل حقيقة أن التبشير به حاليا صار وسيلة صراعية سياسية بينية أكثر منه مشروعا عقائديا قوميا, بل أن من الحق النظر إليه كخطوة للهروب من الأمام أكثر مما هو حصيلة لنضال تاريخي قد أثمر سياقيا ونضج بشكل طبيعي وصار من الحق قطف ثماره, اليوم وليس غدا.
تفعيل مشروع الإستقلال الكردي الذي يقوم به السيد البارزاني في وقته الراهن لا يمكن فصله عن معركتين اساسيتين, أولهما الصراع الخافت حاليا بين مجموعة سليمانية (الطالبانيين) ومجموعة أربيل (البارزانيين), وهو صراع ليس بالجديد. أكثر مشاهده سخونة الحرب التي دارت رحاها بين الطرفين منتصف التسعينات والتي قارب الطالبانيون خط النصر فيها لولا إستنجاد البارزاني بعدوه صدام حسين. أما بقية القصة فمعروفة إذ نجح صدام بطرد الطالبانيين من أربيل وإبقاء مسعود أميرا عليها, ولولا الإحتلال الذي هيأ الساحة الكردية لمعطيات مختلفة, ومنح الزعماء الأكراد فرص الفوز بالجائزة الكبرى التي قبلت القسمة على إثنين لرأينا الصراع يتجدد باشكال مختلفة وبدوافع متباينة.
على المستوى الشخصي خاض البارزاني معركة منع المالكي تجديد وظيفته لأكثر من دورتين, لكنه لم يتردد بعدها أن يخوض معركته البينية مع منافسيه الأكراد تحت شعار (الماننطيها), وهو مستعد, ربما اكثر من المالكي, لفتح أبواب الجحيم فيما لو إنعدمت أمامه فرص تصريف الماينطيهه بطريقة مرضية