حول مفهوم -يوم الدينونة- في فكر محمود محمد طه

الطيب عبد السلام
2016 / 5 / 21

حول مفهوم القيامة في "فكر" محمود محمد طه.
******************
مفهوم و معتقد يوم القيامة او يوم الدينونة في الاسلام مبني على فرضية الخير و الشر و "الميزان" الذي يزن بين الخير و الشر و هو مفهوم بحاجة الى كثير من التعمق لأن قضية الخير و الشر قضية ثقافية و ليست قضية نهائية و لكن فلنفترض ان كل البشرية صارت مسلمة و نطقت العربية و تأست بثقافة البدو الرعاة في صحارى شبه الجزيرة بهذه الفرضية فأننا ننتقل للقول بأن يوم المعاد مبني على فكرة الثواب و العقاب و الميزان و هي صور تبسيطية تقريبية بموجبها يفكر المخطئ الف مرة قبل الاقدام على خطئيه و يستعجل المحسن للتعجل بالاحسان "خير البر عاجله".
من هنا نستنتج ان معتقد القيامة الذي تبناه الاسلام يقوم على فكرة منهجية واضحة و بسيطة تجعل العقل البشري عاملا بمنطقي الثواب و العقاب متدخلا بذلك الوسطاء الروحانيون بينهم و الله فظهرت صكوك الغفران في المسيحية و اولياء الله في الاسلام كسماسرة يزعمون انهم قادرون على ترجيح الميزان و ارباح البيعه.
هذا هو مفهوم القيامة في الفكر الاسلامي العادي لكن ما هو مفهومها في فكر محمود محمد طه ذلك الاسلامي الاصلاحي الذي احدث في الاسلام تجديدا جوهريا يطابق ما احدثه مارتن لوثر في المسيحية و ظهور النسخة الاكثر عقلانية للمسيحية باتجاه الخلاص العقلاني النيتشوي الاكبر.
ذهب محمود محمد طه لانسنة تلك العبادات و جعلها تصب لصالح ارتقائيها بالسلوك الانساني الاجتماعي ملغيا بذلك مفهوم "الورثة" الذي ينتظره المسلمون ليرثوا جنة الله نظير ما جمعوه و كوموه من حسنات فصارت الصلاة بذلك "معراجا للعبد الى ربه" فاصبحت من مجرد و سيلة بدائية لادرار الحسنات صارت طريقا الى معرفة الله و مفهوم الله لدى محمود يتقارب مع مفهوم الانسان بأنك في طريقك الى الله انما انت في طريقك الى نفسك متأسيا بقول الرسول في الحديث القدسي "ما وسعتني ارضي و لا سمائي انما وسعني قلب عبدي المؤمن" اذا فمحمود يضع الانسان و الله كتابع الاثر في الصحراء تماما كما تقول الاية "يا ايها الانسان انك كادح الى ربك كدحا فملاقيه" و الله هو المطلق و الانسان هو النسبي و النسبي به شئ من صفة المطلق كونه صادر منه "وفقا لمحمود".
من هنا نصل الى ان مفهوم الله مفهوم عقلاني اكثر من كونه غيبي ميتافيزيقي و لكنه عقلاني متشح بالجانب الا عقلاني فاهمين جدا ان الا عقلاني هو تمظهر للعقلاني.
و ما ينطبق على الصلاة ينطلق على بقية العبادات عبر اخراجها من مجرد كونها سلع تشترى بها الحسنات الى قيم تهذب السلوك البشري و تربيه ليخالط الناس بالادب الجم و التصالح الكبير مشغولا باصلاح نفسه عن الوصاية على الاخرين فاهما ان عبادته انما يعملها من اجل ان يربي نفسه و يجبلها على احترامهم فتعود بذلك فائدتها عليهم اولا و اخيرا.
و يذهب محمود الى ما هو ابعد من ذلك فيكون تصوره عن مفهوم العقاب و الثواب في يوم القيامة هو بمثابة الاكمال و الاتمام للجزاء الذي نالوا جله في حياتهم متأسيا بالاية "اللهم اتم لنا نورنا" فيكون يوم القيامة في تصوره محض تتويج رمزي للعمل الطيب الذي بذله الفرد في حياته لأنه قد نال جزاء صلاته و تعبده في حياته و يقول محمود في معنى ذلك "اذا كان الرسول يطالبنا باداء الاجير اجره قبل ان يجف عرقه فكيف بالله؟؟ اليس حري به مكافأتنا في التو و في الأن "هاك بهاك".
و بذلك ندرك ان محمود قد أنسن العبادات لتتعكس في سلوك الانسان و في تهذيبه فصارت بذلك من سلع تشترى بها الحسنات صارت الى كونها فعلا انسانيا يريض الانسان على معاشرة الناس بالحسنى بل و ادوات للتأمل و السمو النفسي في التصالح مع الموجودات
من هنا نشعر ان مفهوم القيامة و المعاد هي مغيبه و مخففه في الفكرة الجمهورية بل ان محمود يذهب لمفهوم الصيرورة المستمرة و الحركة الدائمة للحياة كما يصرح قائلا ان اهل البرزخ سائرون الى الله في برزخهم و ان الحياة في حالة من "العود الابدي" وفقا لفردريك نيتشه.
بل و تذكر لنا احدى المرويات عن محمود ان احدهم سألهم عن يوم القيامة فقال له ان يوم قيامتك هو يوم موتك.
و بذلك نلغي عن اظهرنا ذلك العبء المرهق من كتب التراث الغارقة في الخيالات المادية الشهوانية حول فكرة يوم القيامة و اهواله و الحور العين و انهار الخمر الى جعله يوما للعدالة الالهية في منح المؤمنين اوسمة الخدمة الممتازه.

***********
للمزيد من القرأة حول مفهوم العبادات لدى محمود راجع كتاب رسالة الصلاة.