عمدة لندن الجديد، مسلم أم علماني؟

رفعت عوض الله
2016 / 5 / 20

عمدة لندن الجديد، مسلم أم علماني؟!‏
مؤخرًا رشح حزب العمال الانجليزي أحد أعضائه الذي له دور وأثر ملموس وشعبية في أوساط المجتمع البريطاني لمنصب ‏عمودية العاصمة لندن.‏
هذا الرجل هو ابن لمهاجر باكستاني مسلم، ومع ذلك فاز على مرشح حزب المحافزين الذي هو انجليزي أبًا عن جد، فضلاً ‏عن كونه مسيحيًا.‏
بالمقاييس الشرقية المعمول بها في بلادنا لا وجه للمفاضلة بين مرشح هو من المواطنين الأصليين بالإضافة لكنه يتبع دين ‏الأغلبية وهذا فارق ضخم يصب بمعاييرنا في صالح ذلك المرشح، ومرشح ليس من المواطنين الأصليين، فهو ابن لوافد ‏شرقي يتبع دينًا هو دين أقلية بالمجتمع الانجليزي. لذا من منظورنا الشرقي كان منتظرًا أن يُمنَى هذا الأخير بهزيمة قاسية، ‏ولكن العكس هو الذي حذث فابن المهاجر الباكستاني المسلم فاز وأصبح عمدة واحدة من أهم المدن الأوروبية على الإطلاق ‏‏(مدينة لندن عاصمة بريطانيا).‏
عندنا في مصر وفي غيرها من الدول التي تقول عن نفسها أنها دول إسلامية رغم أنه لا يجوز وصف دولة بالإسلامية أو ‏المسيحية أو بأي دين لأن الدين هو دين للأفراد والشعوب وليس للدول. أقول في مصر وفي غيرها هلَّل البعض لفوز صادق ‏خان ذي الأصول الباكستانية المسلم بمنصب عمدة لندن، وعدُّوا الحدث نصرًا للإسلام والمسلمين.‏
رد الفل هذا يذكرنا ببطل الملاكمة الأمريكي الزنجي "كلاي" الذي اعتنق الإسلام في إطار حرية العقيدة في المجتمع ‏الأمريكي العلماني فركز العرب والمصريون على كون بطل الملاكمة مسلم كأن كونه أصبح مسلمًا أهَّله للفوز على منافسيه!!‏
في غمرة الفرحة والزهو بالبطل الرياضي المسلم نسي الجميع أو تناسوا أن الذي صنع البطل هو موهبته وتدريبه وقوة ‏ساعديه وإصراره على الفوز وليس إسلامه فالدين لا يخلق بطلاً رياضيًا!!‏
شعوبنا المهووسة تهلل وتملأ الدنيا صخبًا وضجيجًا احتفاءًا بكل ما هو إسلامي!!‏
نعود لصادق خان عمدة لندن الجديد، هذا الرجل فاز بمنصبه الكبير، وهزم منافسًا من وجهة نظرنا ووفقًا لتقاليدنا وما هو ‏معمول به في بلادنا هو الأقدر وهو صاحب الفرصة الكبيرة في الفوز، ولكن معاييرنا وتقاليدنا وما هو معمول به عندنا ليس ‏له قيمة واعتبار في المجتمع الانجليزي ولا في كل المجتمعات التي تقول عن نفسها بصدق أنها مجتمعات حديثة.‏
صادق خان البريطاني الباكستاني المسلم فاز في سباق محكوم بمعايير الكفاءة والمواطنة والمساواة والعلمانية .‏
في القرن الثامن عشر ذهب الفيلسوف الانجليزي "جون لوك" إلى أن الدولة ليس من مهامها أن تُعِّد الناس للذهاب للسماء أو ‏الجنة بعد الرحيل من الأرض، وإنما مهمتها أن تدير شئون ومصالح الناس الدنيوية، وأن تعمل على تطويرها وترَّقيها. وهذا ‏يعني وقوف الدولة على الحياد في قضية الدين، فالدولة بوصفها كيانًا اعتباريًا ليس لها دين ولا يعنيها أن يكون الناس ‏مسلمين أو يهود أو مسيحيين أو بغير دين. كل اهتمامها هو رعاية شئون ومصالح الناس ومنها الشئون الدينية فتوفر حرية ‏العقيدة وحرية العبادة وتحفظ حق كل طائفة دينية في بناء دور العبادة الخاصة بها، وتمنع بالقانون تَغوُّل طائفة كبيرة على ‏أخرى صغيرة. وهذا يعني مفهوم المواطنة فالفرد لأنه مرتبط بأرض الدولة وحائز على جنسيتها هو مساوٍ في الحقوق ‏والواجبات لكل مواطن آخر ولا مجال للتمييز الديني أو العرقي أو الطبقي فالكل متساوون.‏
هذه هي روح الحداثة التي تحكم الدول والمجتمعات الحديثة، وهي التي فتحت الباب على مصراعيه أمام شخصية صادق ‏خان الانجليزي الباكستاني المسلم ليصبح عمدة لندن على معيار الكفاءة والمواطنة والمساواة والعلمانية.‏
يأتي هذا الحدث الجميل فيعيد للذاكرة مشاهد محزنة من الواقع المصري المُر، فلن ننسى قول الرئيس السادات: "أنا رئيس ‏مسلم لدولة مسلمة"‏
ولن ننسى في حكومة م. عصام شرف بعد خلع مبارك حين عينت الحكومة محافظًا مصريًا مسيحيًا لمحافظة قنا خرج ‏السلفيون وعامة الناس وقطعوا خط السكة الحديد فأزعنت الحكومة وتراجعت عن تعيين المحافظ المسيحي.‏
ولن ننسى رفض طالبات مدرسة صناعية بالمنيا تعيين مديرة مسيحية بمدرستهنَّ فأزعنت وخضعت الوزارة والإدارة.‏
هذه مجرد أمثلة قليلة لواقع عام مظلم ينتمي للعصور الوسطى حين كان الدين هو الحاكم للعلاقة بين الحاكم والرعية، فمن ‏كان على دين الدولة والسلطان كان له الإمتيازات ومن كان على دين آخر كان له التمييز ضده والتهميش بل والإضطهاد، ‏تلك الروح المظلمة التي تحكمنا من قبور العصور الوسطى الظلامية مازالت تحكمنا وتتحكم فينا وتحكم سلوك وفعل ‏المسئولين والناس.‏
ننظر للغرب العلماني ونتحصر ونقول بنفسٍ مُرَّة: متى نرى عندنا ما عندهم؟!‏
صادق خان البريطاني الباكستاني المسلم صار عمدة لندن لأنه هو والمجتمع والناس هناك علمانيون.‏

رفعت عوض الله
كاتب وباحث