النظام السياسي في العراق يتقاسم مع داعش مسؤولية الجريمة

جعفر المظفر
2016 / 5 / 18

النظام السياسي في العراق يتقاسم مع داعش مسؤولية الجريمة
جعفر المظفر
الجدال حول ما اذا كانت الحكومة، او احد أحزابها، على علاقة بداعش، قد ينتهي الى تبرئة النظام من مسؤولياته الأساسية كونه الجهة التي يجب ان تحاسب على فشلها في إدارة الملف الأمني وإصرارها بعد ثلاثة عشر سنة من المذابح على الإستمرار في سدة الحكم.
قد لا تكون للحكومة علاقة او صلة تنظيمية بداعش, أو قد تكون, ورغم أهمية الوقوف أمام ذلك, إلا ان الإنشغال به قد ينسينا حقيقة أن عجزالنظام المستمر عن حماية الناس يجعلها شريكة مع داعش وغيرها من قوى الإرهاب في جريمة قتل العراقيين.
إن البحث في (موسوعة داعش) هو من صلب مهام المثقفين الوطنيين, ومع أن من واجبات الحكومة في العراق بناء الحالة الأخلاقية والسياسية التي تجفف المنابع الفكرية والسياسية لداعش, إلا أن عجزها الأمني المستمر عن تحجيم مساحة الإرهاب في العراق وأهواله يكفي وحده لمحاسبتها قانونيا وتوجيه الإتهام لها كشريك في الجريمة التي يصنعها إثنان, حاكم منحرف طائفي فاسد أو جاهل على جهة وإرهابي مضلل على الجهة الأخرى..
من الحق أن مجابهة هذه الظاهرة يجب أن يتم من خلال فهمها أولا, وداعش بكل تأكيد ظاهرة سياسية وفقهية قبل ان تكون ظاهرة أمنية, ولهذا فإن من العبث والتضليل الذهاب للبحث عن داعش, في داعش وحدها, وتجريم مؤسيسيها وفكرها وعقيدتها الدينية والسياسية دون الوقوف بشكل رئيسي أمام مجمل الظواهر والسياسات والثقافات التي ساعدت على التأسيس والنمو والنضج والإنتشار.
ومن المحتمل أن قضية داعش لم تعد تخلو من ألعاب مخابراتية قد يشترك بإدارتها الخصوم والأضداد ضد بعضهم البعض.
فهناك من يتهم إسرائيل وأمريكا بقضية التصنيع, وبالإمكان الخوض نظريا ببعض التكهنات التي قد تفضي بالنهاية إلى خلق قناعات لا تخلو من الصحة, على الأقل لمن يساند هذا الرأي.
على الجانب الآخر هناك من يتهم إيران كونها هي التي صنعت داعش وقبلها القاعدة, ويذكرنا هنا بحقائق تساند رأيه هذا مثل وقوف النظام الإيراني وحليفه النظام السوري بعد الإحتلال مباشرة بتسهيل وصول العشرات من مجرمي القاعدة الذين قاموا بتفجير أنفسهم وسط العشرات والمئات من العراقيين الأبرياء. تركيا أيضا متهمة بالوقوف خلف داعش, بل لعلها كانت الممر الآمن لعبور آلاف الإرهابيين الذين وفدوا إلى سوريا من مختلف أصقاع الدنيا, والهدف هو ضرب الخصم السوري وإضعاف الأكراد ومنعهم من تحقيق إنتصارات قد تكون ذات مساس بالأمن القومي التركي.
السعودية موطن الفكر الوهابي التكفيري سواء على مستوى النظام أو على مستوى المجتمع, وهي المسؤولة مع قطر وكثير من إمارات الخليج بتجنيد المئات من مقاتلي هذا التنظيم للحرب في سوريا. أما إبتعادها, في العلن, عن دعم جبهة النصرة فهو قد أتى اخيرا بضغط من أمريكا التي اصاب سياستها تجاه الحرب في سوريا بعض التغيير, ويمكن التعرف على أن النسبة العظمى من مقاتلي داعش هم سعوديون.
الخوض إذن بحكاية داعش من يقف وراءها, فقها وتأسيسا, لا يغطي على حقيقة أن داعش اصبحت في النهاية لعبة مخابراتية تشترك فيها معظم الأجهزة الدولية والإقليمية المخابراتية بحيث يمكن توقع أن لكل جهاز مخابرات داعشه الخاص به. ولعل الساحة العراقية معنية بهذا الحديث, مثلها مثل السورية, لأنها على مستوى كبير ساحة لصراع مخابراتي دولي وإقليمي مفتوح, وليس هناك فيه قوة سياسية أو مليشيا غير مدعومة من قبل دولة أخرى.
إن من الحق الشك بإمكانية أن تكون لبعض القوى المتنفذة في النظام السياسي الحالي داعشها الخاص خاصة بعد أن راحت الإعمال الإرهابية تتصاعد مع تصاعد حدة الخلافات السياسية بين القوى وكأنها تأتي لمعاقبة البعض, وهنا الصدريين, على تظاهراتهم الأخيرة ضد النظام وخروجهم عن بيت الطاعة الإيراني, لكن ذلك الشك لن يلغي إحتمال أن تكون النسخة الأصلية من داعش هي التي راحت تستثمر تصاعد المواجهة السياسية بين أطراف البيت الشيعي لإحداث المزيد من الإرباك الذي من شأنه تصعيد تلك المجابهات وإيصالها لحالة الحرب المعلنة.
وإنما قد تؤدي طريقة التركيز على ذلك, مع جواز الخوض به وأهميته, إلى التقليل من شأن الفشل الأمني المتكرر للنظام السياسي وكفايته كدليل إدانة ضد النظام, كونه, اي النظام, وعلى اساس عجزه الأمني المفسر بإتجاهات عدة, شريكا أساسيا في جريمة الإرهاب, سواء غابت علاقته التنظيمية به أم حضرت.