المصور إحسان الجيزاني والسياب

سلام إبراهيم
2016 / 5 / 18

المصور إحسان الجيزاني والسياب
لما قرر إحسان السفر إلى البصرة بحثا عن السياب حمل كامرته في حقيبته الجلدية وأستقل سيارة الأجرة. في الطريق البري الطويل النازل صوب الجنوب من بغداد راح يتأمل المدن الرثة والقرى التي بلون التراب بوجوه بشرها الترابية الحزينة الكابية المحدقة نحو الأشياء بعيون لامعة تحكي قصتها بصمت. تمنى لو مرّ على الوجوه وجها.. وجها ليحرز في عدسته ذلك الألم الغائر في العيون، في البشرات، في رسم الأصابع، في إيقاع الخطو المتثاقل، الطريق أصبح أكثر طولا وأرتل القوات المحتلة النازلة والصاعدة من وإلى البصرة لا تنقطع، حيث يتوقف السائق مستريبا من الموت الكامن مرددا كلما تتقلص المسافة بينه وبين تلك العربات المصفحة والدبابات:
ـ الله يستر!.
ويبدأ بسرد قصصا عمن قتلوا في كل سيارة تقترب من رتلٍ.
لم يتوان إحسان. أخرج كامرته وصور وجه السائق السارد ووجوه الركاب المنصتين، ثم حزم كامرته وراح ينصت مرددا مع نفسه:
ـ وجدت عراقيَّ الكل يسرد فيه والكل يستمع لقصصٍ الموت والقتل والخطف والخراب.
القصص متشابهة تفضي إلى القتل وآسف الراوي على انحدار الإنسان إلى ذلك الدرك السافل غير المسبوق بالنسبة للعراقي حتى في أسوء أزمنة العراق الحديثة.
رمى إحسان بصره عبر النافذة محملقا بشرود في القرى والمدن والسهول الجافة والبساتين والبشر. عشرات النساء ينبشن أكوام النفايات المكدسة في ضواحي المدن وعلى حافتي الطريق. نساء بأسمال بالية تنبش في قمامات المدن بحثا عن شيء ما يساعدها على البقاء، وفي الغور تحت أكداس زبالة الجنوب العراقي أنهار الذهب الأسود الذي جلب المحتل والبؤس للعراقي المسكين. من هنا ستتولد لدى إحسان فكرة تلك اللقطة الفريدة .. المرأة العراقية المتخلقة من أكوام القمامة التي حرزتها وثبتتها إلى الأبد عين إحسان كشاهد على زمن الاحتلال وبؤس الساسة العراقيين وتحت أية مسميات.. سيعود إلى بغداد ويخاطر ذاهبا إلى ضواحيها الشمالية وقرب التاجي، ووسط أكوام القمامة سيجد ضالته ويصورها وهي تغور في القمامة، في رؤوس ساسة عراق اليوم والأمس علامة بؤس تحكي قصة العراق زمن الدكتاتور والاحتلال.
حينما ترجل من السيارة أقبل نحوه أبن أخته باسما فرحا. تعانقا، قال الفتى:
ـ خالي كنت أنتظرك من الظهر!.
كانت الشمس على وشك المغيب. كان إحسان يحلم بالتسكع في شوارع وأزقة البصرة. حلم ظل يراوده طوال سنوات نفيه في ألمانيا بعد تجربته العنيفة زمن الدكتاتور. لا يدري لم صار الوقوف أمام نصب السياب على العشار في المنفى حلما في المنام وهاجسا في الصحو، لا يدري لكنه وجد نفسه مدفوعا إلى النزول نحو أقصى الجنوب في شوق مطلق فاق شوقه لامتداده العائلي الساكن البصرة. كان يلف ذراعه حول كتف أبن أخته اليافع وهما يسيران نحو مخرج موقف السيارات همس:
ـ خالو نقدر نروح للعشار هسه!.
توقف اليافع رامقا إحسان بنظرة استغراب وقال:
ـ خالو أنت ما تعرف الوضع!.. حقك!
قاده نحو سيارة متوقفة عند ناصية الشارع وفيها ثلاثة شبان، أوصلته إلى البيت. في الطريق سألهم عن الوقت المناسب للتحرك في المدينة فأجابوه:
ـ من طرة الفجر حتى الغروب!.
لما اختلى المصور الحالم في ناحية من حوش الدار الفسيح مستلقيا على فراشه، حملق في النجوم العاليات المضيئات في حلكة سواد ليل بلا قمر. أول مرة بعد سنوات طوال في المنفى الألماني يستلقى في حوش دار ويعد نجوم سماء صافية شديدة البهجة أخذته إلى طفولته والمدارس، وقصيدة السياب عن عيني حبيبته اللتان مثل غابة نخيل ساعة السحر والقمر الذي تناءى وغاب عن شرفتيهما. تلك القصيدة التي حفظها بعد أول قراءة وكأن كلماتها عرفها قبل دخوله المدرسة لما كان يحلم في ظلال النخيل جوار سواقي بساتين العمارة المترامية على حافة الأهوار.
كان أحسان معذبا من الأعماق لما آلت إليه الأحوال في بلاده الحميمة. ففي المنفى ذبحه خبر تفجير نصب باني بغداد ـ أبو جعفر المنصور ـ وذهب حال وصوله إلى مكان النصب المفلش المهجور. ذرف دمعة لا على النصب بل على جهل أبناء جلدته الذين قاموا بالفعل ظانين بأنهم يعلون كلمة الفقراء والمهمشين، هو أكثر تهميشا يعمل مثل رقاص الساعة كي يكسب قوته في معمل ألماني ودون العمل كآله يستحيل العيش في أوربا لمن له عزة نفس وكرامة. ذرف دمعة لجهل أكثر الناس قربا إلى نفسه المسحوقين المهمشين، وفكر بالسياب فقد يكون محطة جهلهم القادمة. أتصل بأخته ونزل صوب البصرة.
يحملق أحسان ببنات نعشٍ الحزينات وكأنهن خلقن لحزن العراق. لا يدري متى أغفى؟.. لا يدري؟ لكنه نهض قبيل أنبلاج الضوء قائما بنصفه الأعلى، غارقا بشحوب العتمة المتوارية رويدا رويدا.. مفكرا في مكاني السياب، النصب والقبر، وعازما على قنص المكانين بعدسة كامرته النائمة في عتمة حقيبته الصغيرة. فمن يدري قد يتصاعد جنون الجهل ويصبح النصب والقبر هدفا لمجانين الطوائف العابثين بمقدارت العراقي المسكين.
لم يتناول الفطور رغم إلحاح أخته وأبنائها. كان مهموما سادرا يفكر في قمر السياب وأضواءه الراقصة في النهر لما يهزه المجداف وَهناً ساعة السحر. القصيدة التي حفظها عن ظهر قلب هو الطالب الكسول المهموم بمعيشة العائلة.. قصيدة الطفولة والحلم التي لم يعرف غيرها من قصائد السياب الحزينة العظيمة والتي سوف يطالعها في المنفى، غريب على الخليج، و.. و.. سيتيقن بنبوءة السياب الصارخ:
ـ ما مر يوم في العراق دون جوع!.
سيشعر في المنفى الألماني أن السياب كتب عنه قبل قرابة ثلاثين عاما.. لكنه في لحظة الاستيقاظ في فجر بصري كئيب لا يحضره سوى قصيدة المطر..والضياع في العيون والحلم والعراق المضطرب في أقسى أزمنته المعاصرة. كان في أشد الشوق للوقوف على العشار وتأمل نصب السياب الذي سمع همسا عن نية مليشيات الطوائف هدمه باعتباره رمزا لا يمثل طائفتهم الغالبة عددا في المدينة. لا الخبز يعوض إحسان ولا حتى الماء عن لحظة وقوفه جوار النصب وحرزه بكامرته التي يعتبرها عقله الحالم الباطن الحاضر القانص السادر، فعينها أبلغ مما يستطيعه في الكلام.
مقتتطف طويل من مقال، كتبته 2005