المحاصرون

بدر الدين شنن
2016 / 5 / 15

عندما اقتحم الغزاة الإرهابيون المدينة ، وشرعوا بانتهاك أمنها ، واستباحوا السكان والعمران والمؤسسات فيها ، وبدأ المجتمع الحلبي بالتشظي ، وانطلق الكثيرون يغادرون منازلهم ، حاملين صغارهم ، وبعض الحاجات الضرورية ، وقليل من الزاد ،وهربوا على الدروب خارج المدينة ، منهم من اتجه نحو الأرياف والمدن الأخرى ، التي يتوخون فيها الأمان، ومنهم من هرول على الدروب المؤدية إلى تركيا المجاورة ، التي جاء منها الغزاة .. آثر فريد وهديل البقاء مع من بقي في المدينة ، وذلك رغم صعوبة النزوح أحياناً من حي إلى حي ، ومن مكان إلى مكان آخر . وهما ومن بقي في المدينة كانوا يدركون ما سوف يحل بهم ، خاصة وأن الغزاة قد تمترسوا في قلب المدينة وأطرافها ، وهم يستعدون لاحتلال المدينة كلها .

ونتيجة لذلك ، نشأت حدود التماس النارية ، بين الأحياء التي يحتلها الغزاة ، وبين الأحياء التي مازالت تحت سيطرة الدولة . وتحولت حلب إلى جحيم ، من النار ، وسوء المعيشة ، والانقسامات ، والتذابح .

ولما تعذر على الغزاة الإرهابيين ، احتلال بقية المدينة ، شنوا حرب حصار على الأحياء الأخرى ، استهدفت تدمير قطاعات الخدمات الصحية والتعليمية والثقافية ، وحرمان السكان فيها من المصادر الحيوية ، التي تؤمن ، مياه الشرب ، والكهرباء ، والاتصالات ، والاستيلاء على دروب التواصل مع الحكومة ، لقطع سبل وصول الغذاء والدواء . وبرمجوا عمليات قصف الدينة بشكل شامل .. ومتواصل .. موجهة دون تمييز .ز إلى إلى كافة الأحياء السكنية ، والمدارس ، والمعابر ، وحياة السكان ، إن كانوا في بيوتهم ، أو على الطرقات ، يسعون إلى شراء الخبز ، والطعام ، أو يبحثون عن فرصة عمل تؤمن الدخل الزهيد للمعيشة .

وفي اللحظة الراهنة ، حيث مضى على الحصار أربع سنوات تقريباً ، غدا الأمر الذي يرفع من مستوى آلام المحاصرين ، وقلقهم ن ومخاوفهم ، ويضغط على أعصابهم ومشاعرهم ، ليس هو ، هم الحصول على الخبز ، والماء ، والكهرباء ، والدواء ، وإنما هو تزايد القصف ، وتزايد أعداد ضحايا القصف ، وتزايد مساحات التدمير ، الذي جعل من الخروج من البيت ، والسير في الشوارع ، مستوف لشروط المغامرة القاتلة .

وصار الوضع في المدينة موضوع نقاشات بين السكان ، بحثاً عن الوسائل التي يقاومون بها الوضع الجحيمي الجديد .. وغدا فريد وهديل .. كما الآخرين .. منشغلين بأخبار القصف .. والتقية .. وتجاوز مغامرة الخروج .


سألته :
- هل تعرف شيئاً عن مصير الجيران قبالتنا ، الذين أصاب القصف ، صباحاً ، منزلهم .. هل قتلوا كلهم .. أم ما زال أحد منهم حياً ؟ .. أجاب فريد :
- إنهم حتى الآن في قسم الإسعاف .. إنشاء الله كلهم أحياء .
إمشاء الله .. هكذا ردت هديل حزينة قلقة .
وما أن أكملت ردها .. دوى انفجار قرب البيت . ركض فريد واحتضن الصغيرين عمر وكامل .. واحتضنت هديل ابنتهما سجى . واتجهت مشاعرهما .. وحواسهما كلها نحو الخارج .
قال لها :
- إنها قذيفة هاون .. وقد تعقبها قذيفة أخرى . وبعد ذلك سأخرج لأجلب مؤونتنا لأيام من الطعام .
قالت هديل :
- لا .. لن تخرج .. فهؤلاء .. الذين يقصفوننا مجرمون وأغبياء ومتوحشون .. لا يعرفون حرمة الحياة .. ولا خبرة الحرب وقوانينها .
- لهذا ينبغي أن نتصرف بحذر .. من تخبط وغباء هؤلاء ، لتأمين حاجاتنا . لكنه ، ليس من المعقول ، حسب كل المعايير ، أن يجري قصف مكان واحد ثلاث مرات متوالية . إلاّ إذا كان هذا المكان له أهمية كبيرة ، وحينا نحن لا يتمتع بأية أهمية من هذا القبيل .
اقتنعت هديل إلى حد ما بقول فريد ، وفكرت باحتياجاتهم من الطعام . واختصرت بعض الحاجات ، لتخفف الحمل عن فريد .. ليستطيع العودة مسرعاً .

ما أن اتفقا على تأمين ما يلزمهم .. وهم فريد بالخروج من البيت ، سمعا انفجارين متزامنين في الحي المجاور . وسمعا صفارات سيارات الإسعاف والإطفاء والشرطة تملأ الفضاء بصراخها .
جمدا.. كتمثالين .. في مكنهما .. وعينا كل منهما تحدق بعيني الآخر حائرة تسأل .. ما العمل ؟ .. ومحفزات كل منهما تتجه نقيض الآخر .
أغلقت هديل فمها .. بعد أن أرتج على تفكيرها .. وخافت أن تقول شيئاً محبطاً .

فهي حسب ما أوصت فريد أن يجلبه من لوازم البيت ، وخاصة الطعام ، هو أقل من الحد الأدنى الضروري للبقاء تحت الحصار بضعة أيام ، دون حاجة لمغامرة الخروج إلى الشارع مرة أخرى . لاسيما في الظروف المشحونة بالقصف والتوتر .
وهو يعرف .. من المعطيات الجديدة .. أن التصعيد مستمر . وقد تحدث عمليات اقتحام بين طرفي المدينة . وأن المواد التموينية والمنزلية ، ستختفي .. سيلتهمها جشع تجار الحرب ، وارتفاع الأسعار ، وصعوبة النقل . ولابد الآن وليس غداً ، من تأمين غذاء الأطفال وهديل ، والاستمرار بالصمود تحت الحصار .

اندفع فريد نحو الباب بأنفاس متسارعة . وبعد أن همت هديل لمنعه من الخروج توقفت .. ونظرت نحوه برجاء ، مفعم بحنو ورقة مشجعة له على المضي .. فيما حدسها يوحي لها بشيء غير مريح .. وكأن هذا اليوم .. هو اليوم الأخير في حياتها مع فريد .. وربما هو أكبر .

كان الوقت آخر النهار، وقليل من الناس يسرعون الخطى بهذا الاتجاه أو ذاك .. وشاهد البيت الذي دمر بالقصف صباحاً قبالة منزلهم .. كانت الأسقف منهارة والجدران تكاد تتساوى مع الأرض ، وحديد البناء يتهدل .. يتدلى كالحبال ، معوجاً ، مسوداً ، مغبراً .
وأسرع ليجمع كامل لوازمهم .

ربما استغرق تنقله من دكان إلى دكان ، ومن زقاق إلى زقاق ، ساعة وبعض الساعة . ولما قارب تأمين كل شيء جاء من أجله ، سمع انفجاراً ليس ببعيد . ربما وقع في نفس المكان الذي تساقطت عليه القذائف اليوم . لكنه لم يخطر له ، أن يكون هذا الانفجار هناك ، حيث العائلة الحبيبة ، التي تعد الدقائق والثواني بانتظاره .

وخرج من أول .. ثم من ثاني زقاق إلى الشارع المتجه نحو بيته . ورأى سيارات الإسعاف والإطفاء ، التي تتراكض .. تتوقف قرب بيته . حينها .. أخذ يركض .. وكلما دنا من البيت أكثر .. كانت فكرة الشؤم والموت تخيم على مداركه . وقبل أن يصل إلى محاذاة البيت ، استقبله بعض الجيران بالاحتضان صامتين .. فرداً فرداً .

وأخذه أحدهم إلى منزله ، فيما هو يسأل ، ويحاول أن يعرف ما الخبر ، ماذا حدث بالضبط .. قال له أحدهم :
- اهدأ .. وصلي على النبي .. إنهم الآن في المستشفى ، عدا سجى .. فهي مازالت هناك .. مشيراً إلى الركام .

لم يتماسك فريد .. وانطلق حيث بيته المدمر .. وراح ينتزع الركام مع المتطوعين لعله يجد سجى حية . وأوقفه رجل عن البحث قائلاً :
- إنها لم تعد هنا .. لقد أخذوها منذ برهة إلى المستشفى .
وهبط فريد جالساً فوق الركام .. مردداً .. لماذا لست أنا يا ربي .. لماذا هديل والأطفال يا ربي .. ولست أنا . وساروا به إلى سيارة نقلته إلى المستشفى حيث جثامين أسرته . نظر إلى جثامين هديل وعمر وسجى وكامل ، وأصابه دوار حاد . أمسك بيد أحدهم إلى جواره حتى لا ينها رأرضاً . وأغمض عينيه كي يحبس الدموع عن الجريان .. وأخذ يردد .. حسبي الله ونعم الوكيل .. الله يرحمكم .. لقد سلمتكم لأعظم العظماء .. وأرحم الراحمين .. لاحول ولا قوة إلاّ بالله .

بعد أن مرت أيام وهو ينام في ركن غرفة من غرف البيت غير المدمرة بالكامل . قابله في الطريق أحد الجيران ومعه شخص لم يعرفه . وبعد أن سأله عن صحته ، وعن مشروعه في الأيام القادمة قال :
- إن وضعك هذا ينبغي ألا يدوم .. يمكننا إيصالك إلى الحدود .. لتعيش هناك وترتاح بعيداً عن المأساة .
وكان اندهاش الجار وصاحبه كبيراً .. حين سمعا من فريد :

- أتريد أن أبعد عن هديل وسجى وعمر وكامل .. لأنعم بالراحة في الغربة .. وأي راحة هذه . أنا باق هنا من أجلهم .. من أجل أن أشم تراب قبورهم .. وتراب قبور أمي وأبي وأهلي . أنا باق من أجل حلب .. من أجل أن تظل حلب شهباء .. تفيض مثل قلعتها عزة وكرامة .
أنا ولدت هنا .. وعشت هنا .. وسأموت هنا .. مثلما ولد وعاش ومات أولادي وهديل .. مصيري هو من مصير أبناء حلب .
وبعد أن ختم كلامه بكلمة .. شكراً باهتة .. استدار واستأنف طريقه .

قال الرجل القادم مع الجار :
- هل فقد الرجل عقله ؟ ..
رد الجار :
- لا.. لا.. لعلنا نحن الذين فقنا عقلنا .. لأننا عرضنا عليه ، الشقاء والمذلة في الغربة .. ليرتاح من بؤس مأساته