ذكرى 16 ماي وتعاظم خطر الإرهاب.

سعيد الكحل
2016 / 5 / 14

تحل الذكرى 13 للأحداث الإرهابية التي هزت مدينة الدار البيضاء وهزت معها وجدان الشعب المغربي الذي ظل يعتقد ،إلى حين وقوع التفجيرات الانتحارية التي نفذها 13 شابا ، أن المغرب في منأى عن الإرهاب لطبيعة تَدَيّنِه وانفتاح شعبه على الثقافات الإنسانية . على امتداد هذه المدة ، زاد المغاربة اقتناعا بأن خطر الإرهاب على أمنهم واستقرارهم يتزايد بفعل عوامل داخلية وأخرى خارجية ، الأمر الذي يستدعي تعبئة عامة في صفوف المواطنين ليساهموا إلى جانب الأجهزة الأمنية في حماية أمنهم والتصدي لمخططات الإرهابيين عبر التبليغ عن كل الأنشطة والعناصر المشبوهة وكذا الميول المتطرفة التي تظهر على الأبناء والأقارب والمعارف . فالإرهاب قبل أن يصير أحزمة ناسفة وذوات متفجرة ، هو عقائد مدمرة للعقول والبصائر . لهذا ، فالمواجهة الحقيقية والفعالة ينبغي أن تزاوج بين المقاربة الأمنية التي أثبتت نجاعتها وجنبت المغرب المآسي والفواجع ، والمقاربة الفكرية التي تتصدى للعقائد التكفيرية . فمهما نجحت الأجهزة الأمنية في تفكيك الخلايا الإرهابية وإفشال مخططاتها التخريبية ،فإن الخطر سيظل قائما وداهما ما دامت عقائد التكفير وثقافة التطرف منتشرة على نطاق واسع .وهنا يأتي دور العوامل الداخلية التي تساهم في نشر التطرف وتغذية الإرهاب ، ومنها:
1ـ الخطاب الديني الذي تنشره منابر الجمعة وبرامج التعليم وفقهاء الكراهية وعدد من الإذاعات الخاصة . إن بذور التطرف التي تتحول إلى قنابل وأحزمة ناسفة تكمن فيما يقوله الخطباء من أعلى منابر الجمعة وما يفتون به من تصنيف المواطنين إلى مؤمنين ومرتدين ، وكذا تكفير القوانين والتشريعات المدنية ،مما يجعل فئات واسعة من مرتادي المساجد وأسرهم يَفسُد ولاؤُها للوطن ويشتد عداؤها وكرهها لمن يخالف تصورها ونمط تَدَيّنِها الذي صار معيار الإيمان والردة.ولا يختلف في هذا رأي المؤسسات الدينية الرسمية أو غير الرسمية ( المجلس العلمي الأعلى يفتي بقتل المرتد ويرفض إصدار فتوى تجيز الفوائد البنكية التقليدية ) الأمر الذي ينسجم مع ما ينشره المتطرفون ويشوش على أفكار وعقائد عموم المواطنين.
2 ـ التنظيمات المتطرفة التي تنشط كجمعيات مدنية تجعل من أهدافها الرئيسية نشر عقائد التطرف والكراهية في صفوف الأطفال والمراهقين والشباب والنساء .
3 ـ المؤسسات التعليمية الرسمية والخاصة ، بحيث يتولى كثير من المدرسين شحن نفوس الأطفال وأدمغتهم بعقائد الكراهية وجعلهم لا يرون في المجتمع إلا المنكرات والمفاسد الواجب محاربتها باليد .ولعل لباس تلاميذ شعبة التعليم الأصيل ومواقفهم من ثقافة ونمط تدين الشعب المغربي دليل ملموس على خطورة الدعوشة التي تغزو المؤسسات والعقول والمجتمع. وقد تناولت المواقع الاجتماعية كثيرا من الأمثلة عن المواجهة التي تلْقاها الأسر من أبنائها بسبب ما يتلقونه في المدرسة (تحريم الموسيقى والاحتفال بالمناسبات الوطنية والاختلاط في المدارس والأماكن العمومية والإدارات الخ ، ووجوب قتل المرتدين ،ووجوب الجهاد لنصرة "المستضعفين" ..)
4 ـ الإرشاد الديني الذي أرادت به الدولة ملء الفراغ سرعان ما تستغله المتطرفات في التشويش على عقائد النساء بما يجعلهن مقتنعات بانحراف تدين المغاربة وضرورة "تصحيحه".
5 ـ فتاوى التكفير والتحريض على الكراهية التي يصدرها شيوخ التطرف دون أن تطالهم يد العدالة . فمنذ تعيين حكومة بنكيران وشيوخ التطرف يبثون فتاوى التكفير والتحريض على القتل ضد المثقفين والفنانين والصحفيين والسياسيين . والفتوى هي أصل الإرهاب ووقوده . فأيا كانت نجاعة المقاربة الأمنية في اعتقال العناصر الإرهابية ، فإنها لن تعتقل الأفكار التي حولتهم إلى قتلة وأحزمة ناسفة . فمنذ 2002 ، وشبكات الإرهاب تستقطب وتجند مزيدا من الضحايا من مختلف الأوساط الاجتماعية والمهنية . ولعل الأرقام التي أفصح عنها مدير المكتب المركزي للأبحاث القضائية، السيد عبد الحق الخيام، يوم 5 ماي 2016، بمدريد، تثبت أن 2885 شاب مغربي الذين تم توقيفهم حولتهم عقائد التطرف إلى إرهابيين وأدوات لتنفيذ أزيد من 324 مخططا إرهابيا لزعزعة استقرار الوطن وأمن الشعب .حتى السجن ليس الحل الوحيد لمواجهة التطرف ولا الأخير ، بدليل عودة 275 من المعتقلين إلى الانخراط في المشاريع الإرهابية ، وانضمام مئات من الشباب إلى التنظيمات والخلايا الإرهابية . لهذا فالدولة مطالبة بمراجعة شجاعة وجذرية للخطاب الديني وللبرامج التعليمية والإعلامية حماية للعقول وتحصينا للشباب .فليس أخطر على الأوطان من عقائد التطرف وخواء النفوس وفراغ العقول .