موضوعية النظرة الجمالية

الطيب عبد السلام - علي عثمان
2016 / 5 / 13

حول موضوعية الحكم الجمالي

هل الفن تذوق ؟ و ذوق كل شخص يختلف عن الاخر مطلقين العنان في ذلك للتصورات الميتافيزيقية و غير الخاضعه للفحص و القياس لتحكم على جودة تجربة ابداعية بعينها ؟
ثمة افكارا خاطئة سادت حول ذوقانية و شخصانية التذوق الجمالي، بوصفة نشاطا ذاتيا وتأويلا خاصا لا يخضع لأي معيرة أو مشروطية مسبقة تضع العمل الفني أمام مجهر كاشف يبين جودته وعيوبة أو أصالته وزيفه.
ولكن، ما نريد تقديمه هنا أن العمل الفني يخضع لشروط عصره، مثلة مثل أي منتج عقلي بالمعنى العام للعقل كنشاط زهني خلاق مبدع، يتمدد في مساحات الخيال اللانهائية ومتجاوزا والواقع، فاتحا دروبا وطرقا جديدة وجريئة، لا يستيع العقل النهائي التجريبي
الزحف عليها بأرجل البرهانية أو الموضوعية الصارمة.

وبما أن العقل بصورتيه النهائية العقلانية واللانهائية الخيالية، يسخر نفسه بكل طاقاته الخلاقة لخدمة وتطور العصر والواقع، يعتمد أساسا على الخبرة والتراكم، وهما الذان يجعلان في العمل الفني عنصر الموضوعانية جانبا مهما وشرطا ضروريا لتطوره ونموه.
في العقود الأخيرة من القرن العشرين برزت عدة نظريات عمدت إلى قتل المؤلف بعد أن كانت شخصيته تؤسس سلطة خاصة كما تبدت في النصوص الدينية المقدسة، أهتمت ههذه النظريات بإحياء القارىء بوصفه منتج لا يقل اهتماما من المؤلف بل هو الذي
يصبغ على النص معنى ودلالة من خلال تأويله الخلاق لمدلول النص، وبالتالي يضفى أبعادا لا متناهية لمدلول محدد كان قد ألف بصددة النص أو العمل.
ويمكن إلتماس ذلك في مقال سابق دوناه كان بعنوان "قصيدة النثر كموقف من الحداثة" خلصنا الى نتيجة أن مشروع الحداثة كان قد تجلى موقفة من قصيدة النثر وكواحدة من أهم معالمه لحوجة العقل البشري للمتعالي عليه و هو المجال الذي استغلته النصوص
المقدسة محاولة إضفاء قيمة عقلانية موضوعية للإبداع بتقديمها تفسيرات عقلانية تجريبية.

ظهرت قصيدة النثر ملبية للحوجة الإجتماعية في سيرورتها الذوقية المرهفة. و بذلك فأن تجربة الحداثة العقلانية ضمت اليها كل نخب الكوكب في حالة فكرية واحدة و بالتالي انسانية متقاربة.
هذا التقارب أدى الى توحد في الفكرة الجمالية للنخب الإجتماعية، فأصبحت ثمة أيقونات عالمية للمسرح و السينما و الرواية "زوربا اليوناني نموذجا" تؤدى على كافة مسارح الحداثة كاستجابة للناتج الحضاري الجديد المتمخض عن سلطة الحداثة.

هذا الامر لا يقود البته الى قطعنة الفعل الابداعي، بل على العكس تم تطويره وفقا لمقاييس إبداعية جديدة ضامنة لفكرة التعدد متجنبة لفكرة التكرار.

و قد ارتبط الجمال عند أفلاطون بتحقيق المنفعة حيث يرى أن كل شيء مفيد جميل.
و الحكم على أي عمل إبداعي بأنه جميل أو غير ذلك يعتمد على نظريتين هما:
1- النظرية الذاتية Subjective Theory: و ترى هذه النظرية أن يكون الحكم على الجمال حكرا على ذاتية المتلقي ( و هذا الحكم عبارة عن نتاج للبيئة التي نشأ فيها المتلقي و ثقافته).
2- النظرية الموضعية Objective Theory : و تعتبر هذه النظرية أن الحكم على الجمال ليس حكرا على ذاتية المتلقي و إنما يجب أن يستند على معايير موضوعية تختلف باختلاف المدارس و التوجهات المختلفة. و يتم الحكم على جمال أي عمل كان من خلال أ- الشكل Form أو التكوين
ب- التعبير expression و الإيحاءات التي يوحي بها هذا العمل.

أن جمال اي نص خاضع للشرط الثقافي و الاجتماعي، وهو يأخذ في التوحد بين الاقطاب المجتمعية في كافة ارجاء العالم.
من هنا نستنتج أن ثمة شكل عالمي موحد للنظرة الجمالية للابداع، وليس هو رهين أمزجة المتلقين والمؤلفين، بل هو قادم من مقولات إجتماعية و ثقافية، يشترك فيها كل المنتمون للواقع الحضاري الحداثي.
شئينا أم أبينا، نحن أمام مقولة عالمية للمنتج الجمالي و هذه المقولة هي وليدة دراسات نقدية تجريبية متعمقة و ليست وليدة الامزجة و الحالات الذهنية.