إصلاح الإسلام (5) : محمّد و الوحي

ضياء البوسالمي
2016 / 5 / 11

لقد كان محمّد كتاب سطره اللّه، و حينما كان محمّد يقرأ كتاب وجوده كان يترجم هذا الوجود قرآنا و من هنا كان القرآن كلام اللّه، حيث خلق اللّه محمّدا و خلق محمّد القرآن فكان القرآن كتاب اللّه كما خلق اللّه النّحل فأنتج العسل فكان العسل نتاج ذلك الوحي … إنّ القرآن من قبيل نتاج النّحلة و ليس من قبيل ما يردّده الببغاء.
عبد الكريم سروش
لو كان عند نبيّ الإسلام مصوّرة أو مسجّلة، لما صوّرت جبريل أو سجّلت صوته لأنّهما لا وجود موضوعي لهما. بالمثل، لو فتح زكريا مسجّلة، لما سجّلت صوت هاتف الجنّ.
العفيف الأخضر، من محمّد الإيمان إلى محمّد التّاريخ

إنّ الرّواية المتداولة لقصّة الوحي في كتب الموروث – و هي الرّواية الرّسمية – تتمثّل في أنّ محمّد كان يتردّد على غار يقع في جبل و يقضي فيه ساعات طوال في التّأمل. و الحقيقة أنّه كانت تستولي عليه مجموعة من الأفكار التي تتحوّل تدريجيا لتتشكّل أسئلة عن رحابة الكون و السّؤال حول كنهه و مصدره (أي حول إمكانيّة وجود خالق) إنّ محمّد في هذا الإطار كان يوسّع من آفاق تفكيره و قد تفطّن إلى إستحالة خلق الآلهة – التي كان يعبدها أهله – للكون بسماواته و أراضيه و كائناته. لقد كانت ذاته متأرجحة بين ضيق النّفس و عجزها عن إدراك المطلق و حدود المكان و تفاهة المعتقدات السّائدة في المجتمع القرشيّ و التي لم تسطتع تقديم الإجابات و إخماد نار التّساءل لدى محمّد. لذلك فإنّ تطوّر علاقته بالمكان كانت تتميّز بالنّفور و التّساءل ووضع كلّ المعتقدات و الثّواب موضع شكّ، و هذا ما يشير إلى القلق المستمرّ الذي سَيُتَرْجَمُ – إذا نظرنا للمسألة من زاوية مغايرة – إلى ”أزمة وجوديّة“ حادّة. فالشّخص الذي إعتزل النّاس و أصبح ميّالا إلى الوحدة في غار لا يمكن أن يكون مرتاح البال مطمئنّا هذا بقطع النّظر عن مسألة الخوارق و المعجزات التي نجدها نجدها في القسم الثّاني من القصّة و المتعلّقة بجبريل و بالرّسالة الإلاهيّة. إنّ الحدث الفارق و العنصر الأهمّ في بداية مسيرة محمّد كحامل لمشروع ديانة جديدة هو في الحقيقة هذا القلق الوجوديّ الذي إنتابه و إحساسه بالضّيق من مخالطة المجموعة و هذا ما سيجعله يفضّل العزلة و يلوذ بالغار. و في ثنايا الرّوايات و الأحاديث و حتّى الآيات القرآنيّة – التي تحتفي بهذه الواقعة و تقدّمها على أنّها أولى بشائر الوحي – توجد مجموعة من الأدلّة على الحيرة التي تطوّرت لتصبح حالة من الإضطراب النّفسيّ الذي كان يعاني منه محمّد آنذاك.
و قد ورد في صحيح البخاري : ” حدّثنا يحي بن بكير قال حدّثنا اللّيث بن عقيل عن إبن شهاب عن عروة بن الزّبير عن عائشة أمّ المؤمنين أنّها قالت : أوّل ما بدئ به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم من الوحي الرّؤيا الصّالحة في النّوم … “
و بالرّجوع إلى سورة النّجم : ”مّ دنا فتدلّى، فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى“ (من الآية 8 إلى الآية 10)
إنّ المتمعِّنَ في المشهد المتشكّل من خلال الرّجوع إلى الحديث و آيات سورة النّجم يلاحظ الإختلاط بين اليقظة/الواقع من جهة و الحلم/الوهم من جهة أخرى و الآيات من سورة النّجم تنقل المقابلة مع جبريل و تلقّي الوحي هذا ما يعني أنّ جبريل كان واسطة بين اللّه و محمّد أي أنّ النصّ الخام – بعبارة حسن حنفي – لم يكن محمّد أولى المتلقّين له بصفة مباشرة بل عن طريق ملاك. كلّ هذه التّفاصيل تأكّد على صحتّها الآية 11 من سورة النّجم : ”ما كذّب الفؤاد ما رأى“ أي أنّ هذه الواقعة حقيقة لا جدال فيها و لا نقاش حول صحّتها لكن هذا بالنّسبة لمحمّد فقط. فإذا دقّقنا في الوقائع – التي سبق أن أشرنا إليها (الحيرة، القلق، التّأمل) – فإنّنا ننتهي إلى أنّ الإضطراب النّفسي هو النّتيجة النّهائية لكلّ تلك المراحل و هو بالتّالي مصدر هذه الهلاوس – بعبارة العفيف الأخضر – التي يعرّفها الطب النّفسي على أنّها إدراك أو إحساس بلا وجود موضوع يُدْرَكُ أو يُحَسُّ أي أنّ الهلاوس تتشكّل لدى محمّد و توهمه بواقعيّة الأحداث اٌلمُتَخَيَّلَةِ فيرسخ في ذهنه أنّها يقين و حقيقة مطلقة.
… فدخل على خديجة بنت خويلد رضي اللّه عنها فقال زملوني زملوني فزملوه حتّى ذهب عنه الرّوع فقال لخديجة و أخبرها الخبر لقد خشيت على نفسي …
صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي، باب بدء الوحي
إنّ هذا الجزء من الحديث يؤكّد و يشرح حالة ”الرّوع“ التي كانت تنتاب محمّد لأنّه مندمج كليّا و مصدّق للعالم الذي تخيّله. إذا فمن الضروريّ بالنّسبة للفكر – فيما يتعلّق بإشكاليّة الوحي – التخلّص ممّا أحاط بهذه الواقعة من خوارق و معجزات و إجتناب البعد الخرافيّ و تجاوزه للتّعامل بعقلانيّة مع النّص من جهة و مع الحادثة في حدّ ذاتها من جهة أخرى.
إنّ تفكيك ميكانيزم الهلوسة و فهمه كفيل بتحرير العقل في أرض الإسلام من سيطرة الخرافيّ و الإعجازيّ و الخارق للمألوف.
العفيف الأخضر، من محمّد الإيمان إلى محمّد التّاريخ