قراءة في المجموعة القصصية ( التابوت)

صبيحة شبر
2016 / 5 / 10

تداعيات الألم في مجموعة "التابوت"
لصبيحة شبر

د. أحـمـد زنـيـبـر


بعد مجاميعها القصصية "التمثال 1979" و"امرأة سيئة السمعة2005" و"لائحة الاتهام تطول 2007" ، تعزز الكاتبة العراقية صبيحة شبر مسارها الإبداعي بمجموعة قصصية جديدة عنونتها بـ"التابوت". وهي مجموعة تضم ست عشرة قصة قصيرة تباينت نصوصها من حيث الطول والقصر، كما تفاوتت عناوينها وموضوعاتها من حيث المقصدية والدلالة.
ولعل أول ما يلفت الانتباه في هذا المقام هو عنوان المجموعة "التابوت" الذي اختارته الكاتبة ناطقا رسميا باسم المجموعة. فالعنوان يتألف من كلمة واحدة معرفة تحيل مباشرة إلى فضاء له علاقة وطيدة بالمكان يمنح للقارئ المتلقي افتراضات وتأويلات أولية منها أن التابوت قد يكون من حديد أو خشب، كما أن من مواصفاته الضيق والانغلاق والظلمة. هو مكان قد تحرز فيه الأمتعة أو تودع فيه الجثث. والتابوت، بهذا المعنى أو ذاك، إشارة قوية إلى الموت والهلاك تارة، وإلى الحفظ والإخفاء تارة أخرى...
فأية الدلالات القصصية التي رامت إليها الكاتبة صبيحة شبر في هذه المجموعة ؟ وماذا عن القضايا والأسئلة الجوهرية التي تطرحها كتجربة فنية تواجه بها القارئ المفترض وتدعوه للتأمل وإعمال النظر على مستوى اللغة والأساليب وطرائق السرد المختلفة؟
تقدم المجوعة نصوصا قصصية قصيرة تلامس بعض القضايا السياسية والاجتماعية وكذا الاقتصادية، من خلال شخوص واقعية ومتخيلة في آن، وفي ملامسة تقوم على التعارض والتقابل بين الماضي والحاضر من ناحية، وبين الظاهر والباطن من ناحية ثانية.
إنها نصوص قصصية تحاول التقاط تفاصيل الحياة اليومية والهامشية لتجعل منها مادة حكائية قابلة للوصف والتفسير والتعليق. ومن ثمة لا غرابة أن نجد موضوعات حكائية لصيقة بالذات الإنسانية في علاقتها بالأنا والآخر من جهة، وبالمحيط والعالم من حولها من جهة ثانية. مثلما نقرأ في قصة "الرهان" حيث الصراع من أجل البقاء وتأكيد الهوية، بما يطبع هذا الصراع الآدمي من مفاضلات بين القوة والجمال والفقر والغنى ومن لحظات الإخفاق والانتصار. فمع الإحساس باليتم والحرمان تزداد بطلة القصة صبرا وتجلدا لمواجهة المعركة (معركة الحياة) ومقاومة الهزيمة. تقول الكاتبة على لسان الساردة: "تعود إلى سحبي على الأرض، متمنية أن ينطلق لي صوت يدل على الألم ونفاذ الصبر، ولكني ما إن أرى تلك الرغبة واضحة على ملامح وجهها الأبي، حتى تنطلق ضحكتي مجلجلة، منتصرة على آلام جسدي الكثيرة، وعلى جراحه الآخذة بالازدياد" (ص9)
وفي نفس السياق، سياق المجابهة والتحدي، تستوقفنا بعض النماذج من شخوص المجموعة، شخوص بدت مدعوة أكثر من أي وقت مضى إلى تحمل المزيد من القسوة والألم لمواصلة الحياة بل واستحقاقها، كما في قصة "مزاح" تلك المسرحية الهزلية التي أساءت إلى الإنسان وأرغمته على تحمل الضربات واللكمات دون أن يجد من المتفرجين من يتدخل لإنقاذه أو يأخذ بيده، وحتى وإن وجد من يستنكر هذا الوضع المأساوي فسرعان من تنقلب الكفة على هذا الأخير ليصبح بدل المضروب ضحية جديدة تتقاذفه الأرجل والأيدي وسط الساحة من كل جانب.
تقول الكاتب على لسان سارد القصة مستغربا مستنكرا ما يجري أمامه: "تتوالى الضربات بقوة متناهية، على ذلك الواقف في وسط الساحة، أحدهم يشكه بمسمار، والثاني يضربه بعصا مدببة الرأس، وثالث يصب عليه ماء مغليا، ورابع يسكب فوق رأسه ماء مجمدا، وخامس يرمي عليه كيس القمامة، أتساءل مع نفسي.. لماذا أنا غريب وسط هذه الجماعة؟ ولماذا أنشأني الأهل وأنا بمثل هذا الضعف لا أستطيع أن أسيء إلى مخلوق؟ ولا أستسيغ أن أرى دموعا سائلة على وجنتي أحد، لم يوضحوا لي ماذا فعل ذلك الإنسان... ولم جمعونا كي نستشهد تلك العذابات" (ص58)
ولما كانت شخصية المرأة حاضرة بقوة في اهتمام الكاتبة فقد أولتها عناية هامة في مجموعتها "التابوت" كما في مجاميعها السابقة، نظرا لما يطرحه موضوع المرأة من إشكالات اجتماعية وحقوقية ومن اضطرابات نفسية مختلفة. وهكذا قدمت نصوص المجموعة المرأة كشخصية قصصية ضمن سياقات متباينة. فتارة هي الأم البائسة المستضعفة التي شح حليبها وفترت رغبتها تبعا لحالتها النفسية المتوترة حيث الوحدة والغربة وهجر الحبيب والإحساس بالعجز والضياع، ليكون الطفل أول ضحية لبرودها وشرودها. تقول الساردة في قصة "طفل يصرخ" : "ثديك يابس، جفت به مياه الحب، وتركه ينبوع الحليب، وبقيت شجرة بلا ثمار، أيتها المخلوقة البلهاء، كيف يطاوعك قلبك الرؤوم، أن تتركي طفلك صارخا يئن، بلا توقف... أنت حائرة، تعطف بك الأفكار... تحلق بك المتاعب وأنت حيرى، عاجزة عن القيام بأي عمل" (ص50-51). وتارة أخرى، وفي مقام آخر، هي الزوجة التي سكنتها الوساوس وقضت مضاجعها الغيرة وحرقة السؤال، فبح صوتها وامتصتها الأحداث والأوجاع الغريبة.
تقول الساردة في قصة "الزائرة": "تعودين إلى المطبخ، والغضب يستبد بك، لماذا أنت غاضبة، أنسيت قرارتك وتصميمك؟ اخرجي، اتركيهما، انفذي بجلدك، ما شأنك إن تناولا الطعام، أو ماتا جوعا، وماذا يجديك كرمك؟... لماذا لا تخرجين الآن من المنزل؟ دعيهما، أبعديه تماما عن فكرك، احسبيه ميتا، لا تبالي، كلي الطعام كله.. أطعميه لجيرانك، ارميه بالمزبلة، لماذا ترهقين نفسك؟... اخرجي الآن، الباب أمامك، لا تتبعي نفسك، ولا ترهقي قلبك، وأنت المكدودة من تعب النهار، تجلسين في المطبخ وهما يتناجيان..." (ص74-75).
وهكذا نجد الكاتبة حريصة كل الحرص على تقديم شخصياتها القصصية بما يتناسب وطبيعة الموضوع المعالج، سواء أكانت هذه الشخصيات رجالية أم نسائية، راشدة أم قاصرة، رئيسة أم ثانوية. ليتسنى لها، بعد ذلك، عرض الأحداث ووصف المشاهد وبالتالي، استخلاص المواقف وردود الأفعال، سواء بالرفض أو القبول، أو الما بين.
لقد شكلت موضوعة الألم بروافده المختلفة (كالحزن واليتم والغربة، والضياع، والقهر والضجر، والظلم والحرمان وغيرها) مادة دسمة لمحاكمة الواقع وانتقاد سلوكيات أفراده، رجلا كان أم امرأة، تارة، وجماعاته كسلطة حقيقية أو رمزية، تارة أخرى. غير أنه بالرغم من وجود الإحساس بالقهر والشعور بالألم لدى شخصيات المجموعة فثمة ردود أفعال متفاوتة صادرة عنها، فمن الشخصيات من لجأت إلى الصراخ وتأنيب الضمير واللوم والعتاب، كما في قصتي "تأنيب" و "صراع" مثلا، ومنها من اختارت الاحتجاج والمقاومة والانتصار للأنا ولحقوق الإنسان، كما في قصة "رد فعل" حيث جاء على لسان الساردة متسائلة مستفسرة: "..ولكن هذا الذي ارتبطت به، ظنا منك أنك اشتعلت به حبا، واحترقت فيه هياما، بعد أن اشتعل قلبه حبا لك، وجاءك، ليقدم فؤاده هدية جميلة مدى الحياة، صدقت دعواه، وبادلته مشاعره، وكنت تظنين أن تلك المشاعر خالدة لك، فلم ترغبي بالجاه والمال، وجمال الشكل، وحلاوة اللسان، طلبت عاطفة الحب تظل متوهجة طوال الحياة، ولم تبالي بشيء آخر، ولكن الذي أثار حيرتك، أنك لا تعلمين سبب غضبه المفاجئ، وأن صوته يرتفع بدون توقع، ولا يدع مجالا لك للرد، أو الدفاع عن نفسك، تتساءلين، لماذا يتصرف هكذا..ماذا جرى؟" (ص40-41).
لقد جنحت الكاتبة صبيحة شبر، وهي تنحت تفاصيل موضوعاتها القائمة على الملاحظة والتتبع والوصف الدقيق، إلى النبش، غير ما مرة، في أسرار وسلوكيات الشخوص، في انفعالهم وتفاعلهم وفي اضطرابهم وانشراحهم. ومن ثمة لم تكن موضوعة الألم سوى ملمح من ملامح الجرح الاجتماعي والقهر الإنساني مع لفت الانتباه إلى بعض ما يعتري المجتمع من إكراهات ومضايقات تحيد به عن كل ما هو آدمي، لذلك كان رصد الكاتبة لمواجع الأبطال، حيث اليأس والإحباط والفزع والشكوى واغتيال الحلم ومصادرة الحرية وأشكال التعذيب أمرا مبررا. تقول الكاتبة على لسان السارد في قصة "التابوت": "يواصل الشخصان دق المسامير في التابوت، يمسك الرجل منشارا، ويشرع بقص الألواح الخشبية، ينطلق صوت صراخ مرعب، تموت قدرتي على الرؤية الواضحة، وتهرب الكلمات مني، ولم أعد قادرا على التفكير بشيء مما يحدث معي، يسيطر علي منظر واحد، لا يفارقني، رجل تسيل الدماء من أنحاء جسده المعذب، وقد أدخل رغما عنه في تابوت" (ص67). وهكذا تعيش معظم شخوص المجموعة مغتربة ومعذبة، حيث تلعب الظروف لعبتها الملغومة، فتضاعف الإحساس بالقهر والتهميش.
لقد تعددت وتنوعت شخوص المجموعة، جنسا وهوية ومكانة ووظيفة (طفل، طفلة، امرأة، رجل، شيخ، شرطي) وتفاوتت من حيث المهام التي أسندت لها حكائيا، ومن حيث الأفعال وردود الأفعال التي تبنتها تبعا للسياق والمقام. تقول الكاتبة في قصة (طفل يصرخ): "ثديك يابس، جفت به مياه الحب، وتركه ينبوع الحليب، وبقيت شجرة بلا ثمار، أيتها المخلوقة البلهاء، كيف يطاوعك قلبك الرؤوم، أن تتركي طفلك صارخا يئن، بلا توقف.." (ص50-51).
كما تنوعت الأمكنة أيضا بحسب الشخوص (بيت، غرفة، مطبخ، شارع، سوق، ساحة). تقول الكاتبة في قصة (أم بديلة) مثلا: "الشوارع متشابهة، والأزقة تأخذك إلى دروب أخرى، وأنت في دوامة، إلى أين تولين وجهك؟ آذنت الشمس بالمغيب، وأوشك النهار أن يودعك، خرجت مسرعة من البيت بعد أن أسيئ إليك، لم تعتادي سماع تلك الكلمات الغاضبة المهينة، وأنت ابنة أبيك الوجيه المعروف.." (ص88).
أما عنصر الزمان فتراوح بدوره بين الماضي والحاضر والمستقبل. وقد كان لعنصر "الذاكرة" كلحظة للاسترجاع تأثير كبير في تطور الحكاية، فبها تتغذى الشخوص لتعيش لحظاتها الراهنة انهزاما أو انتصارا، حرقة أو انتعاشا، تقول الساردة مثلا في قصة "تشابه واختلاف": "ما زالت الذكريات تؤلمك، تشجيك، وتسعدك معا، مشاعر متناقضة تعيشين بها، طوال حياتك، تتراءى أمامك المشاهد، وتتوالى معك الأحداث وأنت جالسة في مقعدك المعتاد، قرب النافذة، لا أحد قربك، يبادلك الحديث، أو تشاركينه لواعج النفس، وآلام الذكريات، أنت غريبة هنا، مهملة، يطالبونك باستمرار أن تعتني بهم، تنفذي رغباتهم، وأنت جندي مجهول، تعملين بصمت، لا أحد يكلف نفسه عناء سؤالك عن رغباتك.." (ص100)
خلاصة القول إن الكاتبة اعتمدت، في ما اعتمدت عليه، برنامجا سرديا قائما على التدرج في الحكاية، انطلاقا من الوضعية الأولى كبداية، مرورا بلحظات التحول والأحداث الطارئة، ووصولا إلى الوضعية الأخيرة كنهاية. أما سارد الحكاية، سواء أكان مشاركا في الحدث أم غير مشارك، فقد تجلت ملامحه من خلال تنوع الضمائر بين متكلم ومخاطب وغائب. ومن ثمة تنوعت تبعا لذلك، الرؤية السردية. كما توسلت الكاتبة بتقنية الوصف من خلال تعقب ملامح الشخصيات ورسم أبعادها النفسية والاجتماعية، دون إغفال الحديث عن وصف الأماكن بدورها، المغلق منها والمنفتح، أما اللغة والحوار فيستمدان جماليتهما من عمق الحكاية واتساع خيال الكاتبة صبيحة شبر، لعل إعادة القراءة في ضوء هذا الملمح الشكلي كفيل بالكشف عن ذلك.
أخيرا، يمكن اعتبار مجموعة "التابوت" للقاصة صبيحة شبر، قيمة أدبية بما توافر لها من إمكانات سردية عالية، تروم طرح السؤال وفتح الحوار أمام قضايا الإنسان والمجتمع قصد اتخاذ المواقف والحلول، أكثر مما تروم العرض والإخبار فحسب؛ وهو ما يجعل المجموعة تشكل في النهاية، إضافة نوعية قمينة بالقراءة والمتابعة والمساءلة أيضا.
_________
إحالات:
- باحث، شاعر وناقد من المغرب
- التابوت. صبيحة شبّر. دار كيان للنشر والتوزيع. القاهرة. 2008