الحل السياسي سؤال ملتبس بين الداخل والخارج

بدر الدين شنن
2016 / 5 / 10

بعد خمس سنوات من الحرب الكارثية ، حسمت رسمياً .. وسياسياً .. وشعبياً .. علاقة الخارج بهذه الحرب . ثم انكشفت مراحل ارتباط قوى من الداخل بالخارج .. فكرياً .. وسياسياً .. ومصلحياً . وتوقفت ردود الفعل الغاضبة ، على الرفض الشعبي والمبدئي ، الذي كان يوجه لهذا الارتباط ، واعتباره مناف للحقوق الديمقراطية ، ويستوي مع الاتهام بالخيانة .

وقد لعب الخارج الدور الأكبر ، في تأكيد وتوضيح ونوعية هذا الارتباط . من خلال ما قام به من أنشطة خارج الشرعية الدولية وحق تقرير المصير ، بمشاركة قوى وشخصيات سورية سميت معارضة ، وذلك بعقده المؤتمرات والاجتماعات ، التي تتدخل بفظاظة في الشأن السوري الداخلي ، في مختلف العواصم الإقليمية والدولية ، ذات الصلة المباشرة في لعبة التغيير التآمرية في سوريا ، والشرق الأوسط ، ضمن لعبة الأمم الإمبريالية الكبرى ، لتكريس عالم جديد ، وقطبية دولية جديدة راسخة . وآخرها مؤتمر باريس ( 9 / 5 / 2016 ) الذي ضم منذ البدايات ، أكثر الدول شراسة في التدخل في الشأن السوري ، لإعداد صيغة دولية تطرح على مجلس الأمن الدولي ، للقيام بأسوأ أشكال التدخل في سوريا .

ومن الدلالات اللافتة على ذلك ، هو تصريح وزير خارجية ألمانيا ( 2/ 5 / 2016 ) لصحيفة " دي فيلت " الألمانية ، حيث جاء فيه " أن الأزمة في سوريا لم تكن من البداية داخلية ، وأن الأحداث في هذا البلد ، أثرت فيها دول جارة أو بعيدة عنها ، وأن القوى الإقليمية لاتزال تسيطر على الجماعات التي تقاتل في سوريا " .

من طرف آخر ، كرست قوى وشخصيات معارضة إقامتها ، في عواصم الخارج ، صاحبة الدعم لمخططات .. سوريا أخرى .. أو سوريات جديدة ، وخاصة في استانبول ، وباريس ، والدوحة ، والقاهرة .
ومن داخل هذه العواصم ، ومن صميم هذه المخططات ، وبمشاركة وانخراط تلك القوى والشخصيات المعارضة ، تشكلت الحشود والجيوش الإرهابية ، التي تولت إشعال وإدارة هذه الحرب القذرة ، التي يكابد الشعب السوري ، على مدار سنوات خمس متوالية لئيمة ودموية ، من وحشيتها ، وتدميرها ، ولصوصيتها . حتى أضحت لدى العالم كله ، أنها أداة حرب تدمير .. وتغيير خرائط إقليمية ودولية .. لا علاقة لها بما زعم من ذرائع ديمقراطية مخادعة للشعب السوري ، وهي تتحرك بأمرة غرف عمليات خارجية مكشوفة في البنتاغون ، وبروكسل ، وعمان ، وتل أبيب .

ومع التداعيات التراجعية السلبية غير المتوقعة للحرب ، بدأت عواصم الحرب تتجه نحو إيجاد حل يضمن مصالها . فأخذت تطرح نفسها كطرف أساس ، في حوارات ، وقرارات ، وبيانات ، وصياغات هذا الحل ، بل وأصبحت قوى الخارج الإقليمية والدولية ، بشكل فظ ووقح ، محور وصانعة الحل ، الذي لا يجرؤ أحد يحترم عقله وعقول الآخرين ، تسميته ، على أنه حل سياسي .. سوري - سوري .

وللتمويه على فجاجة الدور الدولي ، بات يكلف كل طرف من مكوناته ، تجمعاً ، أو تجمعات ، يمثلون ما اصطلح على تسميتهم معارضات وأشخاص من طرفه ، مقابل من يمثلون الحكومة . للجلوس في في غرف الحوار .. أو التفاوض .. والنطق بما أمروا به من إملاءات السيد الخارج ، الذي يتابع التطبيق لإملاءاته في الغرف المجاورة .. لشد الأذن .. أو للتعديل . وقد تحول كبار المحاورين المتابعين " من جنيف 1 إلى جنيف 3 .. ومن فيينا 1 إلى فيينا 3 " ، إلى نجوم محاورة ، ومناورة ، ومخادعة .. يلبسون حركاتهم لباس المخاض الجاد للحل المرتجى ، ولا يلدوا سوى فأراً .

في المرحلة الجديدة ، بعد مشاركة روسيا في الحرب ضد الإرهاب في سوريا ، طرأت تعديلات ميدانية ، وسياسية ، فرضت تغيير قواعد لعبة الحل السياسي . بحيث أصبحت روسيا لاعباً مباشراً باسم الجبهة السورية ، مقابل أميركا اللاعب المباشر باسم الجبهة المعارضة والجماعات الإرهابية المسلحة ، وصار من المطلوب تعديل تشكيل الوفود المدعوة للتمثيل " السوري ـ السوري ، لاسيما أهمية اشتراك قيادات الجماعات المسلحة . وقد اشترك أكثر من مسؤول إرهابي في وفد معارضة الرياض ، بالإضافة إلى العسكري الهارب العميد الطيار " أسعد الزعبي ، المكلف برئاسة المحاورين في وفد الرياض . وهناك مساع أميركية وتركية وسعودية حثيثة " لتمثيل جبهة النصرة في وفد المعارضات .

وبذا أصبح الخارج هو الآمر السياسي والعسكري في آن في الحرب السورية .. آمر في الحوار من أجل " حل سياسي " وآمر في القتال من أجل الحسم العسكري .
هذه اللعبة الدولية الفظيعة ، في استباحة القانون الدولي ، ومحاولة استلاب وتدمير الكيان السوري ، أصبحت .. أو كادت .. بالنسبة للدول الاستعمارية العريقة ، والرجعية العربية ، والإقليمية التوسعية ، خاضعة لمعايير اللعبة اللئيمة الشرسة ، أكثر من معايير المسؤولية الوطنية والدولية والإنسانية .

وهنا يبرز السؤال : ما معنى أن تشارك أميركا في أنشطة البحث عن حل سياسي ، وترسل في الوقت عينه ، قوات جوية وبرية وبحرية وأسلحة لدعم الجماعات المسلحة ، التي تعرفها قبل غيرها أنها غير معتدلة .. ولا يو جد في عالم الإرهاب المتوحش اعتدال ؟ .
وماذا سيقول " أبو محمد الجولاني " زعيم جبهة النصرة إن صار العضو الأهم ، في وفد المعارضات المباركة من الرياض ، لبشار الجعفري ، أو للبديل عنه في وفد الحكومة السورية في جلسة حوار ، غير " وقع وثيقة تسليم السلطة وانقلع إلى بيتك ؟ .

لقد اتضح بلا أي لبس .. أن المفاوضات .. هي دولية - دولية .. وليست سورية - سورية .. سوى بالبطاقة الشخصية للمحاورين السوريين بالوكالة . بل وغدت مفاوضات .. إرهابية عسكرية بين معسكرين مقتدرين . والسوري المدعو للمشاركة من أجل الشهادة ، والتصويت بنعم للجهة المرتبط بها .

إن من أدرك هذه الحقيقة المريعة البشعة ، هو الشعب السوري ، لاسيما في المناطق والمدن المشتعلة وتدور فيها وعليها معارك الحرب ، مثل حلب ودير الزور وحمص والحسكة والسلمية وريف إدلب وريف السويداء ودرعا وريف اللاذقية ، التي تكابد الحصار ، وقذارات الحرب و وحشيتها . وقد اشتدت معانتها في الأيام الأخيرة ، حيث بات قصف المسلحين الهمجي لأحياء حلب ، وقتل سكانها وأطفالها ، كأنه قصف على أهداف وهمية في دورة تدريبية . وفي إدراك هذه الحقيقة ، لم يعد لدى سكان هذه المناطق والمدن وغيرها ثقة بالحل السياسي الدولي ـ الدولي . فأي حل سياسي غير وطني ، حيث تكون فيه وحوش الجماعات المسلحة جزءاً منه ، بإشراف ودعم دولي ، هو.. مشكوك بمصداقيته السلمية ، والإنسانية ، والوطنية .

إذ كيف يثق ابن دير الزور المحاصر وعائلته وأهله .. ليموت جوعاً ، إن لم يمت تدميراً ، بمن يحاصره ، ويجوعه حتى الموت ، ويدمره بالقذائف والصواريخ .. سواء كان من داعش أو النصرة أو التابعين لهما .
وكيف يثق أهل حلب ، الذين يكابدون الحصار والحرب والقصف اليومي ، بمن ينفذ بهم عقاباً جماعياً همجياً خلال السنوات المتوالية ، الذي تنفذه داعش والنصرة وأحرار الشام وجيش الإسلام وكتائب السلطان مراد والسلطان محمد وحركة نورالدين الزنكي . وجميع هؤلاء وأولئك يستحقون المحاسبة والعقاب ، على جرائمهم الحقودة البشعة ، وليس اللقاء معهم وإكرامهم والارتقاء بهم سياسياً . بمعنى لا حل سياسي مع القتلة وداعميهم الإقليميين والدوليين . وإن تمت صفقة في هذا السبيل ، فمصيرها هو الفشل ، وستعقبها حروب وصراعات مديدة .

والؤال المطروح جدياً الآن " من الذي أفشل مشروعية وأهمية الحل السياسي .. أليست هي مكونات الأطراف الداخلية والخارجية المسماة لإجراء الحوار حول الحل السياسي ؟ . بدلالة الابتعاد منذ البداية عن المشاركة في مؤتمر وطني في الداخل .. وعن الاستعداد لتحكيم الشعب .ز والخضوع لقراره .. عبر الانتخابات والآليات الديمقراطية .. وآثروا الإسقاط للنظام ولحق الشعب في تقرير مصيره ؟ .

لذا إن مسار البحث عن حل ينقذ البلاد من صفحات الأخطاء والخطايا في المرحلة الماضية ، ومن مجازر وتدمير وحوش الإرهاب الدولي ، صار يتطلب .. ومنذ البداية كان يتطلب ، مفاهيم ومعايير وأساليب مغايرة . جوهرها .. وأول أولوياتها .. الحرص على الوطن .. الذي يعني رفض العنف في أي حوار أو خلاف داخلي ، ورفض الحرب ، وإطفاءها إن اشتعلت ومحاسبة المتسببين فيها ، ومعالجة كل الأمور .. ورسم التطلعات .. وفق موازين هذا الحرص .. قبل دوافع الثارات .. والطموحات .. والجري وراء الصفقات .. والسلطة ..