الاحتلال الفرعوني لتل أبيب

توفيق أبو شومر
2016 / 5 / 10

نشرت صحيفة معاريف الاسرائيلية موجزا لنظرية الدكتور إسرائيل فنكلشتاين، برفسور الآثار في جامعة تل أبيب، يوم الثلاثاء 14/4/1998
وهو يؤكد بأن رواية التوراة لخروج بني إسرائيل من مصر ،لم تثبت علميا، وقال:
لم تكتشف أية أدلة على واقعة الخروج، على الرغم من المسح الشامل لسيناء، ودلتا النيل، طولا وعرضا وعمقا، فليست هناك براهين على مرور أي يهودي، عبر طريق الخروج المزعوم.
الغريب أن رواية البرفسور جاءت في أثناء أعياد الفصح اليهودية، وهو يصفع قراءه الإسرائيليين أيضا بأن (يعقوب) وأبناءه لم يستوطنوا مصر أبدا في القرن الثالث عشر قبل الميلاد.
وهو يعرض ثلاث نظريات سادت التأريخ بشأن هذا الموضوع:
النظرية الأولى:
رواية التوراة نفسها، التي تسرد احتلال يوشع بن نون أرض فلسطين، ورائد هذا الاتجاه، الباحث الأثري الأمريكي، وليم فوكسفول، ويعتبره الإسرائيليون الأب الروحي لعلوم آثار بني إسرائيل، وقد أيد هذه النظرية البرفسور يغال يادين، ولم يعثر على دليل واحد يؤكد هذه النظرية.
ويورد من الأدلة ما يعزز قوله، يُشير إلى قصة استيلاء يوشع بن نون على أريحا، إلى انهيار أسوار المدينة، ويقول البرفسور:
إن أريحا لم تكن محاطة بالأسوار في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، في زمن العصر البرونزي، مضافا إلى ذلك، فإن المسح الأثري أثبت أن دمار المدن الكنعانية لم يكن ناتجا عن حملة عسكرية، كحملة يوشع بن نون، بل إن الدمار حلّ بها بفعل عوامل عديدة في فترة مائة عام أو أكثر.
ويشير البرفسور، فنكلشتاين إلى رواية التوراة عن ملك عراد أو (جرار) في النقب، والذي قاتله جيش يهوشع بضراوة، فيبين أن جرار ومحيطها كانت خالية من التجمعات السكانية في ذلك الوقت.
النظرية الثانية:
يمثلها عالم الآثار الألماني، أولبريخت آلت، الذي استند إلى ما جاء في أسفار الملوك، وكان استنتاجه بأن اليهود تسللوا كتسلل الرعاة، وكانوا يبحثون عن الكلأ، ثم انتقلوا للزراعة الثابتة، ودخلوا بعدئذ في صراع مع السكان الأصليين، فدُمرت المدن الكنعانية بفعل الاقتتال، أما الحروب الكبرى فقد اشتعلت في عهد داود.
ويعلق البرفسور، فنكلشتاين على هذه النظرية قائلا:
حتى هذه النظرية لم تؤيدها الاكتشافات الأثرية.
أما النظرية الثالثة:
فقد ولدت في أمريكا في الستينيات، فقد أكد عددٌ من رواد هذه النظرية أن سبب تأسيس الكيان اليهودي يرجع إلى ثورة اجتماعية، وليس بواسطة حملة عسكرية، وتفسر هذه النظرية هذا الأمر، بعدم المساواة، وانتشار الاضطهاد، مما دفع الفقراء اليهود للثورة، فتركوا أماكن سكنهم، واستقروا في الجبال، وأقاموا الكيان الإسرائيلي الجديد، الذي امتاز بالعدل والمساواة، بعد أن دمروا في طريقهم التجمعات السكانية الأخرى، ويدحض البرفسور أيضا هذه النظرية، لأن المكتشفات الأثرية لا تؤيدها.
وبعد هذا العرض يعرض البرفسور، فنكلشتاين نظريته معتمدا على علم الآثار، في السنوات الأخيرة، يؤكد أن الكيان الإسرائيلي أقيم بواسطة السكان المحليين، وليس بسبب حملة عسكرية، لذلك فقد جاء نتيجة سلسلة طويلة من الأحداث المتكررة، ولم يتكاثر السكان المحليون بهجرات من الخارج، ويدلل على ذلك بعمليات الرسم الدقيقة للمواقع، والمسح الأثري، وقورنت خرائط المسح الأثري بمكتشفات مشابهة في مواقع أردنية، فظهر تشابهٌ مذهل بينهما.
وكانت هناك ثلاث أمواج استيطانية في المنطقة، الأولى:
من الألف الرابع، والثالث قبل الميلاد، وانهارت هذه التجمعات السكانية في المنطقة، واختفت نهائيا عن الوجود، والثانية جرت في مطلع الألف الثاني، وزالت هي الأخرى، وجاءت الموجةُ الإسرائيلية الثالثة، وهي تشبه الموجتين السابقتين.
وهو يستنتج بأن هذه التجمعات السكنية عاشت بشكل دائم، وفي أوقات الأزمات كانت تتحول إلى موجات من البدو الرحل، ويؤكد بأن كلَّ الشرق الأوسط كان متماثلا في هذا النمط من الحياة.
وآخر موجات الاستيطان الإسرائيلي حدثت في فترة انهيار الحكم الفرعوني المصري، فقد كانت أرض إسرائيل! مقاطعة مصرية فرعونية، ومع انهيار مصر الفرعونية، بدا الاستيطان الدائم في فلسطين ، وأخذ الكيان الإسرائيلي في التبلور، ويورد البرفسور، فنكلشتاين دليلا مدونا على قبر الملك المصري مرفنتح، ابن رعمسيس الأكبر، في نهاية القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وقد كتب على القبر، أنه هدم عسقلان، وغزه ، وقد ورد اسم إسرائيل مكتوبا، وهي المرة الأولى التي يذكر فيها اسم إسرائيل كمجموعة سكانية، ومكتوب أيضا أن اسم إسرائيل ليست له أصول.
فنكلشتاين من الداعين إلى عدم الوثوق برواية التوراة، فالتوراة تصف داود كحاكم دولة إمبريالية، بينما هو مجرد قائد عسكري قبلي، كما أن عصر البناء ينسب إلى سليمان.
ويشير البرفسور، فنكلشتاين أن المكتشفات الأثرية المنسوبة لفترة داود وسليمان، في القرن العاشر قبل الميلاد، بنيت بعد ذلك بمائة سنة! وهكذا يُسمِّي علماء الآثار فنكلشتاين (تعديل فنكلشتاين). وهو يعني تحريك التاريخ مائة سنة.
استعدتُ المقال السابق الذي يعود تاريخه إلى ثماني عشرة سنة، لأن البرفسور إسرائيل فنكلشتين نفسَهُ أجرى لقاءً مع صحيفة يديعوت أحرونوت يوم 22/4/2016 وأكَّد نظريته السابقة، وأضاف إليها ما يلي:
"كان المصريون يحكمون أرض كنعان، وهذا يُناقض نظرية التوراة، ويكمن الدليل الأثري في الآثار الفرعونية الموجودة تحت مدينة يافا، ويؤيد النظرية الدكتور اسحق باز وهو باحث في سلطة الآثار الإسرائيلية، قال: منذ 3500 عام اكتشفنا بوابات لقلاع رمسيس الفرعوني.
أثار دكتور دييغو باركان استغراب الأثريين في تل أبيب أثناء الحفر عن الآثار، فقال:
"هنا قبل 5500 عام كان هناك مصنع فرعوني لإنتاج الجعة(البيرة) في وسط تل أبيب اليوم في شارع يتسحاق ساديه بالضبط، وجدنا جرارا عديدة استعملها الفراعنة لتخزين الجعة، على الرغم من أن الجعة لم تكن شرابا مسكرا، بل كانت جزءا من الشراب يُقدم على المائدة يشربه الصغار والكبار، كل هذا قبل رواية (الخروج) من مصر، وهي الرواية التوراتية.
يبقى أهم سؤال: كيف تكون الشعب اليهودي؟
يقول فنكلشتين: ظهر الشعب اليهودي منذ انتهاء الحكم الفرعوني، منذ القرن 13 قبل الميلاد، أسست مملكة إسرائيل، ويهودا، وهم اليهود القدماء، وهم السكان الأصليون الكنعانيون، ومكتشفات الآثار في يافا تؤكد هذه الرواية، حيث كان رمسيس هو الملك، وعلى جبهته علامة، رع،
إذن لا وجود لرواية الخروج من مصر، وأن هناك ستمائة ألف أسرة يهودية خرجت من مصر، مما يعني مليوني فرد، إنَّ المكتشفات الأثرية لا تدعم قصة الخروج من مصر!
يضيف، فنكلشتين:
مِن الواضح أن كاتب النص التوراتي، لم يعرف حقيقة العصر البرونزي، الذي لم يذكر احتلال المصريين لأرض إسرائيل، لذا فإن النص التوراتي لم يكتب في الزمن نفسه.
كما أن انهيار مملكة الكنعانيين استمر مائة عام" انتهى خبر يديعوت أحرونوت.
أخيرا، على الرغم من أن البرفسور فنكلشتاين لم يغادر إسرائيليته! فهو يثبت بأن الإسرائيليين كانوا مواطنين دائمين في فلسطين! إلا أن نتائج بحثه قد أثارت المتعصبين الإسرائيليين، فها هو الباحث التوراتي البرفسور، أبراهام ملمات من الجامعة العبرية يقول:
كل مشكك في أمجاد داود، وسليمان عدو للتوراة، وعدو لإسرائيل!!
وبعد، هل نتائج أبحاث الدكتور فنكلشتاين، ستعيدنا من جديد إلى استخلاصات ونتائج أبحاث الدكتور كمال الصليبي في كتابيه، اليهودية جاءت من جزيرة العرب، وكتاب حروب داود؟
وهل هناك باحثو آثار، عربٌ، وفلسطينيون، يواصلون أبحاث د. كمال الصليبي، الذي أكَّد بأن موطن اليهود في جنوب الحجاز، وما يليها من بلاد عسير حتى اليمن، معتمدا على رواية الهمذاني صاحب كتاب الإكليل، المتوفى في نهاية القرن العاشر الميلادي، الذي يورد خبر هرب داود نقلا عن أخبار القدماء، ودخوله إلى غار في جبل حراء خارج مكة؟!
(كتاب حروب داود ً دار الشروق بيروت لبنان )؟!