التمرّد يواجه الاستبداد

عصام شعبان حسن
2016 / 5 / 9

شهدت المنطقة العربية أسبوعاً من الاحتجاجات... من احتجاجات يوم الأرض المصري ونقابة الصحافيين، إلى مظاهرات العاطلين في مدن "القصرين" و"تاله" و"الكاف" التونسية، إلى احتجاجات عمال البترول في الكويت، وصولاً إلى تظاهرات السودان.
عالمياً احتفل العمال بيومهم في الأول من مايو/ أيار، رفعوا المطالب نفسها التي رفعتها الطبقة العاملة منذ أن مرت البشرية بعصر التصنيع. الخبز والحرية شعاران حاضران في كل فصول التمرد البشري. يسلط الحكام سيف القمع لاستدامة الاستغلال والهيمنة على السلطة والثروة معاً. ولكن هل تغيرت أوضاع العاملين منذ عصر العبيد أم تغير شكل الاستغلال؟
تحول العمال اليوم إلى خدم عند الطبقة الحاكمة. فكل عامل يقوم بدوره لتكريس سلطة الحاكمين وتراكم الأرباح. كان العمال في السابق كالأقنان، والآن أصبحوا عمالاً بأجر يعانون من ظروف قاسية، في ظل عدم المساواة وسوء توزيع الموارد، واستشراء الظلم الاجتماعي وسيادة طبقات حاكمة تنهب البلاد وتحكمها بالحديد والنار.

لم تكن الثورة بالوطن العربي نتيجة دعوات على شبكات التواصل الاجتماعي كما يحلو لبعض النخب أو النظم الادعاء، بل كان الظلم الاجتماعي الملحوظ، والذي تعاني منه الأغلبية العظمى من شعوب المنطقة أساس الانتفاضات العربية. فوسائل التواصل لم تكن إلا أداة للتعبير عن الغضب بسبب غياب العدالة ورفض نمط الاقتصاد الذي أفرز البطالة والتهميش والفقر.

تعيد نظم ما بعد الثورات صياغة نفسها من جديد، تلتف على الأزمات بسياسات قديمة، وأمام الأزمة، تعود لمحاصرة الحراك الاجتماعي.

في الأسبوع الماضي، عادت مجدداً مظاهرات الغضب الطلابي في جامعات السودان. اغتيل الطالب أبو بكر حسن على يد الأمن أثناء تقدم قائمة مرشحين لانتخابات الطلاب في الجامعة، فثارت جامعة كردفان الأهلية، ثم تلاها واقعة استشهاد محمد الصادق في جامعة أم درمان أثناء تظاهرة رافضة للقصف العسكري على جبال النوبا، بينما تظاهر طلاب جامعة الخرطوم ضد سياسة الدولة في التحرير الاقتصادي، وخصخصة التعليم، وبيع أراضي الجامعة. القرار الأخير لبيع الجامعة لم يشغل وحسب الطلاب، ولكنه أثار غضب فئات شعبية أخرى عانت من سياسة النظام الاقتصادية.

في مصر، تظاهر طلاب الجامعات ضد التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، وهو التنازل الذي تزامن مع تقديم السعودية منحاً ومساعدات وإبرام عدد من الاتفاقات الاستثمارية التي يسعى النظام من خلالها للخروج من أزمته الاقتصادية الحادة.

بينما أتت فصول الاحتجاج الاجتماعي التونسي في عدة مدن على خلفية التهميش الذي تعانيه تلك المدن من ندرة فرص العمل وتراجع الأنشطة الإنتاجية الزراعية والصناعية وعجز التحالف الحاكم عن فك الأزمة الاجتماعية. في مصر كما في تونس، تصدت قوات الأمن للحركة الاحتجاجية الشبابية والعمالية، حيث يقبع خلف الأسوار سجناء، اتهموا بالتظاهر والاحتجاج على خلفية بيع الجزيرتين. أما نقابة الصحافيين، فتقاوم منذ أسبوعين الحصار البوليسي بعد تظاهرات خرجت ضد سياسات النظام. هذا ويستمر الهجوم على النقابات المهنية والعمالية المستقلة، حيث تم منع الحركة العمالية من تنفيذ أنشطتها، وألغيت احتفالية يوم العمال في مصر في نقابة الصحافيين في إشارة واضحة، إلى أن تصريحات الرئيس، عبد الفتاح السيسي، حول ضرورة امتناع النقابات الخوض في السياسة، لم تأت من باب النصيحة بل أمر سلطوي ستنفذه قوات الأمن وأجهزة الدولة لإلغاء أي دور للنقابات.

لا شك أن حصار نقابة الصحافيين المصريين واقتحامها من أجهزة الأمن والقبض على اثنين من أعضائها، نموذج يختصر خصائص الدولة البوليسية، ويلخص فشل النظام في إدارة المجتمع وحل أزماته المتشابكة. يستهدف النظام النقابة بوصفها مساحة حرة عبرت فيها مكونات المجتمع الفكرية والسياسية عن مواقفها. من هناك انطلقت فعاليات دعم الانتفاضة الفلسطينية، ومنها انطلقت حركة "كفاية". وعلى أدراجها، نظم العمال مئات الوقفات الاحتجاجية والمؤتمرات لمناقشة المطالب والهموم.