اَلْدَاْئِنُوْنَ يَلْتَهِمُوْنَ اَلْسُّوْدَاْنْ بِمُبَاْرَكَةِ اَلْمُتَأَسْلِمِيْنْ ..!

فيصل عوض حسن
2016 / 5 / 7

اَلْدَاْئِنُوْنَ يَلْتَهِمُوْنَ اَلْسُّوْدَاْنْ بِمُبَاْرَكَةِ اَلْمُتَأَسْلِمِيْنْ ..!


كتبتُ كثيراً عن مُحَاصَرَة الدائنين للبشير وعصابته، ومُطالباتهم بسداد أقساط ديونهم على السودان، وفُقدان أراضي الدولة وأُصولها العقارية التي قَدَّمها المُتأسلمون كضماناتٍ لتلك القروض، وأشرتُ لتصريحات البشير وعصابته (الاستباقية) وإلهاءاتهم المُتلاحقة، لامتصاص ردود أفعال الشعب الذي سيتفاجأ بـ(مالكي) السودان الجُدُدْ، مع سعي المُتأسلمين الحثيث لإحداث الفوضى، حتَّى يتمكَّنوا من الهروب دون مُساءلةٍ أو عقاب على الجرائم التي ارتكبوها، أو استرداد الأموال التي نهبوها من البلد، وهي أمورٌ نراها الآن بصورةٍ كثيفةٍ ومُتسارعة.
آخر مقالاتي في هذا الخصوص، كانت بُعنوان (الجزيرةُ هدفٌ إسلامويٌ قادم)، تناولتُ فيها خدعة المُتأسلمين الكبيرة للسودانيين عموماً، ولأهلنا بالجزيرةِ خاصة، واستهدافهم الخفي للنيل من المشروع والتخلُّص منه نهائياً. حيث بدأت الدراما الإسلاموية يوم 11 أبريل 2016، بما اسموها (نَفْرَة) الجزيرة لتنمية الولاية وأعلنوا بنهايتها عن رصدهم لمبلغ (210) مليار جنيه كتبرُّعات، وتَعَهَّدَ البشير (شخصياً) بدفع (أربعة أضعاف) تلك التبرُّعات، واحتفى إعلامهم المأجور بالمسرحية وضَخَّموها كالعادة. ثمَّ وفي أقلَّ من أربعة أيَّام، ودون زخمٍ إعلامي، كَشَفَت صُحُف 15 أبريل 2016 عن مُوافقة والي الجزيرة (بحضور وزير زراعته وآخرين)، على إتاحة (800) فَدَّان من أراضي المشروع لإحدى الشركات الصينية للاستثمار، و(تَعَهُّده) الشخصي بتذليل كافة العقبات التي تعتري هذه الخُطوة (الغادرة)، وقاموا بتحديد موقع الـ(800) فَدَّان بشكلٍ دقيق، بما يُؤكِّد تخطيطهم (المُسبق) وبالتالي خِداعهم وتضليلهم، الذي أسفر عن وقوع الكثيرين في فخهم المُحكم، وهو موضوعٌ سنفرد له مساحة خاصَّة إن شاء الله. والآن يتكرَّر الخِدَاع (ودون صَخَبٍ إعلاميٍ أيضاً) بالشمالية، فوفقاً لما نَشَرَته (سونا) يوم 5 مايو 2016، فإنَّ وفوداً صينية ستبدأ زيارة للولاية الشهر المُقبل، بغرض الاستثمار الزراعي (50 ألف فدَّان) والصناعي (تعبئة التمور والأغذية) والتعدين (بمساحة 300 كيلومتر مُربَّع)، واستخدام الطاقة البديلة كالشمسية والرياح. وفي ذات السياق، أعلنت وزارة الاستثمار الولائية، عن استهداف الوفود الصينية للاستثمار في مصنع الأسماك بوادي حلفا، تبعاً لمُذكرة تفاهم مع مجموعة دال لتأهيل المصنع بتكلفة تبلغ 5 ملايين دولار!
من الواضح جداً أنَّ الصين بدأت بإشباع أطماعها في السودان، وباتفاقٍ مع البشير وعصابته الغادرة، فالديون الصينية التي تحصَّل عليها المُتأسلمون باسم السودان كانت بمُعدَّلات فائدة عالية جداً، وتمَّ تقديم أراضي الدولة وأصولها العقارية كضماناتٍ لنيها، ثمَّ إحالة تلك القروض للمصالح الشخصية وتهريبها للخارج، واستخدام جُزء ضئيل منها في مشروعاتٍ فاشلة أبرزها سد مروي الكارثي، والكباري المُتهالكة التي تأكلها (الجُقُور)، والشوارع غير المُطابقة للمُواصفات القياسية، وهو واقعٌ نراه ماثلاً صنعه المُتأسلمون (عَمْداً)، وحينما أتى أوان سداد الأقساط، امتنعوا عن السداد ولا نقول (عَجَزوا)، لأنَّ الديون المحسوبة على السودان أصبحت أرصدة وأملاك خارجية يمتلكها البشير وعصابته، ولا يرغبون في فقدانها حتَّى ولو كان الثمن ضياع السودان وتلاشيه! وسواء عَجَزوا أو امتنعوا، فإنَّ أراضي السودان وأصوله العقارية تُواجه خطر الاستلاب من الدائنين وعلى رأسهم الصين، وهو أمرٌ شرحناه كثيراً ولن يتوقَّف على الجزيرة والشمالية فحسب، وسيمتد لما تبقَّى من السودان كما يلوح في الأفق سنَّار والنيل الأزرق والشرق والنيل الأبيض.
قد ينبري المُتاجرون مُدافعين عن هذا الغَدر والخيانة بحُجَّة الاستثمار والتنمية التي يحتاجها السودان عموماً، والشمالية بصفةٍ خاصَّة، وفي هذا نسأل عن شروط التعاقُدات الصينية الجديدة والقائمة كسد مروي على سبيل المثال؟ وما الذي حَقَّقناه تلك الاستثمارات مُقارنةً بما (فقدناه)، سواء كانت أراضي أو قروض يتحتَّم سدادها أو أمراض تبعاً للنفايات والمواد السامَّة التي دفنوها هناك؟ وهل فشل السودانيون عموماً، وأهل الشمالية خصوصاً، في إدارة وتطوير تلك المشاريع والأراضي التي أتاحوها للصين؟ أم تمَّ (تعطيلها) بقصد لصالح الصين وغيرها؟ وما أثر تلك المشروعات والاستثمارات على الدخل السنوي والاقتصاد السوداني بالأرقام؟ وهل تمَّت دراسة انعكاساتها خاصَّةً البيئية والاجتماعية والأمنية كما تقتضي المبادئ العلمية والمهنية؟ ومتى تمَّت هذه الدراسة ومعاييرها ومن الذي قام بها؟ ثم إلى أين سيذهب أهالي المناطق التي سيُتيحون أراضيها للصين؟ والأهم من ذلك، ما هي علاقة مجموعة دال بالموضوع؟ هل هو استثمارٌ بالباطن، أم هي وسيطٌ مع الصينين ولماذا؟ ومن جهةٍ ثانية، فإنَّ مشروعات الطاقة البديلة (الشمسية/الرياح) المُشار إليها، (تَفْضَح) تبريرات المُتأسلمين بشأن السدود التي يُصرُّون على إقامتها هناك لتوليد الكهرباء، وتُعزز القناعة بأنَّ لها أهدافاً غير التي أعلنها المُتأسلمون!
المُتأمل للدرامات الإسلاموية وخياناتها المُتلاحقة، يجدها ترتكز على عُنصُر الإلهاء والتكتيكات المُختلفة لأُسلوب الإدارة بالأزمات، خاصَّةً التصعيد الدائري المُتراكم بزيادة الضغط الأزموي، حيث يتم تصعيد الأزمة باستخدام كافة الأدوات والوسائل وتخفيفها مرحلياً، ثم يُصعِّدونها ثانيةً بشكلٍ مُتكامل ومُتنامي ثمَّ تجميد فتصعيد وهكذا. ويُستخدم هذا التكتيك لإرهاق وإرباك الكيان المُستهدف بالأزمة (نمثله نحن السودانيون)، وخلخلة هيكله وضعضعة عناصره، وإحداث حالة من اليأس والإحباط والتقهقر والاستجابة لمطالب صانعي الأزمة (المُتأسلمون). ويعقب ذلك، في العادة، مرحلة سَلْبْ وابتزاز و(حَلْبْ) الكيان المُستهدف ومنعه من أي مُناهضة أو اعتراض، بدءاً بالتهديد والبطش وانتهاءً بإشراك بعض أعضاء الكيان المُستهدف في جَنْيْ المنافع، وهو ما يفعله المُتأسلمون بالضبط.
فبالتوازي مع إغراء المُغامرين من أبناء المناطق المنكوبة بالتعيينات السياسية، أو اقتسام منهوبات السودان المُختلفة، يُمارس المُتأسلمون البطش بأسوأ صوره ضد الشعب السوداني بلا استثناء، عقب شَرْعَنَتِهَا بالتعديلات الدستورية أو بالقرارات الرسمية كقانون، مُعاقبة المُتظاهرين أو توجيهات البشير (المُوثَّقة)، بعدم (مُساءلة) الشُرطي أثناء أداء واجباته حتَّى ولو قَتَلَ العُزَّل، ودونكم أحداث بورتسودان وكجبار وجامعة الجزيرة، وسبتمبر وأمدوم ومدني والحماداب والجنينة، ومُؤخَّراً أحداث جامعتي الخرطوم والأهلية والأرواح العزيزة التي فقدناها فيها، وتضليل الإعلام الإسلاموي المأجور للرأي العام وتجريمه للطلاب واتهامهم باختراع مادَّة كيميائية قاتلة، وتناسوا تجاوُزات مليشيات البشير الإجرامية، وتعدياتهم الصارخة لكل الحدود الشرعية والقانونية والإنسانية.
وبقدر مرارة وقساوة هذه الحقيقة، علينا إدراك أنَّ البشير وعصابته لن يتوقَّفوا عن إجرامهم، وسيواصلون إغراقنا في الديون التي يأخذونها باسم السودان ويُحيلونها لمصالحهم الشخصية، وسيمتنعون عن سدادها للدائنين الذين بدأوا يتهافتون على أراضينا ويلتهمونها، فها هم قبل أُسبوع يستدينوا من قطر 110 مليون دولار، بحجة بناء مُجمَّعات سكنية وبالتأكيد قَدَّموا لها أراضٍ جديدة كضمانات، تُضاف لأملاك قطر السودانية التي تجاوزت نحو 600 ألف فدان، وفق ما نشرته سي إن إن (CNN) قبل نحو شهرين، بخلاف الأراضي المُحتلَّة من إثيوبيا ومصر وغيرها، وهو موضوعٌ سنُفرد له مساحة خاصَّة قادمة بحول الله.
علينا الانتباه للخَطَّيْنْ المُتوازيين اللذين يعمل المُتأسلمين في إطارهما، وأوَّلهما الاستمرار بالاستدانة وتقديم المزيد من الأراضي كضمانات، وثانيهما إحداث الفوضى ليتمكَّنوا من الهروب دون عقابٍ أو استرداد الأموال المنهوبة، ولا مجال لتلافي هذين المُخَطَّطين إلا بتكاتفنا نحن السودانيون بصدقٍ وتجرُّد، بعيداً عن بيانات المُناهضة والإدانة الهُلامية، والرمادية الطاغية على عملنا السياسي الماثل، ومن الأهمية الانتقال لأفعالٍ (حقيقيةٍ) عاجلة دون سقوف. فالأمر يفوق بكثير بيع مُؤسَّس أو قطعة أرض، أو زيادة أسعار سلعة أو خدمة، ليطال سيادة السودان كدولةٍ وكيان، وبقائه كأرض بمن فيها.