تظاهرات العراقيين .. النتائج العرضية

جعفر المظفر
2016 / 5 / 5

تظاهرات العراقيين .. النتائج العرضية
جعفر المظفر
من حق الجميع أن يعطي رأيا بالتظاهرات التي يقودها الصدريون بالمشاركة مع قوى جماهيرية رافضة لمبادئ وسياقات العملية السياسية, وسواء كان ذلك الرأي سلبيا أو إيجابيا, أو بين بين, أو كان ناقصا أو حائرا أو مرتبكا أو متأرجحا, أو غير محسوم, أو حتى متقلب, فلأن الوضع السياسي العراقيي صار من التعقيد بحيث أن الوصول إلى رأي دقيق وإستنتجات مصيبة ليست بالأمر السهل على الإطلاق, خاصة وإن من يقود المجابهة, أي الصدريين, كانوا إلى حتى هذه اللحظة جزء من النظام السياسي, وليس هناك ما يشير إلى أنهم يرفعون شعار تبديل النظام بل نراهم يدورون حول مبدأ الإصلاح, وحتى هذا المبدأ فهو يميل إلى الترقيعية التي تتوخى إصلاح الهيكيلية التنظيمية على طريقة تبديل الوجوه بأخرى تكنوقراطية, أي أنه لا تتعامل مع جوهر المشكلة نفسها, مبدأ (الشلع قلع) الذي ينادي به قائد التيار محصور بتغيير التركيبة الوزارية, وغير معني بتبديل النظام السياسي بآخر مختلف البنية والعقيدة السياسية.
لكن من الحق أن لا نحكم على تلك (الإنتفاضة) أحكاما نمطية أو مؤدلجة أو نخضعها لقياسات الثورة النموذجية. إن أحكاما بهذا الإتجاه ستكون خاطئة بكل الأحوال لأنها تسقط ما في العقل على ما في الأرض, بدلا من أن تأخذ ما في الأرض إلى العقل, ثم تجد له تعريفا ملائما لتحكم عليه بعدها. وستكون من أول الأخطاء أن نحكم على تلك التظاهرات بنتائجها النهائية, لا بما تفرزه من نتائج جانبية, ستكون هي الأهم, إذا ما أٌحسن تعريفها ووصفها, ثم العمل على تطويرها, ثم الدخول إلى مرحلة جديدة على ضوء التعامل معها كمعطيات أساسية لمرحلة ما بعد التظاهرات.
الإقتراب النصي أو القالبي أو الإسقاطي المؤدلج من الحدث سيرى فيه إفتقاره إلى شروط ومواصفات الثورة الناجحة ليكون بالتالي أقرب إلى الفوضى منه إلى الثورة الحقيقية.
هذا الإستنتاج سيكون خاطئا وحتى ظالما إذا لم يتأسس في بدايته على وصف دقيق للحدث نفسه وعلى إقتراب موزون للحكم عليه بعد ذلك التوصيف لا قبله.
لا أحد من القائمين على التظاهر يدعي بأن الذي يحدث هو ثورة حقيقية على النظام السياسي لتبديله, وإنما هناك تأكيد على أن ذلك يأتي في سياق ضغوطات من أجل إنجاز صفحة الإصلاح كما يراها القائمون على الأمر, وهو هدف لا شك بعيد عن مفهوم الثورة التي نؤمن أنها تحمل التغيير الحقيقي.
الحكم على الحدث كوسيلة إصلاح من داخل النظام نفسه هو غير الحكم عليه من خلال قياسه بصيغ وسياقات الثورة الأمل.
الأول يجعلك تحكم على إمكانات نجاحه بحدود وظيفته, والثاني يجعلك تحكم عليه بما تتمناه لا بما يمثله.
بأحكام كهذه, تتقن فن التوصيف أولا, وبعيدا عن الأدلجة أو القياس أو إسقط النماذج, يكون النقد أفضل لأنه سيضمن التعامل مع الحدث كما هو على الأرض وليس مع النموذج كما هو في خانة التمني.
وإذا كنا سنحسن الوقوف أما النتائج العرضية, اي ما تحقق فعليا, فسننتهي إلى أن, أثمن ما أنتجه, هو هذا الإنفجار في الجسم الشيعوسياسي الذي يمثله التحالف الوطني القائم على نظرية البيت الشيعي التي تقف على النقيض من مفهوم البيت الوطني الواحد. لقد تحرك الماء الراكد داخل البحيرة الآسنة وصار بالإمكان تصور وجود مساحة سياسية جديدة يمكن العمل على بلورة أهدافها الوطنية بشكل أفضل. لقد دأب طائفيو الشيعة على محاولة ترسيخ وحدة البيت الشيعي كحقيقة تاريخية وكخط دفاع أول عن النظام سيكون من المستحيل إختراقه وكأنه مشابه لخط ماجينو الشهير, لكن هذا الخط الدفاعي صار قابلا للإنهيار تماما كما إنهار خط بارليف الإسرائيلي .
النتيجة العرضية الأخرى التي أنتجتها حركة الرفض الجماهيرية الأخيرة هو تعرية وجه التنظيمات التي تدعي تمثيلها للسنة وعلى رأسها إتحاد القوى, الذي أظهرت مواقفه المساندة لشيعة النظام السياسي الفاسد أنه أبعد ما يكون عن تمثيل السنة, بل أظهرته, مع طائفي الشيعة, وكأنهم يشكلون طائفة واحدة, لا علاقة لها بالمذاهب أو بأهلها, وإنما بالسحت الحرام وحده.
من ناحية أخرى, شكلَ الهتاف الجماهيري ضد الإستعمار الإيراني للعراق الذي تعالى من قبل الجماهير الشيعية نفسها واحدة من فضائل التظاهرات نفسها وأكد على أن العراق الوطني لم ينتهي ولن يكون لقمة سائغة لأي قوة إقليمة غاشمة تستخف بأهله وكرامته.
على الجانب الآخر لا يمكن إغفال حقيقة أن الصدر يخوضها أصلا لتحقيق إنتصارات سياسية في معاركه البينية مع قوى البيت الشيعي, يتقدمهم المالكي والعصائب, وحتى مع ما إعتاد تسميته بالمرجعية الصامتة, وإنه لم يصل بعد إلى فراق حقيقي مع النظام المعتل, وإن معاركه الأخيرة قد تكون أتت بشكل اساسي لهذا الغرض نفسه, لكننا , حتى ونحن نقف أمام هذه الحقائق بوضوح وإدراك, علينا أن لا ننسى قيمة النتائج العرضية التي تحققت, ونمتنع, مع حقنا, في تأشير ونقد المظاهر السلبية لمسيرة الصدريين أو لأهدافهم النهائية, عن التقليل من قيمة تلك النتائج العرضية. بل أن علينا في الحقيقة أن نركز على تلك النتائج العرضية لكي نستدل بها, سواء لغرض الحكم على تلك التظاهرات, أو لغرض تبين طريق ما بعد تلك الإنتفاضة