معتقلو وسجناء العراق: من يدافع عن حقوقهم المغتصبة؟

كاظم حبيب
2016 / 5 / 4

لم يتمتع السجناء السياسيون العراقيون، منذ بدأت سجون العراق تستقبل السياسيين أفراداً وجماعات، بالحقوق المقررة دولياً. لم يكن قد حصل هذا في العهد الملكي وفي ظل العلاقات شبه الإقطاعية والهيمنة البريطانية على سياسة البلاد، رغم النضالات الباسلة التي خاضها السجناء السياسيون وقدموا الكثير من التضحيات، ومنها تعرضهم لمجزرتي بغداد والكوت في العام 1953، بسبب مطالبتهم بحقوقهم المشروعة، التي أقرها الدستور العراقي والقوانين المعمول بها حينذاك، وتحسين ظروفهم ومعيشتهم، مما أدى إلى استشهاد عدد من السجناء السياسيين وجرح العشرات منهم.
ولم يكن حال السجناء السياسيين في فترة حكم البعث والقوميين الأولى، وحكم القوميين، ومن ثم حكم البعثيين الثاني، تمت إلى البشر بصلة، فقد كان المحققون وأجهزة الأمن والشرطة وشرطة المعتقلات والسجون وحوش كاسرة منحت حق تعذيب الإنسان بكل الأساليب المتوفرة، بما في ذلك فرم الإنسان بمكائن فرم عملاقة استوردت خصيصاً لسجون العراق، إذ فرم فيها الكثير من السجناء السياسيين ورميت لحومهم للسمك في نهر دجلة ببغداد.
وعلى امتداد الفترة الواقع بين شباط/فبراير 1963 ومارس/آذار 2003 استقبلت سجون البعثيين والقوميين والبعثيين ثانية، السرية منها والعلنية، مئات ألوف المعتقلين والسجناء السياسيين الذين تعرضوا للاعتقال الكيفي والتعذيب، وجمهرة كبيرة جداً منه استشهدوا تحت التعذيب أو أعدموا أو أرسلوا إلى جبهات القتال الأمامية ليستشهدوا هناك. وكان التعذيب الذي يتعرض له المعتقل أو السجين السياسي يجسد قمة السادية المرضية والعدوانية والرغبة في رؤية الضحية يتعذب بين أيدي جلاديه. إنها شهوة السيطرة والتحكم بالإنسان الضحية. وعلى عهد البعثيين والقوميين يقدم قصر النهاية وقطار الموت وجميع سجون بغداد المعروفة وعموم العراق، نماذج رهيبة لما كان يحصل فيها من تعذيب. وقد كتبت عنها الكثير ونشرت كتاباً بهذا الصدد تحت عنوان "الاستبداد والقسوة في العراق" صدر عن مؤسسة حمدي بالسليمانية في العام 2005. كما كتب الكثير من العراقيين والعراقيات عن التعذيب في سجون البعث المجرم.
وفي أعقاب سقوط النظام الدكتاتوري الفاشي في العام 2003 تحت ضربات القوات الأمريكية والبريطانية الغازية واحتلالها العراق وفرضها نظام المحاصصة الطائفية على المجتمع وضد هوية المواطنة المتساوية، ورغم شجب هاتين الدولتين في إعلامها ودعاياتها السابقة لسجون نظام البعث بالعراق وما كان يجري فيها، وتسمية نظام البعث الغاشم وصدام حسين بالفاشي، فإنها مارست في سجون العراق، وخاصة في "سجن أبو عريب" جميع الأساليب المحرمة دولياً ضد السجناء السياسيين، او المتهمين بالإرهاب، أو المعارضين للوجود الأمريكي بالعراق. إن الأساليب التي مارستها، حتى ضد الأطفال والنساء، لم تختلف بأي حال عن تلك الأساليب الفاشية السادية التي مارسها صدام حسين مع سجناء الرأي بالعراق، ولا عن الكثير من تلك التي مارستها أجهزة الغستابو وألـ "أس أس ss" النازية الهتلرية بألمانيا ضد السجناء السياسيين. ولم يكن المشاركون في أعمال التعذيب البربرية أو يعرف بها أولئك المرتزقة الذين وظفوا لهذا الغرض والقوات العسكرية الأمريكية، بل كبار المسؤولين الأمريكيين، وفي مقدمتهم رئيس الدولة الأمريكية جورج دبليو بوش، ووزير دفاعه رامسفيلد وكل القادة العسكريين الأمريكيين المسؤولين الذين حكموا العراق حينذاك، وحكام العراق ممن تواطئوا مع الأمريكيين في تلك الممارسات الإجرامية.
ولم تنته الأساليب المنافية لحقوق الإنسان التي ترتكب بحق السجناء السياسيين أو المتهمين بارتكاب عمليات إرهابية بالعراق بخروج القوات الأمريكية والبريطانية، وتلك الهيئات الأمنية الإرهابية التي وظفت لـ "حراسة!" السجناء والمعتقلين، بل استمرت تلك الأساليب حتى الآن. ورغم أثارتي وآخرين لما يجري في معتقلات وسجون العراق لمرات كثيرة، إلا إنها لم تجد أذاناً صاغية من حكام العراق أو الأحزاب الإسلامية والقومية السياسية العراقية الحاكمة، أو حتى غير الحاكمة أو من القضاء العراقي، وهو أمر يرثى له حقاً. ومنذ العام 2005 و2006 حتى الآن توجد سجون سرية بالعراق، إضافة إلى السجون العلنية. وهي لا تختلف في أساليب التحقيق والتعذيب والتدمير الجسدي والنفسي وظروف العيش والحياة داخل السجون عما كانت عليه أوضاع السجناء في فترة حكم البعث الفاشي.
وأخيراً أصدرت منظمة العفو الدولية تقريراً بتاريخ 2/5/2016 يشير إلى ما يجري في السجون السرية بالعراق، والتي أقيمت ووسعت منذ فترة حكم المستبد بأمره والطائفي المهووس رئيس الحكومة السابق، والذي ما يزال يلعب دوراً كبيراً مضراً جداً في السياسة الرسمية العراقية، والتصدي لأي تغيير في الوضع الطائفي المقيت المرفوض من الشعب.
إلى ماذا يشير تقرير منظمة العفو الدولية، التي أنا عضو فيها وأثق بتقاريرها المحايدة إزاء التجاوزات على حقوق الإنسان في العالم، حول السجون السرية بالعراق؟
قام وفد من المنظمة الحقوقية ضم الأمين العام سليل شاتي بزيارة أحد هذه المراكز الواقع في منطقة عامرية الفلوجة الواقعة غرب بغداد، حيث جاء في التقرير الصادر عن منظمة "العفو الدولية" "ظاهرة الاعتقال على الشبهة وانعدام وسائل التحقيق تتفاقم في العراق، وكما أنّ ظروف الاعتقال بالغة السوء"، مضيفاً أن "حقوقيين وقادة رأي عراقيين وأجانب، كثيراً ما اعتبروا أنّ معاناة السجناء والمعتقلين في العراق ما هي إلاّ تداخل الاعتبارات السياسية بالعوامل الطائفية في تسيير الشأن العام". ثم أكّدت المنظّمة أنّ "السلطات العراقية تحتجز غالباً أبرياء بتهم الإرهاب في ظروف مروّعة في عموم البلاد"، مشيرةً إلى أنّ "الاحتجاز على الشبهة وخارج القانون وممارسة التعذيب داخل السجون، ووجود معتقلات سرية، جميعها ظواهر مستشرية في العراق منذ 2003 وما تبعه من مرحلة حكم الأحزاب الشيعية التي سخّرت أجهزة الدولة من داخلية وقضاء لتصفية حسابات مع رموز ومحسوبين على نظام حزب البعث والتعامل مع المواطن على أساس طائفي أو على الهوية". وأشار التقرير إلى أن هذه "الظاهرة ازدادت تفاقماً مع اندلاع الصراع ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وما رافق ذلك من بروز غير مسبوق لتشكيلات غير نظامية مسلّحة، ممثلة بمليشيات الحشد الشعبي غير الخاضعة لأي نوع من أنواع رقابة الدولة، والتي أتيح لها أن تسيطر على مناطق بأكملها وأن تجري فيها القانون على طريقتها"، مبينةً أنّ "شهادات كثيرة ترد عن عمليات اعتقال تمارسها المليشيات على نطاق واسع بحق سكان المناطق المستعادة من عناصر (داعش)، وأساساً بحق الذكور من شبان وكهول من أبناء الطائفة السنيّة بتهمة التعاون مع التنظيم لمجرّد الشك فيهم". وحول الاعتقال العشوائي جاء في التقرير ما يلي: " أن "ممارسة الاعتقال العشوائي لا تقتصر على المليشيات الشيعية، بل تشمل أيضاً القوات النظامية التي تعمد تحت ضغط الحاجة إلى منع تسرّب مقاتلي تنظيم (داعش) مع العوائل النازحة من مواضع القتال إلى توقيف غالبية الشبان والاحتفاظ بهم في معتقلات على أمل تحقيق مفترض غالباً ما يتأخر مدداً طويلة لعدم توفر العدد الكافي من المحققين ومن مراكز التحقيق المجهزة بالوسائل اللازمة". وعن أوضاع المحتجزين أشار التقرير إنّ "أوضاع احتجازهم تشكل صدمة كبيرة، حيث لكلّ واحد منهم مساحة لا تتجاوز متراً مربعاً، وليست هناك مساحة حتى للاستلقاء، كما أنّ الحمامات في نفس الغرف، إضافة إلى أنّ كمية الغذاء قليلة، والأوضاع بشكل عام مروّعة جداً ".كما أكد بعدم توجيه تهم محددة إلى المحتجزين كافة حتى الآن، وهم لا يعرفون لماذا هم محتجزون!!
وبالأمس (أوائل أيار 2016) قامت جماعات ملثمة وشرطة محلية باعتقال 22 شخصاً في مدينة الحلة، لأنهم شاركوا بالمظاهرات الشعبية التي تطالب بالإصلاح والتغيير الجذري. وقد اصدرت "جمعية المواطنة لحقوق الإنسان" العراقية بياناً احتجت فيه على هذا الاعتقال الكيفي، وطالبت بإطلاق سراحهم فوراً لأنهم لم يرتكبوا جرماً، بل مارسوا حقاً ثابتاً من حقوقهم المشروعة، كما هو وارد في المادة 38 من الدستور العراقي. وفي الوقت الذي أطلق سراح 4 منهم وبكفالة، أي يراد تقديمهم للمحاكمة، لم يطلق سراح البقية حتى الآن، علماً بأن بينهم من يقل عمره عن 18 سنة. إن ما جرى في الحلة، عاصمة الحضارة البابلية العراقية القديمة، ليس إلا إمعان في انتهاك حقوق الإنسان والتجاوز الفظ على حريته من جانب أجهزة الدولة والجماعات المسلحة الموازية التابعة للأحزاب الإسلامية السياسية الحاكمة. إن المعلومات المتوفرة تشير إلى وجود "دواعش شيعية" تتجول ببغداد، لا تختلف في سلوكها عن الـ "دواعش" الذين احتلوا الموصل والأنبار وصلاح الدين وغيرها. وهم الآن يرسلون التهديدات بالسجن والقتل إلى نشطاء تظاهرات الحراك المدني الشعبي وغيرهم. إن على منظمات المجتمع المدني فضح هؤلاء وممارساتهم ضد الإنسان العراقي، الذين يأتمرون بأوامر سيدهم المستبد بأمره وبالخارج.
إن الواجب الوطني والإنساني يستوجب من كل إنسان عراقي شريف يدرك مسؤوليته عن العراق وشعبه بالداخل والخارج، وكذلك منظمات حقوق الإنسان الإقليمية والدولية والرأي العام العالمي، أن يرفعوا صوت الاحتجاج والإدانة للاعتقال الكيفي وللأوضاع المزرية للمعتقلين والمحجوزين والسجناء السياسيين وغيرهم بالعراق، وأن يطالبوا المجتمع الدولي والحكومة العراقية والأحزاب السياسية بإطلاق سراح الأبرياء من المعتقلين وتوفير مستلزمات التعامل الإنسان معهم وتوكيل المحامين للدفاع عنهم ورؤية عائلاتهم، على وفق لائحة حقوق الإنسان وحقوق السجناء، ورفض التعذيب النفسي والجسدي والالتزام بالشرعية في عمليات الاعتقال والتحقيق بعيداً عن أجهزة الأمن المختصة بالتعذيب وعن المليشيات الطائفية المسلحة وقوى الإرهاب بالعراق.
علينا أن نتحمل مسؤوليتنا في الدفاع عن حقوق المعتقلين والمحتجزين والسجناء مهما كانت التهم الموجهة لهم، فالمتهم برئ حتى تثبت إدانته أولاً، وحين يبرأ يجب أن يطلق سراحه حالاً ويعوض عن فترة اعتقاله غير المبرر، وحين يجرم، فلا بد من التعامل معه على وفق أسس التعامل المقررة دولياُ والمنصوص عليها في سبل التعامل مع السجناء، سواء أكان السجين سياسيا، أم من سجناء الحق العام.