جربوا مطاعم المحبة

توفيق أبو شومر
2016 / 5 / 4

ذات يوم عرضتُ على أحد المختصين بالجمعيات قصة مطاعم التراحُم:
مطاعم التراحُم، ليست كمطاعم الوجبات السريعة، والبطيئة، ومتوسطة السرعة، غير أنها مطاعم من نوعٍ آخر أسسها الفنان الكوميدي المشهور ( كولوش) عام 1985 المولود في فرنسا عام 1944في أحد أحياء فرنسا الفقيرة، في حي مونروغ، وكان دافعه إلى ذلك حياته الفقيرة، وعدم قدرته على توفير وجبة طعام لائقة له، فبدأ مشروعه بفكرة، نفذها في برنامج إذاعي في إذاعة أوروبا رقم 1 ، وكانت فكرته تتلخص في التبرع بفائض الأغذية عند الأغنياء، لمطعم كبير، لأهل الحي الفقراء.
ووضع شعارا للمطعم: "المطعم مفتوحٌ للجميع، بشرط أن يكونوا في حاجة إلى الطعام"!
ومن الجدير ذكره أن الفنان كولوش الكوميدي كان قد رشح نفسه لرئاسة فرنسا عام 1980، لينافس الرئيس ميتران.
وانهالت عليه التبرعات والوجبات، وأصبح رأسمال مطاعم المحبة، بعد عام واحد مائة وستة عشر مليون فرنك فرنسي.
كلُّ العاملين في المطعم متطوعون. وبلغ عددهم في السنة الأولى أكثر من خمسة آلاف متطوع، وفي العام التالي امتلكت شركة مطاعم المحبة ثماني وثلاثين عربة، تجوب أنحاء فرنسا لتوزع الطعام على الفقراء، وعندما توفي كولوش في حادثة سير، أكملت زوجته فرونيك مشروعه، أسَّستْ جمعيات فرعيةً أخرى، فاستحدثت جمعيةإعادة تأهيل الفقراء، وإدماجهم في الأنشطة الاجتماعية والثقافية، وقد تفرعت عن الجمعية أيضا مشاريع صغيرة، مثل إصلاح سكن الفقراء، وتزويد بيوتهم بالحاجات الضرورية.
اعتاد كثيرٌ من الزعماء والمثقفين أن يشتركوا في أنشطة الجمعية، وكانوا يشاركون الفقراء في وجبات الطعام.
وفي عام 1990 انتقلت الفكرة إلى بلجيكا، فأُسِّسَ "اتحاد مطاعم القلوب الرحيمة" ويوزع هذا الاتحادُ أكثر من مائة ألف وجبة طعام في حملات الإغاثة الشتوية في القرى والمناطق الفقيرة.
ولما أنهيتُ وصف الفكرة قال:
يصعُبُ تطبيقها في أوطاننا، وذلك لأن طريقة حياتنا تختلف عن حياة الفرنسيين وغيرهم، فالفلسطينيون وإن كانوا فقراء، إلا أنهم ينفرون من طلب وجبات الأكل، وافترض أنهم اعتادوها، فكيف سيلتزمون بشرط الحاجة؟
كما أن وكالة الغوث والشؤون الاجتماعية تشبه إلى حد كبير مطاعم التراحم، غير أنها توزع المواد الخام للطعام، بحيث يتمكن كل فرد من صنع الوجبة التي يحبها.
قلتُ: إن كل ما أوردته من حجج، غير مقنع، لأن الشعوب كالأطفال، يمكن تدريبها وتعليمها عادات جديدة في كل يوم.
كما أنني قرأت عن تجربة مماثلة، بل هي سابقة على تجربة مطاعم التراحم، وهي تجربة عربية، بطلها رئيس عربي، وهو الرئيس اللبناني شارل الحلو، الذي أسس نموذجا من هذه المطاعم وأسماه مطاعم المحبة عام 1983م.
وهذه التجربة الفريدة، ظلت حبيسة ذاكرتي، ولم أسمع عن مصيرها في لبنان!
فيمكن تعديل الفكرة، وفق ما يلائمها من ظروف. بالإضافة إلى أن ما يفيض من طعام عند كثير من الموسرين في شهر رمضان فقط، يكفي حاجة كثير من الأسر الفقيرة.
بالإضافة إلى ذلك، فإن عدد عائلات الأسرى كبيرٌ، وهؤلاء وإن كانوا ليسوا في حاجة إلى الدعم المالي، فهم في حاجة إلى الدعم النفسي، عندما يلتقون على مائدة واحدة، أو أن تُطرق أبوابهم لتقديم المساعدات الرمزية، حتى يُحسوا بأن أبناء وطنهم، لا يمكن أن ينسوا تضحياتهم .
من العجيب أن حجم مأساة الفلسطينيين الطويل، لم يُفلح في دفعهم لبلورة عادات جديدة، أو أساليب جديدة، تُساعد في دعم نضالنا الطويل.
فكان يجب أن نبتدع وجبات عديدة، من المواد المتوفرة، مثل وجبة (الحصار)، وساندوتش الحاجز، وهي عبارة عن شطيرة الزعتر. وطبق منع التجول، وغيرها.
ما أكثرَ الجمعيات في وطني، ولكن ما أقلَّ إبداعاتها!!