لم ولن يتعظوا، فسقطوا في المستنقع الآسن

محمد الكحط
2016 / 5 / 3

لم ولن يتعظوا، فسقطوا في المستنقع الآسن

بقلم: محـمد الكحط
بتاريخ 8 أبريل 2006، أي قبل عشر سنوات كتبت هذه المقالة، ولكن وكما تعلمون ان القادة المتنفذين في العراق لا يقرأون وإذا قرأوا لا يفقهون، وإذا أدركوا صحة الكلام لا يأبهوا للعواقب لأن مصالحهم الآنية جعلتهم لا يدركوا العواقب.
لنتأمل المقال ونرى ما حصل لهم، ولشعبنا بسبب سياساتهم، لقد سقطوا في المستنقع الآسن.
بول بريمر نَجَسَكم
روجت القيادة الأمريكية قبل شن الحرب على العراق مفاهيم سرعان ما صدقها البعض، فهي (وعلى لسان، الرئيس بوش)، وعدت شعبنا العراقي بالأمن والرفاه، وأجمل ما سمعت عن هذه الوعود الأمريكية هو تعليق لصحفي أمريكي، تندر متسائلا، ومتى يصل دورنا بالأمن والرفاه يا سيادة الرئيس...نحن أبناء الشعب الأمريكي؟ وهذا ببساطة توضيح من أهل الدار بأن أمريكا بنظامها الحالي ليس بإمكانها أن توفر الأمن والرفاه لشعبها فما بالك للشعوب الأخرى...؟ مجرد تساءل نطرحه على أنفسنا عشية الذكرى الثالثة للحرب التي روجت لها الإدارة الأمريكية لفترة طويلة وصدقها من صدقها وكل ما نوده أن يتنبه هؤلاء السادة إلى صحة التقديرات التي أكدت أن الحرب ليست هي الحل الأنجح لحالة كالعراق عشعش فيها طاغوت البعث العفن لعقود سوداءٍ طويلة، والذي كانت أمريكا وراء مجيئه وأستمراره وليس غيرها...!!!
الكل يعلم ما فعله صدام ونظامه الساقط من جرائم طيلة حكمه، وكانت أمريكا تعلم جيداً ولكنها سكتت عنه، بل ودعمته طيلة حربه ضد إيران وضد الشعب العراقي، والغريب أن وزير الخارجية الأمريكي أبان الحرب على العراق سنة 2003 وهو السيد كولن باول، كان سنة 1988 وعند قصف مدينة حلبجة بالأسلحة الكيمياوية وزيراً للدفاع، ووقف ضد إدانة النظام العراقي آنذاك، وعندما زار العراق بعد سقوط النظام الدكتاتوري ذهب إلى كردستان ليذرف دموع التماسيح على ضحايا حلبجة، ولا أدري هل صدقه قادتنا أم لا...؟
لقد نبهنا في مقالٍ سابق بعنوان ((إذا مدحكم بريمر فأعلموا أنكم على خطأ...!))، وهو مرفق مع هذه المقالة للتذكير، وقلنا أن أمريكا بنظامها الحالي لا يمكن أن تكون حكماً و لا يمكن أن تفكر بمصلحة الشعب العراقي، بل أنها حتى لا تفكر بمصلحة شعبها، أن ما تفكر به وما يهمها بالدرجة الأولى مصالحها ومصالحها فقط ومصالح الشركات العملاقة الكبرى والتي لا تفكر إلا بالربح والتي تلتقي مع المصالح الاستراتيجية للمؤسسات الحاكمة في الولايات المتحدة والدول الرأسمالية الأخرى.
ولا يهمها ما ترتكبه من جرائم هنا وهناك، واليوم ما نراه في العراق وبعد ثلاث سنوات من الاحتلال يعطينا صورة واضحة عن التفكير الأمريكي، وللأسف أن البعض لا زال حتى هذه اللحظة يصدق الوعود الأمريكية، لن تجلب لنا أمريكا غير صدام وأمثاله وغير الحروب والكوارث، نعم قد تكون مصالح شعبنا ألتقت مع مصلحة أمريكا في رغبتها بإسقاط الدكتاتورية والتي جلبتها هي لا غيرها لنا، ولكن ماذا بعد سقوط الدكتاتورية...؟ وما مصير قواتها التي تعبث وتجول، وهي سبب الأعمال الإرهابية بحجة الاحتلال، لقد أدرك البعض الفخ الذي وقعنا فيه ولكن الآخرين لازالوا يعتقدون بأن بقاء الاحتلال سيضمن الأمن، أن الاحتلال هو الذي أوصلنا لهذهِ الحالة ويريدنا أن نقتنع ونطلب منه البقاء ولربما له يد في إثارة القلاقل وما تريده أمريكا ليس خافياً على أحد فها هي قد أخضعت المنطقة وكل منابع الطاقة في المنطقة تحت هيمنتها، فهي تسيطر على منابع الخليج عسكرياً وعلى منابع شرق آسيا والعراق ولربما قريباً إيران، وهكذا.
ولنعود إلى بريمر الذي وضع الحجر الأساس لنظام المحاصصة الطائفية العفن في العراق، وأشاع الفساد الإداري، وذلك عندما شكل أول حكومة بعد سقوط الدكتاتورية، ولا زالت هذهِ البصمات نافذة المفعول، بل سببت المآسي والكوارث لشعبنا، فبعدها تشكلت القوائم السياسية للانتخابات على نفس الأسس المذهبية والطائفية، والنتائج أفرزت تناحرات حادة وكانت الحكومة التي تشكلت تعبيراً عن تلك الروح المتخلفة التي زرعت التناحر والتفرقة وأبعدت الروح الوطنية التي نحتاجها اليوم لبناءِ عراقٍ جديد، وهكذا كان حال الانتخابات الثانية فدخلت القوائم بنفس الروحية التي وضع أسسها المعتوه بريمر وهذهِ السياسة اليوم هي التي أخرت تشكيل الحكومة لفترةٍ طويلة، أن هذهِ السياسة وأعني بها الأصطفافات المذهبية والطائفية والتي زرعها نظام صدام المقبور وكان سبباً في خلق حالة من التفرقة بين أبناء الشعب الواحد وجعل شعبنا يدور بفلكها، قد أعاد بريمر بوضع حجر الأساس لها، والأنكى من ذلك أن القوى السياسية العراقية وقياداتها، وبدلا من أن تحارب ذلك وتنعش الروح الوطنية وتضع أسساً لعراق جديد على المبادئ والروح الوطنية، لجأت هي الأخرى للنهج ذاته وبهذا أختطت خطى صدام وبريمر، أن أكبر خطر يهدد العراق هو مرض الطائفية والتعصب المذهبي أو القومي وكذلك الفساد الذي أخذ يعشعش في الدولة الجديدة، فالعالم تخطى حتى الحدود بين الدول والتي كانت متناحرة وخاضت حروب مدمرة لقرونٍ عديدة ونحن الآن نفكر بصيغة القرون الوسطى، فأي منطق هذا الذي يجري..؟
وكيف سنبني عراقاً جديداً...؟
أن بريمر وأسياده يريدون أن يجعلوا العراق وربما العالم بأكمله عبارة عن فروع تابعة لهم، (كفروع محلات ماكدونالد)، ويعطون أدارتها لعملاء تابعين لهم يحاسبونهم يومياً عن الأرباح والخسائر، وهكذا لربما يحلمون بفرع في كردستان وفرع في الرمادي وآخر في البصرة وفرع في بغداد وهكذا. و نجد اليوم التدخلات الأمريكية والبريطانية والسفير الأمريكي بالصغيرة والكبيرة، وكان جاك سترو وزير الخارجية البريطاني محقاً بتصريحه، ((أن الدول التي حررت العراق (أميركا وبريطانيا) والتي خسرت أكثر من ألفي جندي وجاء منها 140 ألفاً للمساعدة في حفظ السلام، فضلاً عن الأموال الطائلة التي أنفقتها لها الحق في أن تكون لها كلمة)) . وياليتهم يرضون بكلمة فقط...!!
واليوم تتناحر القوائم الطائفية على المناصب المهمة، لا يهمها ما يعانيه شعبنا من ويلات والموت المجاني يتربص للجميع في كل مكان والحكومة عاجزة عن فعل شئ ورئيسها متمسك بالكرسي ولا أدري من أجل ماذا...
هل حقق لشعبنا الأمن...؟
هل حاكم أعوان صدام والإرهابيين وأعداء الشعب...؟
هل وفر الخدمات المعاشية الضرورية لشعبنا....؟
فإذا كان الجواب بلا فمن أجل ماذا يريد البقاء...؟
أيها الساسة، الذين نجسكم بريمر ببوله وجعلكم طوائفاً وحصصاً لتتناحروا، تاركين شعبنا يموت على أيدي الإرهابيين والأمريكان وبقايا النظام المقبور، إذا لم تستدركوا أمركم وتلتفتوا إلى شعبكم وتسمعوا صوته وأرادته والذي أعطاكم أصواته مجازفاً بحياته، ستجدون أنفسكم تسبحون ليس فقط ببول بريمر بل في غائطه أيضاً، حينها لن ينفعكم أحد ولن يقف معكم أحد.
غذوا الروح الوطنية وشكلوا حكومة وحدة وطنية حقيقية، وأبنوا عراقاً جديدا ديمقراطياً وأسسوا جيشاً قوياً وأجهزةً وطنية حقة لتقولوا للاحتلال وداعاً، واتركوا نهج المحاصصة الطائفية واللهاث على المناصب واختاروا من الكوادر العراقية التي تملأ الأرض والمعروفة بكفاءتها ووطنيتها ونزاهتها، بدون أن تقولوا هذا فلان من هذا المذهب أو هذهِ الطائفة، وليكن الخلاف على فلان أكثر كفاءة وأكثر نزاهة، حينها ستنظفون أنفسكم مما لحق بها من أدران.
الملحق الموضوع السابق والمنشور قبل حوالي السنتين،
إذا مدحكم بريمر فأعلموا أنكم على خطأ...!
بقلم: محمد الكحط

ها قد أُعلنت تشكيلة الحكومة العراقية ورئاسة الدولة وتسلمت مقاليد الحكم المؤقت على أمل أن ينتهي الاحتلال وتصبح السيادة بأياديٍ عراقية كما أقرتها أخيراً قرارات الأمم المتحدة، وكلنا أمل أن تسير الأمور كما هو مخطط لها دون مفاجئات سلبية، ومن حقنا أن نخشى من أي انتكاسة جديدة فشعبنا لم يعد يتحمل أكثر، ومعاناته تجاوزت مدياتها إلى حدودٍ غير معقولة، وهنا لابد من وقفة جادة للسادة السياسيين مهما اختلفت اتجاهاتهم ومذاهبهم وخصوصاً من يعولون على دور رئيسي لأمريكا في المرحلة اللاحقة، فأنهم بذلك يعيدون الكرّة وندخل من جديد بدوامة من الاضطرابات السياسية التي لا تحمد عقباها.
سيغادر بريمر العراق وسيأتي السفير الأمريكي ليحل مكانه وبيديه الحل والربط وسيسلم ملف العراق إلى وزارة الخارجية ولا ضير هنا فوزير الخارجية الأمريكي اليوم هو وزير الدفاع (أي الحرب) بالأمس، ومن كان يتشدق بأن بريمر قد مدحه هل سينتظر بعد ذلك أن يمدحه القادم الجديد!!! ؟؟؟.
نعم... (إذا إمتدحدتك البرجوازية فأعلم إنك على خطأ)
ليس الاستشهاد بالسيد بيبل هو مبتغاي بل ما أعنيه حتى أبعد من ذلك ففي عهد بيبل كانت البرجوازية في عصر نهوضها التقدمي بالضد من الإقطاع والعبودية وكانَ لها منافس فتي وجديد هو الاشتراكية العلمية، أما اليوم فالإمبريالية في أحطِ مراحلها خسة ودونية وهي وحدها تصول وتجول بعد أن عزلت عن الساحة العالمية أشد منافسيها وذلك بدهائها ومكرها ودسائسها التي لم تنقطع يوماً ما، وليس بعدلها وعدالتها وصحة نظامها والجميع يعلم ذلك إلا من يريد أن يكون أو يبقى مدافعاً عن الرأسمالية وقوانينها ضارباً عرض الحائط بكل ما أقترفته منذ نشأتها حتى اليوم من جرائم.
نعم فبريمر هو ممثل أعتى دولة إمبريالية في القرن الحادي والعشرين في العراق ولا يمكنه أن يفرط ببنس واحد من مصالح بلاده، بل هو يسعى جاهداً ومن معه لخدمة الإمبراطورية العظمى الجديدة هذه الإمبراطورية التي بنيت على أقسى ما عرفته البشرية من بطش وقتل واضطهاد بأنواعه الطبقي والعنصري والعرقي و... و...ولا نريد الخوض في التفاصيل المعروفة ولا نريد أن نستذكر الحروب التي افتعلتها أو قادتها أمريكا أو نعدد الانقلابات التي حاكتها مخابراتها على دول ديمقراطية النزعة أو وقوفها بكل جبروتها وما تملك من أجل منع صعود قوى تقدمية أو ديمقراطية إلى السلطة في أوربا أو أمريكا وحتى آسيا أو في القارة الأفريقية التي استنزفت الدول الإمبريالية سكانها قبل أن تستنزف كنوزها من الذهب والماس والنفط. نعم، كانت أمريكا وستظل مادامت تخضع لرغبات وآمال ومصالح الرأسماليين ستظل ترتكب الحماقات ضد الشعوب بما فيها الشعب الأمريكي نفسه، لا يهمها غير الربح ثم الربح ثم الربح.
لا يمكن أن نتغافل مصالح أمريكا الحقيقية في العراق وحتى من وقف معها في الحرب يدرك ويعترف بأن لأمريكا مصالحها الخاصة وكانوا يحاولون إقناع العالم بأن مصالح الشعب العراقي ومصالح أمريكا قد التقت في نقطة حرجة واحدة وهي إسقاط نظام القتلة والتي جاءت هي به ودعمته لسنين طويلة وها هيّ اليوم ستفرض على الدستور العراقي الجديد قوانين تحمي أسرارها ومصالحها التي قد يبوح بها بعض عملائها من أقطاب النظام، فهي تحاول جاهدةً إطالة مدة احتجازها لهم، ومن ثم قالوا أن بقاء أمريكا مهم وضروري لحين استتباب الأمن والنظام وها هي النتيجة من بقاء أمريكا دولة محتلة وبيدها كل شئ ولا أمن ولا نظام للمواطن العراقي الذي سأم الدنيا بعد أن أعتقد بأنه قد نجا من محرقة النظام الدكتاتوري، وها هو يرى بأم عينيه انهيار بلاده حجرة حجرة، نهبت آثاره وهدمت قصوره وجسوره واحترقت آبار النفط، ويقتل كل يوم العشرات من أبناءه الأبرياء، وآخرها قتل أطبائه وعلمائه ومثقفيه، ناهيك عن اختطاف الأطفال والرجال واستخدامهم كفدية، ناهيك عن السرقات وأعمال القتل والترويع.
أن الأيام القادمة حاسمة وحاسمة بكل شيء بالنسبة لوطننا فالمستقبل القريب سيبنى على ما ستؤول إليه هذه المسيرة التي انطلقت بعد سقوط الدكتاتورية.
أننا بحاجة ماسة إلى دراسة واقع الشارع العراقي وتدارك الأمور، ففي البداية وعندما وقفنا ضد الحرب وحذرنا من مخاطرها، قالوا لا حل سواها، وشاهدنا ما حل بنا من دمار وخراب، وبعد الحرب قلنا لنتدارك الاحتلال وكان العذر أنه ضروري من أجل استتباب الأمن، ولكن لم نر الأمن ولا الاستقرار بل زادت الفوضى عما كنا قد تحسبنا له، وقلنا احذروا من الأمريكان ولنمسك زمام الأمور بأيدينا وأن لا ندع أزلام صدام يفلتون من العقاب، ولكنهم تركوهم لحين ما تمكنوا من إعادة تنظيم أنفسهم وعبثوا ما عبثوا وكأن ما فعلوه طيلة 35 عاماً غير كافية وكانت النتيجة أحداث مؤلمة، وقلنا على مجلس الحكم أن لا يتمادى في قراراته إلى أبعد مما هو مؤقت كي لا يجعل من نفسه ممثلاً للشعب العراقي كي نعطي للديمقراطية صورتها الصحيحة ولكن أدخل مجلس الحكم نفسه في ما لا يعنيه وأصدر قرارات أمضى فيها وقتاً طويلاً وهو يعرف أنها سوف لن ترى النور وكانت النتائج سلبية علية قبل أن تكون على الشعب العراقي.

واليوم تشكلت الحكومة المؤقتة والتي نرجو أن تسير بخطى صحيحة وأن لا تتعدى الصلاحيات المؤقتة المناطة بها وأن تعمل جاهدةً مع القوى الوطنية الأخرى التي ستنتظم في أشبه بالمؤتمر العراقي للقوى السياسية كي تسير بالبلاد إلى الأمام من أجل أنجاز الاستقلال التام وتحرير البلاد من المحتلين وتعزيز الأمن و الجبهة الداخلية وأن لا تعول على دور رئيسي وكبير لقوى الاحتلال خلال المرحلة القادمة وكلما قلصت دور هذه القوى لحين رحيلها التام، كلما نجحت في ذلك، وكلما أخفقت في ذلك ستقوض أرادتها ودورها وستزداد مصاعبها، وإذا كانت الواقعية السياسية التي ينادي بها البعض تجد أن من الضروري وجود قوى لحفظ الأمن فلتكن قوة دولية بقيادة الأمم المتحدة لا بقيادة أمريكية، فأن شعبنا الذي خبر أمريكا وحلفائها الآخرين وسياستها الإمبريالية ليس مستعداً أن يرى قواتها على أرضه، فشعبنا يكره أمريكا التي جاءت بصدام للسلطة ودعمته طيلة عقود طويلة، ان أمريكا ليست الحَكَم بل كانت ولا زالت وستظل الخصم، كما كان صدام وزبانيته الخصم دوماً لشعبنا العراقي بكل أطيافه وألوانه.
ما أود التنويه إليه لكل قوانا السياسية مهما اختلفت تلاوينها
لا تركضوا خلف أمريكا فلن تحصدوا غير المذلة، بل سيروا وسط الشعب العراقي فهو الحَكَم دائماً وأبداً.
وأعلموا إذا أمتدحكم الشعب فأنكم على صواب.