لاَ لأَسْلَمَةِ المجتمع … لاَ للقرآن في مدارس الجمهوريّة

ضياء البوسالمي
2016 / 5 / 3

كلّ الشّعوب تلد أجيالا جديدة إلاّ نحن نلد آباءنا و أجدادنا، و ذلك بغرس طبائع آبائنا و أجدادنا بهم و حثّهم و مطالبتهم بالتمسّك بها و الحفاظ عليها، و لذلك فشعوب العالم تتطوّر و نحن نتخلّف. ( عبد الله القصيمي )
يبدو أنّ الثّورة التي لطالما حلم الجميع بأن تكون وسيلة لمقارعة الفكر الدّيني المتطرّف، قد جاءت نتائجها لتثبت العكس تماما. فمنذ سنوات حظي الشّيوخ و رجال الدّين المتطرّفين بمكانة مرموقة في أهمّ المناصب في الدّولة و ذلك مع مختلف الحكومات و الوزراء الذين تعاقبوا على البلاد. و في المقابل، وقع الإستيلاء على المساجد و تحريض العامّة على مجموعة من المفكّرين و المثقفين الذين وقع تكفيرهم أكثرمن مرّة مع صمت مريب من السّلطة. أَسْلَمَةُ المجتمع تهدف أساسًا إلى ضرب النّموذج المجتمعي التّونسي الذي لا شكّ في أنّه يشكو و يعاني العديد من النّقائص إلاّ أنّه يبقى الأفضل في المنطقة و ذلك نتيجة مجموعة من التّراكمات و المجهودات التّحديثيّة التي شهدتها البلاد التّونسية منذ الإستقلال. إنّ الفكر الدّيني هو فكر إقصائيّ يقوم على التّلاعب بمشاعر النّاس و ترهيبهم بالعقاب و العذاب الأخرويّ في صورة مخالفة “شرع اللّه” و هذا ما جعل نسبة هامّة من المجتمع تسبطن هذا الخطاب و تجعله – و لو عن غير قصد – مقياسا لكلّ شيء من خلال وضع كلّ مسألة في ميزان الحلال و الحرام. هذا النّمط من التّفكير “القطيعي” تساهم في إنتشاره خطب الجمعة و الدروس التي تلقى في المساجد و هذا ما ولّد إحتقانا كبيرا و تكفيرا متواصلا لمجموعة من المثقّفين المغردين خارج السّرب و الرّافضين للخضوع للخطاب السّائد، لكنّ ظلّ صوت هؤلاء المفكّرين غير مسموع و ذلك نتيجة للهرسلة و حملات التّشويه التي تطالهم في كلّ مرّة و كذلك لغياب منابر الحوار الجدّي و التّنوري في وسائل الإعلام.
و كنتيجة لكلّ هذه العوامل، أصبحت الأرضيّة مهيّأة – بإسناد من السّلطة – إلى أسلمة المجتمع و التّعدي على المؤسّسات. فقد أعلن الوزير أنّه سيتمّ تدريس القرآن في المدارس خلال العطلة الصيفيّة و هنا و قبل الخوض في الموضوع تتبادر إلى الذّهن مجموعة من الأسئلة التي أشكّ في قدرة السيّد الوزير و من يسانده – و هم كثيرون! – على الإجابة عنها : هل سيكون تدريس القرآن حكرا على المدارس الإبتدائية أم أنّ ذلك سيكون في المعهد أيضا ؟ ضمن أيّ برنامج قامت الوزارة بهذا الإقتراح و ماهي أهدافها ؟ من سيتولّى مهمّة تدريس القرآن ؟ هل سيكون المدرسون من الأئمة و المرشدين الدّينيين ؟ أم من خرّيجي كليّة الشريعة و أصول الدين أولئك الذين يتخرجون و قد خُتِمَ على قلوبهم و على سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة نتيجة تقديسهم للمذاهب و الشيوخ و إبتعادهم على إعمال العقل ؟
لقد أشار الوزير أنّ هذه المبادرة جاءت كمواجهة للفكر المتطرّفو للحدّ من ظاهرة الإرهاب و الحقيقة أنني لم أفهم كيف تتمّ محاربة الفكر المتطرّف من خلال تدريس أطفال لم تتجاوز أعمارهم 10 سنوات آيات تدعوا للقتل و نبذ الآخر المختلف مثل :
وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ( سورة الانفال الاية 60 )
فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ( سورة محمد الاية 4 )
و إذا سلّمنا بالحجّة – المعتادة – القائلة بأنّ تفسير النّصوص لا يتمّ إلاّ في سياق محدّد و لا يمكن إستنباط المعنى الحقيقيّ إذا قما بإجتزاء الآيات، فكيف سنفسّ كلّ هذا للأطفال ؟ و لماذا نقمحهم أصلا في مثل هذه المواضيع ؟
إنّ النصّ القرآني بما فيه من إختلاف في لآيات يصل حدّ التّناقض لا يمكن أن يتمّ تدريسه للأطفال لأنّ ذلك هو في واقع الأمر يمثّل عمليّة غسيل أدمغة جماعية للتلاميذ، فالوزير أراد التّخفي خلف شعار محاربة الإرهاب لكن النيّة الحقيقيّة هي أسلمة المجتمع و التي تمرّ عبر الأطفال لأنّهم يمثّلون المستقبل. و بالعودة إلى آراء و مؤلّفات أهل الإختصاص في اتّربية و التّعليم في البلدان الغربيّة نستنتج أنّ الصّغير يجب أن يترعرع في جوّ مناسب بعيدا عن الترهيب كما هو موجود في النصّ القرآني و الفكر الدّيني عمومًا بل إنّ المطلوب هو تشجيع التّظاهرات الثّقافية و التّكثيف من نوادي السّينما و الموسيقى لكي يكون الجيل الجديد محبا للحياة و متخلّصا من الحواجز و العقد الدّينية التي تعيق التّفكير.