سقوط إتحاد القوى

جعفر المظفر
2016 / 5 / 1

سقوط إتحاد القوى
جعفر المظفر
(العراق المُختل), والنقطة على الحاء مقصودة, ولم تطبع سهوا, وهي معنية للتمييز بين العراق في اثناء الإحتلال, حيث كان محتلا, والعراق بعد الإحتلال حيث أصبح مختلا.
صحيح أن العراق قبل الإحتلال لم يكن معافى, بل كان عراقا (معتلا) بعد أن تحول إلى ساحة للحروب وإلى دولة للقمع والخوف وعبادة الفرد, لكن أمره كان يتحرك في ساحة البلد القابل للشفاء, مرضه كان مرض سلطة ولم يكن مرض وطن. مرض السلطة يمكن إصلاحه ولو بإزاحتها, غير أن مرض الوطن يصبح صعب المعالجة, وهذا ما يعاني منه العراق في الوقت الحاضر.
إحدى صور العراق المختل بعد الإعتصام البرلماني هو الذي جسده موقف إتحاد القوى الذي يطرح نفسه ممثلا للسنة. قليل من التاريخ يجعلنا نصل إلى ما نريده بشكل أسرع وأوضح. الأغلبية من نواب هذا الإتحاد كانت ضمن تحالف (العراقية) الذي تشكل لخوض إنتخابات عام 2010 من جبهة عريضة من القوى السياسية التي نشأ أغلبها بين صفوف السنة العراقيين. وكما يشي إسم العراقية فهو كان حينها محاولة للعمل السياسي خلف عناوين علمانية وطنية عابرة للطوائف.
بشكل عام كان ذلك مبعث للأمل لأنها كانت آخر المحاولات الجدية لإيقاف تدهور العراق نحو الطائفية, حيث أختير (شيعيا) عراقيا هو الدكتور أياد علاوي لقيادة جبهة يشكل (السنة) غالبية أعضائها..
المشهد الذي تلى تلك الإتخابات هو إنفضاض عقد التحالف العلماني الهش بعد أن إلتفت مجموعة المالكي وحلفائه من (شيعة السلطة) على نتيجة الإنتخابات حيث إستقر العراق في أحضان المحاصصة الطائفية بشكل واضح, خاصة بعد أن بدأ المالكي تنفيذ خطته لشراء العناصر والأحزاب السنية المنضوية تحت راية العراقية من أجل خلق طائفة جديدة إسمها (سنة المالكي) أو فلنقل (سنة السلطة الطائفية).
ولقد نجح المالكي أيما نجاح حين طارد بقايا العلمانية الهشة في العراق وحول رموزها المفترضين أو الفضائيين إلى سنة سلطة لا علاقة لهم أخلاقيا بسنة العراق كما هو شأن شيعة السلطة أيضا.
وهكذا إنتقلت الحالة العراقية من مشهديها الطائفِييْن إلى التمظهر في مشهد واحد, يتمثل في تكوين طائفة واحدة هي طائفة السلطة بشقيها السني والشيعي شكلت طبقة إقتصادية وسياسية واحدة بفعل تناغم مصالحها والأهم المصادر المشتركة من أموالها وأرباحها المتراكمة بفعل نظام المحاصصة الذي سهل لهذه الطبقة (السِيعية أو الشِنية) سبل النشوء والإلتقاء على ثقافة مركزية واحدة قائمة على السرقة وما يرافقها من صفات الكذب والدجل والنفاق .
قد تكون إنتفاضة البرلمانيين مخطئة في إستهدافها لرئيس المجلس سليم الجبوري الذي حاز على منصبه من خلال المحاصصة الطائفية, رغم أن الإستهداف إنصب على رئاسة البرلمان وليس على رئيس البرلمان بصفته الطائفية والشخصية. وقد يكون السيد الجبوري صاحب حق قانوني في مقاومته لقرار الإقالة, غير أن طريقة تصريف رفض القرار كانت نتيجتها تثبيت المحاصصة الطائفية والإعتراف بها علنا وبصوت عالي, بدلا من إتباع الطريق الذي يؤكد على النهج الوطني ويلتزم بخطابه.
وهكذا ربح سليم الجبوري وسنة السلطة, أما العراق وسنته فكانوا الخاسرين لأن ممثليهم المفترضين راعوا أن يأتي رفضهم للقرار من خلال التشبث بنظام المحاصصة الذي يجعل السنة أقلية رسمية, والذي يُسقط بالتداعي كثيرا من السياقات الأخلاقية والقانونية الذي يمنحهم نفس حقوق أخوتهم الشيعة, فيكون أفضل ما يحصلون عليه هو منصب رئيس البرلمان .
إن موقف إتحاد القوى الأخير قد جرد أعضائه, ليس من وطنيتهم العراقية فحسب, وإنما أيضا من حق تمثيل الطائفة الذي يدعون تمثيلها, وهم الآن يتحركون في سلة واحدة مع شيعة السلطة, لا بل ونراهم قد إنتهوا إلى تشكيل طائفة جديدة هي طائفة (الشنة أو السيعة) والتي أسسها نظام المحاصصة, ذلك التي ستسقط بسقوطه.