أول أيار السوري الأحمر وفوضى العولمة

بدر الدين شنن
2016 / 4 / 30

لم تحتفل الطبقة العاملة في سوريا ، بأول أيار ، في السنوات الخمس الماضية . وهي التي تعتبر بحق ، في أوساط الحركة العمالية الدولية ، من الفصائل العمالية النشيطة بهذه المناسبة . إذ أن احتفالها بأول أيار يتحول إلى مهرجان عمالي .. عالمي .. في قلب دمشق .. ويمتد إلى حلب ومدن سورية أخرى .

ولن تحتفل الطبقة العاملة السورية ، بأول أيار ، هذا العام أيضاً . ذلك أن عدداً من المدن ، التي يتمركز فيها العدد الأكبر من العمال ، هي إما محاصرة ، أو مقسمة ، أو محتلة تنتشر فيها جماعات الإرهاب الدولي ، التي تمارس فيها أبشع الجرائم ، وخاصة المدينة العمالية الكبيرة حلب . التي تتعرض في هذه الأيام للقصف الإرهابي اليومي المتوحش ، بقنابل الهاون والصواريخ القاتلة المدمرة . ويتساقط فيها نتيجة لذلك عشرات الشهداء والمصابين يومياً .. إن أول أيار حلب هذا العام مضرج بالدم .

وربما لن يكون في سوريا احتفالات أول أيار في الأعوام القليلة القادمة . ومرد ذلك يعود إلى الحرب القذرة ، التي أدت إلى أن تتحول معظم المدن الرئيسية والأرياف ، والمعامل ، ومراكز الإنتاج الكبيرة ، إلى ميادين قتال مشتعلة بالنار .. والأحقاد . وكل من يقطن أو يعمل فيها ، يشل الاضطراب ، وصعوبات المعيشة ، والرعب ، حركته وخياراته . وأحدثت متغيرات بنيوية اجتماعية سلبية جديدة .

وقد تأتى عن ذلك مجتمع الحرب ، الذي أنتج الانقسامات ، والتمزقات البنيوية الاجتماعية ، وافتقاد الاستقرار الأمني ، والاجتماعي ، وانتشار قانون الإرهاب الدولي الهمجي ..والقتل والتدمير في مختلف في مختلف المناطق السورية ، ومصادرة الظروف الطبيعية ، التي تسمح باحتفال أول أيار .. الرمز .. ليس لوحدة الطبقة العملة وحسب ، وإنما الرمز أيضاً لوجود دولة موحدة ، تتفاعل فيها قوانين التطور الاجتماعي ، وموازين القوى المختلفة .

وفي مجتمع الحرب هذا ، فاقمت الجرائم الدموية ، واللصوصية ، والأخلاقية ، الأوضاع من سيء إلى أسوأ .فبالإضافة لعمليات القتل والتدمير ، صادر الإرهابيون المعتدون ، الكثير من البيوت ، والمحال التجارية والأسواق . وفككوا وسرقوا الكثير من المعامل والآلات المتطورة ، وخاصة بحلب ، ونقلوها إلى تركيا لتباع هناك لحسابهم . وقصفوا بالقنابل المعامل في المناطق التي هي تحت سيطرة الدولة . ما أدى إلى انتشار البطالة المطلقة ، والظروف المعيشية السيئة ، وإلى أن يكون عدد العمال النازحين والمهجرين غير قليل ، بين جموع ملايين اللاجئين والمشردين في الداخل والخارج .

بيد أنه ، وإن فقد أول أيار في سوريا ، مواكبه المتدفقة في الشوارع والساحات , وغابت أعلامه ، وشعاراته .. منذ سنوات وحتى إشعار آخر ، إلاّ أن العمال السوريين ، قد أعطوه في ظروف الحرب طابعاً وطنياً ، ومضموناً يحتضن همومهم وهموم الوطن في آن . والتزوا بمواكب الدفاع عن الوطن .. عن بيوته .. ومدنه .. وأريافه .. ومعامله .. ومراكز إنتاجه .. ضد الغزو الإرهابي اللصوصي الهمجي .. واستعادة وجه سوريا الحضاري المشرق .

* * *

عندما قررت الأممية الأولى 1888 ، اعتبار أول أيار كل عام ، يوماً عالمياً ، لتعزيز وحدة ونضال الطبقة العاملة ضد عبودية الرأسمال ، كانت تتبلور وتتقدم تنظيمات عمالية اشتراكية إلى ميادين النضال . وكانت الرأسمالية من خلال قمعها تحركات القوى العمالية ، وتحركات الشعوب المضطهدة في قارات البؤس ، تحاول أن تفرض عبوديتها الأبدية على العالم ، وتتحفز .. وتبادر هنا وهناك ، للدخول في مرحلة الاستعمار ، التي توحد عملياً نضال الطبقة العاملة في البلدان الرأسمالية ، مع نضال الشعوب التي تكابد من نير الاضطهاد الاستعماري المتوحش .
وكان السؤال آنذاك " من يحفر قبر من في ثنائية التناقض الرأسمالي الكوني .. الطبقة العاملة التي تمثل القوى الحية في القوى المنتجة وعملية الإنتاج .. أم الطبقة الرأسمالية مالكة وسائل الإنتاج والرأسمال .. وأية بلدان رأسمالية مرشحة مجتمعة ، لتقوم فيها الثورة في وقت واحد .. ومتى يمكن أن يحدث ذلك ؟ ..

المفاجأة .. المعجزة .. التي قطعت الانتظار التاريخي الثقيل .. كانت ثورة أوكتوبر الاشتراكية في روسيا 1917 ، التي تجاوزت الفرضيات المقولبة للتغيير الاجتماعي الكوني . وطرحت عملياً ونظرياً .. أن ثورة عمالية اشتراكية ممكنة في بلد واحد .. ثورة تقوم على تحالف العمال والفلاحين والشعوب المضطهدة . وعدلت الشعار الأممي المعمول به في حينه من " يا عمال العالم اتحدوا " إلى " يا عمال العالم و يا أيها الشعوب المضطهدة اتحدوا " .
وقد حققت هذه الثورة الأعظم ، حتى اللحظة ، في التاريخ الإنساني ، الكثير من الإجراءات الاشتراكية العادلة ، والإنجازات العلمية المتطورة ، في الداخل ، والكثير من ردع الدول الاستعمارية ، ومن الدعم لحركات التحرر الوطني .. ومن دعم استقلال الشعوب ونهوضها الاقتصادي ، ووضعت أسس راسخة للتوازن الدولي ، ولحق الشعوب في تقرير مصيرها في الخارج .

وخلال أكثر من سبعين عاماً ، هو عمر أول دولة اشتراكية في التاريخ ، حققت الطبقة العاملة في روسيا السوفياتية والمعسكر الاشتراكي ، مكتسبات اجتماعية ، واقتصادية اشتراكية كبيرة ، أدت ليس إلى نفي البطالة ، وتطبيق 8 ساعات عمل " مطلب العمال الرئيسي في مظاهرات أول أيار " والتعليم ، والعلاج الصحي مجاناً وحسب ، وإنا إلى انعكاس ذلك على الواقع الاجتماعي في البلدان الرأسمالية ، التي استجابت لتحقيق بعض إنجازات الدولة الاشتراكية الاجتماعية ، خوفاً من تصاعد واشتداد النضالات العمالية الثورية في بلدانها .
الأمر الذي أدى إلى نشوء بنية عمالية أممية ، تضم عامل بلدان المعسكر الاشتراكي ، وعمال البلدان الرأسمالية الغربية ، وشعوب بلدان العالم الثالث النامية ، التي تكابد من وطأة الفقر ، والتخلف ، ونهب ثرواتها الطبيعية .

* * *

لذا ، حين التحدث عن بنية الطبقة العاملة الآن ، في ظروف غياب الاتحاد السوفياتي والمعسكر الاشتراكي ، نجد أن بنية جديدة ، وإن لم تأخذ كامل مداها ، وعلاقاتها الأممية المباشرة ، لتستكمل قدرات حراكها ، وفعالياتها ، تتبلور . وهي تضم الطبقة العاملة في البلدان الرأسمالية المتطورة ، وكادحي البلدان المستضعفة في قارات البؤس .
ويعود ذات السؤال بعد قرن وربع القرن على تكريس أول أيار عيداً عمالياً .. من يحفر قبر من .. الطبقة العاملة والشعوب المقهورة .. أم الطبقة الرأسمالية الكونية ؟ ..

رغم كل التطور التكنولوجي ، لاسيما الإلكتروني والفضائي ، وما قد ’يفاجأ به العالم من إنجازات جديدة ’تبهر العقل ، إلاّ أن قانون الصراع الطبقي المحلي والكوني يبقى قائماً .
من الممكن في البلدان المتطورة أن تكون حدة الصراع وبؤسه ، أقل بكثير من بؤس الشركاء في الكون ، في البلدان المقهورة . وذلك نتيجة احتكار مزايا وفوائد التكنلوجيا ، ونتيجة تطور أساليب الاحتيال واللصوصية والابتزاز ، في نهب ثروات الشعوب . وقد كشفت الأزمة الاقتصادية التي بدأت منذ عشر سنوات ، ولم يجر التخلص من تداعياتها وذيولها بعد ، كشفت أن الرأسمالية الكونية لا يمكنها أن تحكم سيطرتها الأبدية المطلقة على الشعوب .
فبالإضافة لاستعصاء الحلول لأزماتها ، بسبب تنامي التنافس بين دولها وقطاعاتها من جهة . واستحالة استخدام الحروب العالمية ، كما في السابق لتصديرها من جهة ثانية ، ولتوفر إمكانية اختراق دول اليسار ا لجديد لتحصيناتها الرأسمالية الكونية ، مثل " مجموعة كوبا ، فنزويلا ، الأكوادور ، بوليفيا ، نيكاراغوا " من جهة ثالثة . ثم هناك فشل النظام الرأسمالي في تأمين العدالة ، والمساواة في الحقوق ، لاسيما حق العمل ، والمساواة في الأجور ، والتعليم والعلاج الصحي ، وتوزيع فائض القيمة في الناتج الإجمالي الكوني على الشعوب كافة .

وليس من المفاجئ القول ، أن عباقرة النظام الرأسمالي ، بعد إجراء حساباتهم الاقتصادية والديموغرافية ، قد تبين لهم أن أربعة أخماس الشعوب ، التي تعيش في قارات البؤس ، ستكون خارج سوق العمل ،خارج حسابات وعائدات فائض القيمة الرأسمالية الكوني . ولذلك نحن أمام متغيرات مأساوية في البنية البشرية الكونية ، بسبب سوء إدارة وقوانين النظام الرأسمالي الاجتماعية والاقتصادية التي ستفرض بالقوة ، وبالتالي في بنية الطبقة العاملة ومفهومها الاجتماعي والسياسي .. التي يغلفها هؤلاء العباقرة السفلة بالعولمة المزيفة .. عولمة الفوضى ، والهيمنة الإمبريالية المستعبدة للقوى العمالية في الإنتاج الذهني والعضلي ، ولمعظم شعوب قارات البؤس .
لقد أصبحت الرأسمالية ، حسب درجات ثرواتها وتموضعها الاستثماري ، سيدة العالم ، ومعوقة لتقدمه وتطوره ومفاهيم وقيم عدالته . ما يعيد الاعتبار ، رغم كل المعوقات والمشوهات ، إلى الطبقة العاملة ودورها التاريخي ، في تحرر الإنسانية من قهر واستغلال عبودية الرأسمال . ولتحقيق هذا الدور ينبغي إعادة بناء قواها الفكرية ، حسب مستجدات واستحقاقات العصر ، وإعادة بناء قواها التنظيمية الحديثة ، القادرة على تحقيق أهدافها وحقوقها العادلة . وذلك على مستوى البلدان المتطورة وبقية شعوب العالم .

* * *

إن هذه اللحظة في يوم العمال العالمي ، تضع أمام الطبقة العاملة السورية ، وحركتها النقابية ، والقوى الوطنية والقوى المتبقية من اليسار ، تضع مهام نضالية للعام القدم ، تتمحور حول ، تحرير سوريا من الإرهاب الدولي ، وإعادة لحمة المجتمع السوري ، ووحدة الوطن ، وإعادة دواليب الإنتاج إلى مداراتها الطبيعية ، وإنهاض الوعي السياسي والوطني ، والوعي الاجتماعي الطبقي .. ليتجلى أول أيار في الأعوام القادمة .. أوسع انتشاراً .. وأقوى تأثيراً في تحقيق المطالب العمالية .. وأكثر تصميماً على بناء مجتمع ديمقراطي جديد .. بلا حروب .. بلا أزمات .. وبلا استغلال .