كلّ أيّار وأنتم بخير

راضي كريني
2016 / 4 / 28


تعتقد القيادتان السياسيّة والأمنيّة الإسرائيليّة والأمريكيّة، وإلى حدّ ما قيادة السلطة الفلسطينيّة، أنّ تحسين الوضع الاقتصاديّ في الضفّة الغربيّة، هو الحلّ لتدهور الأوضاع السياسيّة للفلسطينيّين، ولاستمرار الانتفاضة الفرديّة والهجمات الانتحاريّة التي ينفّذها أفراد فلسطينيّون، منذ ما يزيد عن نصف سنة.
هكذا كتب الجنرال غادي إيزنكوت، قائد الأركان الإسرائيليّ، في مطالعته الأمنيّة الدوريّة أمام الحكومة الإسرائيليّة، في 21 شباط الماضي. وهكذا أوصى 400 رجل أعمال فلسطينيّ وإسرائيليّ، الذين شاركوا في المنتدى الاقتصاديّ، في اسطنبول 2012، وفي البحر الميّت 2013، و...
هل يسهم السماح لأعداد متزايدة من الفلسطينيّين بالعمل في إسرائيل في حلّ المشكلة، السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، الفلسطينيّة؟
هل بزيادة الدعم لرجال الأعمال الفلسطينيّين تُحلّ القضية الفلسطينيّة؟
من حقّ القيادة الفلسطينيّة المساومة السياسيّة، ومن واجبها التفتيش عن أساليب جديدة لرفع المعاناة عن أبناء شعبها. لكن، كما كتب لينين ، في كتاب "مرض اليساريّة الطفوليّ في الشيوعيّة"، "هناك مساومة ومساومة. ينبغي التمكّن من تحليل الموقف والظروف الملموسة عند كلّ مساومة. ينبغي على المرء أن يتعلّم التمييز بين شخص سلّم الدراهم والسلاح إلى قطّاع الطرق؛ ليقلّل من الشرّ الذي يحملونه، ويسهّل أمر القبض عليهم وإعدامهم، وبين رجل يعطي الدراهم والسلاح لقطّاع الطرق؛ ليشترك معهم في اقتسام الأسلاب".
مساومة الضعيف للقويّ كي يشاركه الأرباح هي خيانة لا يبرّرها شعار "الدفاع عن الوطن"!
يحبّ الوطنيّ وطنه، ويعمل لخدمة مصالحه العامّة، ويهتمّ بمصير البلاد التي ترتبط حياته بها، ويبني تحالفات اقتصاديّة، ولا يشرعن منافسة/نهب الاقتصاد القويّ للاقتصاد الضعيف، و...، لكن المشاعر الوطنيّة لا تأتي عن أسباب غيبيّة: عرقيّة ودينيّة ومذهبيّة و... كما يزعم "فلاسفة" المضطهِدين المأزومين؛ المشاعر الوطنيّة الصادقة تتجلّى تاريخيّا ويتحوّل مضمونها تبعا لتغيّر الظروف، وتتأثّر بظروف حياة الناس الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة.
فوطنيّة المستغِلّ تضع مصالح الرأسمال وأرباحه فوق مصالح الوطن والشعب، وتستهدف الحفاظ على امتيازاته وسيطرته، وتعمل على غرس مشاعر العداء الدينيّ والقوميّ في نفوس المستغَلّين، وتنمّي العصبيّة القوميّة والدينيّة و... بين أبناء الشعب الواحد وبين الدول.
الوطنيّ لا يهدأ أمام التمييز والاستغلال الاجتماعيّ والسياسيّ والثقافيّ، وأمام تحويل وقت الفراغ إلى وقت فارغ/تافه مليء بالهمجيّة والوحشيّة والنراجيل و"الشيشة يا معلّمة"! الوطنيّ لا يطمس الأساليب النضاليّة للمستغَلّين وينفيها؛ كي يصبح ربّ البيت/الشعب زبونا مستهلكا عند سلطة الرأسمال في أحسن الأحوال.
وطن المستغَلّين مخطوف في ظلّ حكم المستغِلين، لا يرجع الوطن إليهم إلاّ إذا انتصروا على حكم الطغمة الماليّة، عندها تصبح الثروات الماديّة والروحيّة ملكا لهم (إشتراكيّة ديمقراطيّة)، وتظهر الأمانة للوطن والإخلاص له بمظهرين جديدين، وعندها لا يدافع المتحرّر من الاستغلال عن وطنه فحسب؛ بل عن كافة الأوطان والمظلومين؛ فسمة الوطنيّة الحقّة هي أمميّة متضامنة مع نضال المظلومين في كلّ بلدان العالم والتحالف المتكافئ معهم.