هل الثقافة نقيض العولمة؟

توفيق أبو شومر
2016 / 4 / 24

اكتشف النظام التجاري الجديد، بأن توسيع المدارك والعقول سيغلق أبواب الثراء، وسيحُدُّ من نشاط منظومات العولمة ومن أرباحها المادية، لذلك شنت العولمة حربا على التنوير، بالوسائل التالية:
محاصرة المتنورين، أو غض الطرف عما يتعرضون له من مضايقات، فقامت بإغلاء أسعار الثقافة والتنوير، وشجعتْ على محاصرة المثقفين في أرزاقهم.
أسسَّ لوبي العولمة الاقتصادي بيئات الجهالات، فقام إعلامها بتعزيز العادات القبلية، ونشر الجهالات والهرطقات، وأسهم إعلام ألفية التجارة أيضا في إعادة بعث العرقيات والإثنيات وبذر الصراع بينها، وإشعال الحروب، ومن المعروف أن الثقافات تنفي الجهالات!
استحدثت المؤسسات الصناعية والتكنلوجية، منظومات (الفكر البديل) وهو الحواسيب بمختلف أشكالها، لتنوب عن الفكر، ولم تقم بنشر ثقافة هذه الحواسيب.
وإذا أضفنا إلى ما سبق؛ احتكار الفكر والثقافة المسؤولة عن الابتكارات، وإفراغ الدول الصغيرة من عقولها، وذلك باصطياد كفاءاتها العقلية، وتفريغها من البنية الثقافية والفكرية، فإن كل ما سبق هو تدمير مُنظَّم للبنية الثقافية التنويرية التوعوية.
أستعيد دائما كتاب (مستقبل البشرية) لفيديريكو ماير، الصادر في بداية الألفية، أورد الكتابُ الإحصائية التالية:
يزيد عدد سكان العالم بمعدل مائتي ألف نسمة في اليوم الواحد!!
ويضيف الكاتب قائلا: ليس الخطر المحدق بالبشرية، والناتج عن زيادة المواليد، هو تلوث البيئة، ولكن الخطر الحقيقي هو تلوث العقـــــــــــول!
الكاتب، فيديريكو ماير على حق فيما ذهب إليه، فهو يشير إلى أن تلوث العقول ناجمٌ عن خطة وضعتْها عقولُ الأقوياء للانفراد بالسلطة والتفوق، فقد أدرك هؤلاء المتفوقون بأن الثقافة تساوي بالضبط السلطة، فمن يمتلك مصادر المعارف، أي العقول المبدعة، هو المتفوق الوحيد، ولإبقاء السلطة وقتا طويلا لا بد من نشر التلوث العقلي، وتعميمه بين الشعوب المستهلكة للثقافة، خشية أن تنازع المتفوقين على تفوُّقهم !
وفيديريكو ماير يقول أيضا في الكتاب نفسه: إن كسر احتكار الثقافة، وانتزاعها من أيدي القلة، التي تحتكرها، هو عمل ثوري تحرري!
ومن مظاهر التلوث العقلي الجلية والواضحة في العالم العربي أننا صرنا نؤمن بأن المستقبل (غول) ووحش ينبغي علينا أن نتجنبه، وحصرنا الحياة المثلى في الماضي الغابر، وكان مفروضا أن يُدرس (التراث الماضي) باعتباره الباعثَ للمستقبل المشرق.
إنَّ التراثَ منجم المادة الخام للتطور الثقافي للحاضر والمستقبل! وهذا ما فعلته (دول الاحتكارات الثقافية) فبزّت غيرها، وأخفت هذا السر عن الدول الصغيرة، حتى لا يُكتشف سرُّ التفوّق!
ومن مظاهر التلوث العقلي عند العرب، إخفاقُنا في وضع برنامج تعليمي مستقبلي لأبنائنا ،فقد أصبحت عقولهم أكبر من البرامج التعليمية التقليدية البائدة، التي وضعها السابقون من الآباء والأجداد، لدرجة أن الصغار اكتشفوا ذلك، وأخذوا ينسحبون من تلك البرامج، وحولوا مواد الدراسة، التي وضعها الكبار، من مخزون عقلي يساهم في توسيع الإدراك، إلى مخزون لفظي وحفظي، فصارت العلوم أناشيدَ غايتها النهائية إرضاءَ الآباء، وليس ارتياد المستقبل،
ومن مظاهر التلوث أيضا، خضوعُ الثقافات في العالم العربي للاحتكارات التجارية والمالية ، بحيث صارت الثقافة، وهي رمز السيادة والسلطة، تابعا تجاريا، تخضع وتقاس بنواتجها المادية الاحتكارية، فغدت أغلفة الكتب أهمَّ من محتوياتها، فازدهرت طباعة الأغلفة، وفرز الألوان، على حساب المضمون الثقافي والفكري، فاقتحم مجالات التأليف جاهلون ومغامرون، ليسوا من المثقفين الحقيقيين، لأنهم يقدرون على دفع ثمن الأوراق المطبوعة فقط ، دون أن يكون لتآليفهم أيةُ قيمةٍ فكرية .
ومن أبرز مظاهر التلوث العقلي ، هروب المبدعين والمخترعين من أجواء التلوث العقلي في العالم العربي ، بحيث أصبح معظم العالم العربي (نظيفا) من عقول العباقرة ، وسرت شائعة في العالم العربي تقول:
"من أرد أن يبدع فعليه أن يترك الأجواء الثقافية الملوثة في العالم العربي!
ليس الأمر كما -يظن كثيرون – وليدَ الصدفةِ، ولكنه مقصودٌ لكي يبقى عالمُنا العربي في ذيل العالم، يتغذى على نفايات هذا العالم العقلية والإبداعية.
فعلى الرغم من أن الذين يجيدون اللغات الأجنبية في العالم العربي لا يُحصون لكثرتهم، وكثرة مدارس اللغات، وكثرة المبعوثين، إلا أن [المترجمات] من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية في كل العالم العربي، في عام أو أكثر، لا تساوي مترجمات يومٍ واحد في دولة أوروبية واحدة.
كما أن هذا القليل الذي يُترجم لا يُحسب على الثقافة، بل يحس على الكتب الوظيفية، مثل كتب الدراسة الجامعية، وغيرها من المترجمات الأكاديمية!!